شرق المتوسطية على مشارف اللاارضوية؟/6!
عبدالامير الركابي.
عام 2003 مع مفتتح القرن الحادي والعشرين أقدمت الإمبراطورية المفقسة خارج رحم التاريخ على انهاء الانعكاس الغربي ممثلا في الدولة المفبركة في ارض الرافدين، لتنهي بذلك نوع حضورالغرب كما امكن من عام 1921، في حين قامت بعد ثمان سنوات في ارض النيل حركة انتفاض عارمة، شملت المنطقة، جاءت شرارتها من تونس، سرعان ماتمت تسميتها من قبل الغرب ب “الربيع العربي”، والذي هو الدالة الأولى في مصر على انتهاء الطور التاريخي الطويل المبتدء من تشكل مصر ك”هبة للنيل” قبل الاف السنين الى اليوم، حيث توقف مفعول النهر العظيم، وماعاد قادراعلى الفعل في الكينونة المجتمعية. اما في الجزيرة العربيه فما لبث ان جاء محمد بن سلمان او “محمد الثالث!!!” (1) كمؤشر على اختلال الاستحالة الناجم عن زوال نمط مجتمع اللادولة الاحترابي، وبلوغ مجتمعية اعادة الصياغة الريعية النفطية اقصى حدودها الانقلابية، مؤشرة لدخول الجزيرة العربيه عصر مابعد النفط مجتمعيا.
والملاحظ اليوم ان مايعرف بمجال “الأفكار” والمتابعه التنظيرية “الجديثة” بما هي انعكاس وتماه مع الغرب، قد توقفت ولم تعد حاضرة، فلم تكن لتفلح، ولاكان متوقعا ان يظهرفي المنطقة، البديل المنتظر، والذي طال غيابه عنها، ويكون من نمط مايعتبر من نسيج الحاصل من متغير انقلابي، او مما يتوافق وطبيعته الاستثنائية، فما تعرفه المنطقة اليوم، يسجل بداهة وبالمنطق، نهاية حتى الحضور الايهامي المزيف لماكان قد عرف في الفترات الحديثة المسماة “النهضوية”، افكارا حديثة، وبمقدمها صيغ “الوطنية” النقلية.
وفي العراق على سبيل المثال، ظهر بوضوح ابان تجربة التسعينات، واثناء الغزو الأمريكي عام 2003 ان هذه البلاد لم تعرف حتى تلك اللحظة ظهور “حركة وطنيه”، الامر الذي يعود الى الفترة بين 1921/1958 حين راحت تتداول وقتها كلمة او تعبير “الوطنيه” الايديلوجية المركبة خارج السياق، بعيداعن المقتضيات الفعليه كما صارت مطروحة على العقل العراقي منذ القرن السادس عشر، ان لم يكن منذ قيام المجتمعية اللاارضوية في سومر ابان الدورة التاريخيه الأولى، او في الثانيه العباسية القرمطية الانتظارية. الى ان ذهب المتصدون العارضون للمهمه المشار اليها، الى استبدال العراق وارض مابين النهرين “ايديلوجيا”بقطعه متخيله من اوربا كما هي صارت اليوم، أوكما تقدم نفسها ساعية لفرض نموذجها، فكانت الطبعات المناظرة تخيلا، ماركسية، او قومية، او ليبراليه، قبل ان تعود وتلتحق بها، الانتظارية الدينية لتفرز من جهتها اشكالا من المواكبة الراهنه الاضطرارية.
هكذا يكون العراق في العصر الحديث قد عاش خلال الفترة مابين 1921/2003، بلا “حركة وطنيه”، او مايمكن اطلاق هذه التسمية عليه واقعا وضرورات تاريخيه ذاتيه، بينما هو قد بلغ لحظة وصول مسار الدورات والانقطاعات التاريخي منتهاه، واخر ممكناته، بمقابل حالة توقف مصر عن ان تكون كما كانت الى اليوم “هبة النيل”، وانتهاء زمن كينونة الجزيرة العربية كمجتمع لادولة احترابي، ومع انعكاسات مايمكن تخيله من متغيرات تاريخية نوعية فاصلة كهذه على النافذه الشامية المطلة على البحر اضطرابا وتشوشا لاحل له. هذا الانقلاب الاستعادي التاريخي الفاصل، لم يكن من اختصاص منطقة احتشاد الأنماط المجتمعية الشرق متوسطية لوحدها، وهو لم يات فقط من تفاعلات ذاتها الإقليمية من دون امتداد تفاعلي ابعد كما العادة، انقلب بموجبها المشهد الكوكبي، فخرجت اوربا عن نطاق كينونتها التاريخيه عمليا، كما ختم زمن فعاليتها الباقية منذ الثورة الالية البرجوازية، ومانتج عنها، وعن تداعياتها المغفلة غير الملاحظة، وبالذات على صعيد أولوية الالية على الطبقية، وماترتب على فعلها من ثنائية قطبية، وصولا الى انهيار المشهد الأوربي الأخير، وتحطم مرتكزات ثنائيته القطبية بانهيار الاتحاد السوفياتي، كمتبق من طور صعود الظاهرة الغربية ومآلاتها الالية الاقصى، قبل صعود الإمبراطورية المفقسه خارج رحم التاريخ، الأمريكية، واضطلاعها بانهاء متبقيات الظاهرة الغربية الالية الطبقية، والالية بلا طبقة برجوازية، الروسيه المسماة اشتراكية.
