سلافة جاد الله.. من مؤسسي سينما الثورة الفلسطينية!
نبيل السهلي.
تعددت أشكال الكفاح الوطني الفلسطيني؛ فكان الفدائي رمزاً للصدام المباشر مع جيش الاحتلال منذ البداية؛ في وقت لم تغب فيه سبل أخرى للكفاح مساندة للثورة واستمرارها بهدف تحرير الوطن السليب وعودة اللاجئين الفلسطينيين إليه؛ فظهرت رموز أدبية وفكرية وإعلامية وفنية، كما لعب التوثيق للثورة الفلسطينية المعاصرة بالأرشفة والصورة أيضاً دوراً مميزاً في صعود وانتشار أفكار الثورة وبطولات الثوار وعدالة القضية التي انطلقوا من أجلها. وقد سطع اسم الراحلة سلافة جاد الله كأول مصورة سينمائية فلسطينية وثقت بداية بالصورة صورا لشهداء الثورة الفلسطينية وتحميضها وحفظها من التلف كأرشيف في منزلها.
سيرة سلافة جاد الله
ولدت الراحلة سلافة جاد الله في مدينة نابلس في الضفة الغربية في عام 1941، كانت شغوفة إلى حد كبير بالتصوير السينمائي والتوثيق، وقد حققت حلمها حين أتمت الدراسة الثانوية، وتوجهت إلى القاهرة لدراسة فن السينما، فكانت أول فتاة عربية تدخل هذا المضمار من بوابة الدراسة الأكاديمية.

عندما وقعت حرب الخامس من حزيران/ يونيو من عام 1967، قامت مع المصور السينمائي الفلسطيني هاني جوهرية بتصوير أحداث وآثار تلك الحرب ومأساة النزوح الفلسطيني الذي حدث خلالها، لتنضم تالياً إلى صفوف الثورة الفلسطينية باكراً واستطاعت بمثابرتها تأسيس فسم التصوير الفوتوغرافي في حركة فتح، وبالعاصمة الأردنية عمان خلال عام 1968؛ جنباً إلى جنب مع المخرج الراحل مصطفى أبو علي، والمصور الشهيد هاني جوهرية، ليتطور الأداء بشكل سريع بعد معركة الكرامة في الحادي والعشرين من آذار/ مارس من نفس العام؛ انطلاقا بالتقاط صور بعض شهداء للثورة الفلسطينية. وكان الهدف الرئيسي للقسم المذكور، القيام بتوثيق مجريات وأحداث الثورة الفلسطينية؛ حيث بدأ العمل بإمكانيات بدائية جداً، وضمن مطبخ صغير تم تحويله إلى مختبر، وكان تحميض وتجفيف الأفلام يتم على “بابور غاز”، وكان اللافت تصوير الراحلة سلافة جاد الله لمظاهرات الفلسطينيين في الأردن المعارضة لمشروع روجرز، كما أنها قامت بتوثيق بعض المقابلات السينمائية مع الشخصيات الرافضة للمشروع.

واستعانت سلافة مع مجموعة مصورين آخرين بالمخرج صلاح أبو هنود، الذي وضع فكرة الفيلم التسجيلي القصير “لا للحل السلمي”؛ ليعتبر أول فيلم لوحدة “أفلام فلسطين” والثورة الفلسطينية المعاصرة. كما شاركت الراحلة سلافة جاد الله مع ثلة من المصورين؛ في تصوير الأحداث التي وقعت بين قوات الثورة الفلسطينية والجيش الأردني عام 1970، وقد استطاع الرئيس الشهيد ياسر عرفات، وقتها، من إخراج هذه الأفلام معه، وعرضها أمام القمة العربية الطارئة التي عقدت في القاهرة لمناقشة تلك الأحداث المؤسفة.
النشأة والدراما الحزينة
دراما حزينة تعرضت لها الراحلة سلافة جاد الله؛ حيث لم تستطع اللحاق برفاق الدرب والكفاح إلى لبنان بعد عام 1970، وقد أصيبت برصاصة سببت لها الشلل، وأنهت حياتها المهنية، ولم تتمكن من الخروج من الأردن، لتصل بعد سنوات إلى سوريا وتتوفى في دمشق عام 2002 عن عمر ناهز الـ(61) عاماً.

قليلة هي المواد الإعلامية التي تحدثت عن الراحلة السينمائية والمصورة الفلسطينية سلافة جاد الله ودورها الوطني. ومن الأهمية الإشارة إلى أن سلافة تتلمذت على يد شقيقها الأكبر المرحوم رماء جاد الله، وكان أحد رواد التصوير الفوتوغرافي في فلسطين، حيث بدأ مشواره في عالم التصوير الفوتوغرافي والرسم في أربعينيات القرن الماضي في مدينة نابلس، ثم قام بتأسيس الأستوديو الأكثر شهرة في المدينة، آنذاك، والمعروف باسم ستوديو “رماء”.

وقد بادرت الراحلة في أواخر خمسينيات القرن المنصرم، مع شقيقها رماء، وبعض هواة التصوير في فلسطين لتكوين رابطة للفنون الفلسطينية. ونشأت الراحلة سلافة جاد الله في كنف عائلة وطنية منفتحة على الحياة، تربي أبناءها وبناتها على المبادرة والعطاء، إذ تلقت تعليمها في مدرسة العائشية، وكان عشقها للتصوير طريقها للتعبير عن حبها لمدينتها، دافعاً إياها لتلتقط عشرات الصور من تفاصيل المدينة لتصنع منها صورة متكاملة لمدينتها ومسقط رأسها نابلس.

ومن هنا انطلقت سلافة في بداية الستينيات، لتكون من أوائل الفتيات اللواتي يطمحن لإتمام تعليمهن الجامعي في مجال التصوير السينمائي، وتوجهت نحو معهد السينما في القاهرة، الذي كان لا يزال في بداياته. وكان التصوير السينمائي آنذاك مهنة نادرة وشاقة، وعلى سلافة أن تخوض التجربة وتنال هذا النوع من التخصص الفني والمهني الصعب والشاق في آن.

كانت الراحلة المصورة السينمائية سلافة جاد الله وستبقى أحد أهم رموز الكفاح الوطني الفلسطيني، وتعتبر من مؤسسي سينما الثورة الفلسطينية؛ فضلاً عن توثيقها بالصورة لفترة هامة ومفصلية في إطار التاريخ الوطني.

لقد تمّ إهمال سيرة الراحلة وهي التي تستحق الحضور على الدوام لما قدمته على مذبح الحرية وعودة الوطن الفلسطيني إلى أصحابه الشرعيين. وقد يكون من الأولوية بمكان أن تتبنى بعض الفضائيات العربية فيلماً وثائقياً حول الراحلة فهي تستحق التقدير والتكريم بعد واحد وعشرين عاماً من وفاتها.
*كاتب فلسطيني مقيم في هولندا


‎2021-‎05-‎04