مانشيت اليوم…

افاق جديدة في خطاب السيد..

لا شك ان اجمل ما في الطلة الاعلامية الاخيرة للامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، هي طلته بحد ذاتها، وظهوره امام محبيه والشعوب العربية والاسلامية بصحة جيدة. وهو ما اصاب دوائر الكيان الصهيوني بالخيبة بعد ان حاولت الاستثمار بحالته الصحية.

وليس خافيا ان جمهور المقاومة عاش فترة من القلق بانتظار هذه اللحظة. ومرد ذلك ليس تلك الحالة الفريدة من الارتباط العاطفي بين هذا القائد وشعبه، بل لان شخصية السيد صارت جزءا من معادلة الردع الاستراتيجي، نسبة لتأثيره الحاسم على الرأي العام في معسكر الاعداء، والثقة العالية بصدقيته ووضوحه.

ولكن السيد فاجأنا بأن خطابه في الذكرى الثلاثين لتأسيس قناة المنار التلفزيونية، تحول الى استحضار لثلاثين عاما من المواجهة والتضحيات، كثفها السيد في محطات رئيسية، وجعل لكل منها رمزية خاصة. وما بين هذه وتلك تجلى السيد بعرض ملامح الاستراتيجية الجديدة للمقاومة في المنطقة.

ولعلنا نشير الى ثابتتين رئيسيتين جرت اعادة التركيز عليهما اليوم، نظرا لاهمية التعامل معهما، بحيثيتهما المبدئية والقيمية التي يحرص حزب الله على التمسك بها. فالعلاقة مع فلسطين ليس حدثا طارئا او موسميا بل هو خيار مبدئي هو جزء من العقيدة الدينية التي بُنِيَ عليها هذا الحزب، لا تتأثر بالمتغيرات السياسية.

والثابت الاخر في استراتيجية المقاومة هو الانتصار لمظلومية الشعب اليمني، بما يتجاوز المصالح السياسية، ليصل الى حدود الهوية الثقافية والايديولوجية للمقاومة كحركة جهادية لمواجهة الامبريالية والصهيونية، ورفض الذل والهيمنة والاستعباد.. وهذه هو الوجه الحقيقي للمقاومة كجزء من حركة التاريخ.

الا اننا سنتوقف عند الشق الداخلي اللبناني في خطاب الامين، نظرا لما تميز به من خصوصية، لعلنا لا نبالغ بالقول انها فتحت افقا جديدا لتطور الصراع في هذا البلد، الذي يريده الغرب مختبرا للسياسات الاقليمية، وبما يؤشر الى انتقال المقاومة من تحرير الارض، الى مواجهة الاستبداد والفساد الداخلي.

وهذا التطور ليس بالامر السهل ولا الحدث الجانبي. اذ ان قسما كبيرا من جمهور المقاومة، ومن الرأي العام المستقل، بات يطالبها بالحسم في هذه المأساة التي طال امدها، والتي تحولت الى عملية انتقام وحشية من الناس، الذين رفضوا الانسياق وراء الرغبة الاميركية في تفجير الفتنة الداخلية والعداء للمقاومة.

وهنا باعتقادي يكمن التطور الابرز في استراتيجية المقاومة، التي ظلت حتى يوم امس، تتحفظ على استخدام فائض القوة الذي بحوزتها في اللعبة السياسية الداخلية، وقبلت ان يتم التعامل معها كفريق من بين الافرقاء، واحتفاظها بحذرها الشديد من المس بالتوازنات التي يقوم عليها النظام السياسي اللبناني المشوه..

فالمقاومة هي لتحرير الارض وحماية الوطن وشعبه، والتصدي للمؤامرات والمشاريع الثابتة للكيان الصهيوني واطماعه في الثروات اللبنانية.. اما لعبة النظام والحركة السياسية فيه فتحكمها معادلات اخرى، حرصت المقاومة اكثر من اي فريق اخر على عدم المس بها لتتجنب الحروب الجانبية والفتن الداخلية.

ولطالما شجعت المقاومة وساهمت في تفعيل اطراف الحركة الوطنية، بصرف النظر عن منطلقاتها الفكرية والعقائدية، ودعتها باستمرار للمبادرة في طرح مشروع وطني للتغيير، بالاستناد الى قوة المقاومة، وهي تعلم العلاقة بين الانظمة الفاسدة والهيمنة الامبريالية، والتي تفرض التحالف بين المقاومة وقوى التغيير الديمقراطي.

وليس الان الوقت المناسب للحديث عن عدم نضوج هذه الرؤية، التي لا غنى عنها لضمان التغيير الايجابي في لبنان، ولكن ما يهمنا هو القول ان السيد نصرالله فتح الباب، وبادر لان تضع المقاومة يدها على مفصل حساس من مفاصل النظام، واحد ابرز معالم الازمة التي يعيشها اللبنانيون منذ سنتين.