هكذا انتهى القرن العشرين على مشهد مستجد من معطيات مختلفة كليا، اعقب وبدأ يحل محل ماكان قد شاع وصار غالبا في القرون الثلاثة المنصرمه استنادا للمستجد الأوربي ومتغيره الكبير الشامل، العابر والواصل مابين انتهاء الزمن الأحادي المجتمعي غير التحولي، بعد بلوغه اعلى تجلياته وممكنه، وانبعاث المضمر المجتمعي الازدواجي التحولي اللاارضوي اليوم، مع دخول منطقة شرق المتوسط اشتراطات التعبير عن الذاتيه المضمرة، او ( الوطن /كونية) بظل زوال سطوة العامل الأحادي، وقرب اختفائه في المواضع الثلاث التي منها يتشكل موضع الاحتشادية النمطية المجتمعية، وفي المقدمة والاساس اعرقها وأكثرها تمثيلا للازدواجية المجتمعية، بنية وتوفرا على الأسباب والمحركات التاريخيه الضرورية لانبثاق الرؤية المتعدية للاحادية، وغلبتها المستمرة الى اليوم منذ تعذر تحقق التحولية البنيوية الأول في ارض الرافدين، ونكوصها الابتدائي ابان الدورة الأولى السومرية البابلية الابراهيمه.
يتوافق نوع الضرورة الراهن الشرق متوسطية، مع انتقال الثورة الاليه الأحادية الى المنقلب الاخر من المحيط حيث القارة الجديده، ونزوع المجتمعية المفقسه خارج رحم التاريخ الدائب للبحث عن كينونتها التي تبدا ابراهيميه، وتتحول الى اعلان خصوصية تضعها بمكان “الامه حامله الرسالة للبشرية” او ” امة الأمم”(2) المتحولة بناء لدوافع ذاتية مابعد غربية الى “التكنوترونيا”، والى الانفتاح بظل اشتراطات التشكل خارج رحم التاريخ، على النطقية التاريخيه المجتمعية العظمى المؤجله المضمره، وعلى ماهو وشيك الصدور عن، والانبثاق المتاخر من موضع البدء التاريخي المجتمعي، مع اماطة اللثام عن مكنون الظاهرة المجتمعية المؤجل، وحلول الوعي التحولي، فاميركا تبدا من نهاية المجتمعية الأحادية ولاتتحقق وتجد نفسها الا حين تلتقي بما بعدها، وماكان في اصل المجتمعية ومستهدفها المضمر المطموس والمؤجل.
فالمجتمعات وجدت بالاصل واكتملت بنيه في الشرق المتوسطي، موضع احتشاد الأنماط المجتمعية التحولي، وفي القلب منها موضع الازدواج المجتمعي الرافديني، وعاشت على مدى ثلاث دورات استغرقت مابقارب العشرة الاف عام، وهي تسير تفاعلا قاصدة يلوغ لحظة التعبير عن الذات و وعيها بمايعني حكما وعي الذات المجتمعية ككل، وهو مالم يكن ممكنا ولامتاحا انقاليا، الا بعد انتهاء زمن الأحادية، واستنفادها كافة ممكناتها، ماقد بدا مع نهضة الغرب المعاصروحداثته، لينتهي الى غياب وتوقف فعل العوامل البيئية النمطية شرق متوسطية، وبالذات فعل النيل بخاصياته، والجزيرة العربية والمترتب على نوع بيئتها وشكل الاقتصاد الملائم لها، الى العوامل المولدة لحالة العيش على حافة الفناء الابتدائية الرافدينية، وحلول طور اخر من اطوار العيش على حافة الفناء، يبدا مع عام 1980 ويبقى مستمرا الى اللحظة الراهنة، مرتكزا لاسباب وعوامل مابعد بيئية، ومتغيرات اقليميه ودولية انتهائية وانتقالية، الى مابعد غلبه او هيمنة غربية على مستوىى النموذج والأفكار.
