عشية قمة جنيف…
—————-
بوتين يجتث المعارضة ويستعد لمنازلة جودو مع بايدن!
سلام مسافر.
لا أحد يتوقع اختراقًا في قمة جنيف المزمعة بين فلاديمير بوتين وجو بايدن يوم 16 يونيو/ حزيران الجاري.
فعشية القمة استبقتها ؛ الادارتان الروسية والأميركية، بتوقعات متشائمة، وصلت الى حد ان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وصف العلاقات بين بلاده وواشنطن بانها بلغت درجة الصفر، ولم تشهد ترديا بهذا المستوى،منذ انتهاء الحرب الباردة.
ولعل لافروف، المعتكف حاليا؛ بفعل اصابته للمرة الثانية، بالكارونا، لم يذهب أبعد فيقول، انها وصلت الى درجة من السوء لم تبلغها، حتى في أعلى درجات التوتر حقبة الحرب الباردة، وكانت قاب قوسين من المواجهة النووية في أزمة الكاريبي1962.
فلم يجرؤ رئيس أميركي، خلال عقود المجابهة بين موسكو وواشنطن على نعت؛ مسؤول روسي رفيع ؛ بانه قاتل.
وفي سنوات ما يعرف بالقمع الستاليني، تحدثت الإدارات الأميركية عن “الطاغية” و” الدكتاتور”، رغم المعلومات المتواترة عن عمليات القمع والتصفيات والاعدامات في صفوف، معارضي ستالين، وخصومه السياسيين داخل وخارج الحزب الشيوعي السوفيتي.
ولم يصدر عن رئيس أميركي، تصريح، مهين بحق القيادة السوفيتية، التي وجدت في التحالفات الدولية والإقليمية، مصدا يضم دولا مختلفة، أدرجتها في خانة الحلفاء، لمواجهة الكتلة الاميركية-الاطلسية.
وبعد وفاة ستالين ، وسقوط الجدار الحديدي، تمكن خليفته، نيكيتا خروشوف من” اختراق” اميركا، بزيارة استغرقت، زهاء الأسبوعين، شغل العالم خلالها بتصريحات لوذعية،من قبيل” سندفنكم يا امبرياليين”!
تحرك خروشوف على قاعدة أن الإتحاد السوفيتي، كان أول من أرسل رائد فضاء في العالم، وأول من وصل الى تصنيع القنبلة الهيدروجينية، بينما كان عشرات الوف المهندسين والعمال السوفيت، يساهمون في بناء مشاريع عملاقة من قبيل السد العالي، في مصر، ومصانع ومعامل وجسور وسدود في سوريا والجزائر؛ والعراق وليبيا والسودان، و وسط وغرب أفريقيا وفي الهند الصينية ، ومارس سياسة القوة الناعمة عبر الخبراء والمساعدات الاممية، وباع الأسلحة لمختلف دول العالم، ويستضيف ويرعى مؤتمرات عدم الانحياز ، وحركات السلام، والقوى المناهضة للعنصرية والصهيونية والفاشية .
وحرك الشوارع الأوربية بالتظاهرات المنددة بحروب اليانكي، ويدعم الاحزاب الشيوعيه في أوروبا التي وصلت بقوة الى برلمانات إيطاليا وفرنسا وغيرهما، وبدات تتلاشى تدريجيا صورة ستالين المتجهمة من الذاكرة الاوربية.
خلال حقبة بريحنيف، الذي أسقط خروشوف ، بانقلاب قاده جهاز أمن الدولة السوفيتية( كي جي بي)، وجد سدنة الحزب الشيوعي السوفيتي، في سياسة الانفراج، سبيلا للحفاظ على علاقة متوازنة مع التحالف الاطلسي، رغم التوتر، الذي وصل ذروته بدخول القوات السوفيتية الى أفغانستان.
ولم تصل العلاقات بين موسكو وواشنطن الى مستوى الشتائم والنعوت القاسية.
وتفّرد ممثل أفلام العنف، دونالد ريغن، عن أسلافه، بنعته الشهير للاتحاد السوفيتي على انه
” إمبراطورية الشر”.
لم يثر وصف الرئيس الاميركي المعروف عنه حركاته البهلوانبة، حفيظة الكرملين، لان قادته، لم يوفروا نعتا الا واطلقوه على اليانكي الأميركي .
في كل تلك الحقب، حافظ البيت الأبيض والكرملين ، على اللياقة بعدم التعرض لشخصية القيادات، مع ان صحافة البلدين، كانت تهيل الشتائم، وتترصد العثرات، وتبحث عن كل ما يمثل إدانة لساسة البلدين.