ومع الثقة المطلقة بأن المقاومة قادرة على انجاز هذا الملف وتحقيق النصر فيه، لا بد من التأكيد، لاسباب تخص التركيبة اللبنانية، على ضرورة استنفار القوى الوطنية الحريصة على مواجهة الازمة، لاحتضان ما اعلن عنه السيد، وتعبئة الشارع اللبناني بأولويته، والمصلحة القصوى في حمايته ودعمه ونجاحه.

ان حزب الله سيتوجه الى ايران لاستيراد بواخر بنزين وبواخر ديزل وسينقلها الى مرفأ بيروت لتفريغها، اذا ظلت اجهزة الدولة على ما هي عليه من ضعف وفساد وخوف من التهديد الاميركي.. والقاعدة التي بنى عليها السيد ان الوضع الحالي فيه من الاهانة والذل لشعب لبنان ما لا ترضى به المقاومة ولا تتحمله.

وهذا الموقف بالغ الاهمية ويمكن ان نقرأ فيه: 1- ان حزب الله فتح معركة محاربة الفساد بالنهج الثوري، بعد ان حاول جاهدا عبر المؤسسات.2- انه ما زال متمسكا بالدولة لكنه يرى ضرورة مساعدتها للانتصار على ضعفها وتحريرها من الطغمة الحاكمة. 3- ان التصدي لازمة الطاقة ضربة معلم استراتيجية.

فمنذ اليوم الاول للازمة، توالت مبادرات حزب الله لمواجهة تبعاتها، فجند عشرات الالاف من الشباب والشابات لتقديم الخدمات الصحية، وتبنى خطة واسعة لمساعدة العائلات الاكثر فقرا، ثم وسع اطار عمل القرض الحسن، واطلق المقاومة الزراعية، ودعم مشاريع انتاج صغيرة وغير ذلك من المبادرات..

الا ان كل هذه الانشطة كانت تحاول تخفيف اثار الازمة العاصفة. بينما ترك امر معالجة الاسباب للقنوات النظامية والمؤسسات الرسمية للدولة. الا انه هذه المرة يخطو خطوة جريئة الى الامام، بعد ان ضاق ذرعا بالعقلية المتكلسة للطبقة السياسية، والارتهان المعيب لبعض اطرافها للقرار الخارجي.

والكل يعلم ان المواد البترولية ليست مجرد حاجة للسيارات ووسائل النقل، بل هي في هذا الزمن الدم الذي يغذي شرايين الاقتصاد، من حاجة المنازل الى عمل الافران والمصانع الى المستشفيات والمختبرات، الى الاضاءة وصولا الى شبكات الهاتف والانترنت. باختصار هي كل حركة المجتمع والدولة ومؤسساتها.

لكن اهمية الطاقة ليست بالخدمات التي توفرها، ولا بالاثر النفسي والضغط العصبي الذي تسببه، وحسب، بل لانها جزء اساسي من منظومة الاحتكار، التي تشكل قاعدة النظام الرأسمالي، وأوسع ابواب الفساد وهيمنة القوى الخارجية. اذ ليس صدفة ان اهم المعارك السياسية جرت على حلبة وزارة الطاقة.

فاذا استطعنا خوض هذه المعركة، وانتزعنا ورقة احتكار الطاقة من يد ارباب النظام الرأسمالي، فاننا ننجز مهمتين في آن معا: سد احد ابواب الضغط على اللبنانيين وابتزازهم لفرض التنازلات عليهم!! وهز قلعة النظام وفتح ثغرة في حصونه المنيعة حتى الان، وكسر ابرز اعمدة الاستغلال والنهب الاقتصادية.

انها فرصة جديدة تفتحها المقاومة لقوى التغيير والاصلاح في المجتمع اللبناني، ليس للخروج من الازمة وحسب، بل لضرب الطبقة الفاسدة المفلسة والتي ستحاول استنفار كل قوتها لاحباط هذه المحاولة، اما بالحديث عن الشرعية والنظام، واما عبر توتير الاوضاع المذهبية وحرف البوصلة الى مكان اخر.

ان كلمات السيد المختارة بدقة، عبرت عن هذه المخاوف، ولهذا فهو اصر على ادخال البواخر من مرفأ بيروت، وبموافقة السلطات الرسمية، التي رأى انها عاجزة عن تحدي القرار الاميركي بمنع الذهاب شرقا، الا انها قد تكون اعجز عن منع ادخال المواد البترولية التي تحولت الى سوط لاذلال اللبنانيين.

انها بداية مهمة بذاتها، واكثر اهمية بما تفتحه من افاق للتغيير واستعادة الوطن من وحش الاحتكار والفساد، بعد ان استعيدت ارضه من وحش الاحتلال. وكرامته من براثن العدوان والاذلال.
‎2021-‎06-‎09