مع ذلك وعلى وقعه، تتراجع الى ان تخرج كليا من الاعتبار، متبقيات الأفكار النقلية الغربية ومدعيات التوهمية “الوطنيه”، والمتماهية مع الغرب ونموذجه، بينما تبدا الاحداث في إحلال وبلورة الضرورة التاريخيه الكبرى، ومع العقد الأخير من القرن العشرين، والأول من القرن الحالي، تخرج كليا متبقيات مقاربات ومدعيات الحداثة والايديلوجيات المتصلة بها، وعلى وقع احتدامات ارض الرافدين/ العراق، والحروب الكونية التي عرفها ومرت عليه، ثم مايعرف ب “الربيع العربي” ومترتباته المتوقعه، وينجم عنه من انسدادات عنيفة، عدا مايرافق جملة تلك الاحداث، ويحيط بها من فقدان حضور الأفكار الملائمة، القابله لان تكون، او تحضر كعنصر تغييري تصوري لايعوض، ومع التراكم المتسارع لوطاة الفراغ التصوري، تحل متبلورة موجبات الانقلابية العظمى، ويصير الوجود اكثر فاكثر مستحيلا من دون الانبثاق الاعقالي المنتظر منذ الاف السنين.
ووقتها قد نسمع بعض أصوات تقول يضرورة ان ـ تستعيد الأفكار النقلية والمتماهية بدون إبداعية مع الغرب، بعد ان خرجت من السياق وماتت ـ، دورها المفقود، بدل ان تبادر للاعتراف بانها لم تعد تتمتع باية درجة من الصلاحية، بما في ذلك الوهمية التي كانت لها ، وانها بالاصل وتاسيسا، ليست اكثر من تفكرات منقوله، خارجه عن السياق الفعلي للالية الواقعية التاريخيه، ولمقتضيات واشتراطات اللحظة التاريخيه، وماتتضمنه من انتقالية كبرى حاسمه على مستوى المجتمعية والوجود.
يضاف لذلك القول بان الغربوية الحداثية هي لحظة وعتبة سابقه على الانتقال الى مابعد أحادية، وهو مايقع في منطقة شرق المتوسطية تحت يافطة “عصر النهضة” الزائفة، او فترة الانحطاط الثاني، السابق على، والمفضي الى تبلور حركة الأفكار المطابقة لاشتراطات الانتقال الى التحولية الازدواجية، الامر المنوط بحلول تفاعليه مابعد الكينونة البيئية الأولى النهرية الصحراوية، يالريع النفطي، او يغلبة حجم السكان على الطاقة النيليه كماالحال في مصر، حيث لايعود النيل قادرا على الحضور النمطي الحاسم، فتختل علاقة السكان بالاصل البنيوي، مايحل على اللوحة المصرية نوعا من الاختلال غير المعروف، ولا المسبوق، في حين يؤدي الريع النفطي الى قلب كينونة مجتمعية أحادية اللادولة المحكومة لافتصاد الغزو الصحراوي، بينما يحضر الريع النفطي في العراق منذ عام 1968 ليتحول الى منقذ أخير للفبركة الكيانيه الغربية، بعد ثبوت استحالتها، وانتهائها الى السحق الكامل يوم 14 تموز 1958.
وكما ينتقل الغرب الأوربي من المتواليه والاشتراطات البيئيىة الطبقية التاريخيه، بالالة، ينقلب عالم الشرق متوسطية من الطور اوعامل واساس التكوين النمطي المجتمعي، انما ليس بالالة شرطا، وبهذا يوجد التاريخ ومسار تصيره في هذه البقعة من المعمورة، وكما يفعل وفعل معها ابتداء وعادة، شكل انتقالية مناسب لكينونتها الأصل، يضعها بمواجهة عالم وزمن البدئية الثانيه.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منذ النبي “محمد” الابراهيمي، ممثل القمة الأعلى الجزيرية كمجتمع لادولة عقيدي متعد للقبلية، احترابي، كان لابد للجزيرة ان تعرف نوعا من محاولة استعادة لحظة تصدرها “محمد” بن عبدالوهاب صاحب محاولة استعادة مالا يستعاد سلفيا وانحطاطيا كما هو اسلام ابن تيميه، مع مقتضيات نظام القبلية المتغلبة التي تستعمل العقيدة كايديلوجيا، مايخالف كليا اشتراطات اللادولة العقيديه الاحترابية المحمدية الأولى، في حين تحل اليوم لحظة الاختلال بلا نموذج تطبيقي، بعد الاختلال الكلي في اصل البنية المجتمعية، وانقلابها بسبب نظام الريعيه النفطي القبلي، وهو مايحاول الاضطلاع به شخص من نوعها صغير بكل المقاييس، هو الآخر وبالصدفة البحته، يحمل اسم “محمد” ابن سلمان.
(2) هذا مايداب على الإعلان عنه في محاولة لتكريسه كل الناطقين الساعين لبلورة هوية أمريكا، وبالمقدمه رؤسائها الكبار.
‎2021-‎06-‎09