رد بوتين على شتيمة بايدن بانه قاتل، بعبارة” الإناء ينضح بما فيه” وأردفها بالقول” أتمنى له الصحة” غامزا في إشاعة ان الرئيس الأميركي الخامس والأربعين يعاني من الخرف.
والى فرضية خرف بايدن، تستند أغلبية التعليقات على ضفتي الأطلسي، عشية قمة جنيف.
فمعظم المعلقين الروس ، يستبشرون خيرا في نجاح القمة التي يتفقون جميعا على ان محصلتها ستكون ” صفر”.
لكن رهانهم على بوتين، القوي، لاعب الجودو، الذي يغطس في الجليد، كل عام بعيد التعميد، قادر على ان “يبطح”، نظيره، الهرم، الناعس، بايدن الذي تمنى له سلفه ترامب، بوقاحته المعهودة، ان لا يَغفُو أثناء الاجتماع. وحمّله ” أحر التحايا الى فلاديمير” في إشارة على ما يشاع عن علاقة قوية بين ترامب و بوتين.
وفي الولايات المتحدة، لا يخفي الجمهوريون، قلقهم من فشل بايدن في المواجهة مع خصم عنيد، قادر على المناورة، وغير مستعد لتقديم تنازلات، بما في ذلك، الملف الذي يلوح به” الجد” بايدن، وتعتبره الإدارة الديمقراطية، أبو الملفات في منافحة موسكو؛؛
حقوق الانسان، والتضييق على المعارضين الروس، وفي المقدمة المعارض رقم واحد أليكسي نافالني، حبيس سجن مدينة بكروف بضواحي موسكو.
سارع الكرملين، قبل أيام من قمة جنيف، الى إغلاق، وتجريم عدد من منظمات المجتمع المدني،في مقدمتها (صندوق مكافحة الفساد) المدرج في وزارة العدل الروسية على انه عميل أجنبي ، والذي اسسه نافالني قبل عقد من الزمن، وصنفها على انها جمعيات متطرفة، تحّرض على العنف وإسقاط النظام.
وحاصر مواقع إعلامية وصحفا الكترونية، مثل ” ميدوزا”؛ أشهر موقع أخباري، واعتبرته المحكمة، عميلا أجنبيا، الأمر الذي أفضى الى امتناع الشركات عن الإعلان في الموقع؛ وحرمته بذلك من المورد الاساس للتمويل.
واصدرت المحكمة، أمرا قضائيا، باثر رجعي، يحرم كل من تعامل مع صندوق نافالني لمكافحة الفساد، من الترشح للانتخابات المحلية أو الفدرالية، ويفرض قيودا على نشاط الاشخاص المسجلين رسميا في الصندوق، أو من تبرع له على مدى السنوات الماضية.
يذكر ان زهاء نصف مليون ناشط ؛ يشكلون القاعدة الشعبية لصندوق نافالني.فيما يتوقع الخبراء ان يطال القانون، باثره الرجعي؛ أكثر من مليون ناشط، لم يعد بامكانهم الترشح في الانتخابات لسنوات طويلة.
وعلى وقع تصريحات بايدن، والإدارة الأميركية، المنددة، بالقوانين التي تصفها بالتعسفية، تعلن موسكو على لسان أرفع المسؤولين، بان روسيا لن تخضع الى الابتزاز، وان ما صدر من قوانين، وإجراءات بحق” العملاء” شأن داخلي، دوافعه حماية أمن واستقرار روسيا، ودرء خطر الثورات الملونة التي يؤكد خبراء الكرملين انها تدار من لانغلي، مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
لقد اجتث الكرملين المعارضة غير الرسمية. واغلق امامها أفق ، المشاركة في الانتخابات، على مختلف المستويات،و لن تجد بقايا المعارضة الروسية المتشظية، غير الانتقال الى العمل في الشارع، وزيادة جرعة التحريض، والهجرة الى دول الجوار، بولندا واوكرانيا، وجمهوريات البلطيق التي تناصب موسكو العداء لدوافع وأسباب مختلفة، لكنها تلتقي على احتواء ورعاية معارضي بوتين، الذي لن يفاجيء العالم بقرارات غير متوقعة في قمة جنيف؛ لكنه سيحرص، وفق رأي غالبية الخبراء، على الضفتين، لان يظهر أكبر قدر من الصلابة، وصولا الى الاستخفاف بمن سيقابله في طاولة قمة جنيف، والحفاظ على صورة” القبضاي”، داخليا وخارجيا.
عن مدونة الكاتب سلام مسافر

Kan vara en bild av 1 person, inomhus och text
‎2021-‎06-‎11