استراتيجية بايدن من خلال جورج فريدمان!
موفق محادين.
ينظر فريدمان إلى سوريا كتهديد للمصالح الأميركية والإسرائيلية، رغم نجاح أميركا، كما يقول، في إجبارها على سحب قواتها من لبنان في العام 2006.

تبدو أفكار جورج فريدمان (باحث استراتيجي أميركي يهودي قريب إلى مدرسة بريجنسكي) برسم التوظيف من قبل الرئيس الأميركي جو بايدن، وذلك من خلال كتابه “الجمهورية والإمبراطورية”، كما “المائة العام المقبلة”. ومن جملة أفكاره الأساسية في الكتاب الأول:

1- ابتداء مما يسميه “فخ الإرهاب”، ينتقد استراتيجية بوش والشعار الذي ارتبط بها، وهو “الحرب على الإرهاب”. وفي رأيه:

– لا ينبغي رفع الإرهاب إلى مرتبة القضية الأساسية.

– لا يجوز للخوف أن يهدّد الاستراتيجيات.

– كما الجماعات الإرهابية، يمكن إحداث الرعب بعمليات محدودة للتأثير في الروح المعنوية وإظهار هشاشة العدو.

2- إعادة تحديد السياسة ولعبة التوازنات الدولية والإقليمية انطلاقاً من القواعد التالية:

– تطوير الاستراتيجيات الأميركية الثابتة حول العالم، وعلى رأسها الحفاظ على مركز الدولار، وتفوّق البحرية الأميركية، وضمان تدفّق الموارد الرئيسية، مثل النفط.

– قول “بالمرستون” الشهير حول المصالح التي تحدد الحليف والعدو في كل مرة.

– البحث عن دولة أو طرف ثالث مقابل تحالفات الكراهية بين ثنائيات مثل روسيا – ألمانيا، الصين – اليابان، تركيا – إيران، مركّزاً على الحلقة الثالثة، مثل بولندا في الحالة الأولى، وكوريا الجنوبية في الحالة الثانية.

– خوض الحرب نتيجة غضب غير مسموح به لأمّة مثل الولايات المتحدة، وكذلك عدم خوض الحرب التي لا يمكن كسبها أو التي تكون تكاليفها أعلى من عوائدها.

– الأمر الأكثر أهمية هو أن نتعلم من بريطانيا في ذروة عصرها الإمبراطوري عندما كانت تدير هذا العصر بوزارة المستعمرات، لا بعشرات الدوائر والأجهزة، كما الحالة الأميركية.

– في المجمل، إن الحلقات التي يركّز عليها كمراكز إقليمية لأميركا هي: بولندا، أوكرانيا، الأرجنتين، كوريا الجنوبية، تركيا، باكستان، كينيا، ونيجيريا، سواء للتواصل الإمبراطوري الأميركي، أو لموازنة الثنائيات الخطرة، أو لموازنة القوى الصاعدة، مثل ألمانيا وروسيا والصين واليابان وإيران…

3- القوى الأوروبية الأساسية، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، تبقى مشغولة أو تتحرك ضمن حسابات (محلية): ألمانيا كقوة رئيسية عينها على روسيا ومواردها، وفرنسا مشتّتة بين المتوسطية والفرنكفونية والتيار الأميركي، وبريطانيا غير مستقرة.

4- في ما يخص روسيا، يراها من زاوية بريجنسكي (الحوض الأوراسي)، ويحذر من انفتاحها، بل تكاملها مع ألمانيا (النفط والغاز واليد العاملة مقابل التكنولوجيا والاستثمارات التي باتت تفضل الانتقال إلى روسيا نفسها)، ويرى أن بوتين وضع روسيا على مسار جديد هو تطوير الموارد الطبيعية والاهتمام بالجيوبولتيك. وللحد من صعود روسيا، يقترح:

– التركيز على أوكرانيا (كما بريجنسكي)، إضافة إلى المنطقة بين أوكرانيا وكازاخستان التي تقع فيها مدن روسية مثل فولغا – غراد وستالين – غراد، وتحاط بالقوقاز (المعادي)، حيث أنابيب النفط.

– عدم الاهتمام بجورجيا مقابل التركيز على أوكرانيا.

– التركيز على بولندا (العدو التاريخي لروسيا وألمانيا).

– مشاغلة الكرملين بالجماعات الملونة ودعمها وإثارة حقوق الإنسان بين الحين والحين.

5- في ما يخص غرب الباسفيكي، وخصوصاً الصين واليابان وكوريا الجنوبية، يرسم الخطوط التالية:

– إن العلاقة بين الصين واليابان، كما العلاقة بين روسيا وألمانيا، تحتمها المصالح الأكثر قوة من “الكراهية”. ورغم أنه يحاول التقليل من أهمية الصين التي تحتاج إلى أسطول بحري إمبراطوري لا يمكن أن ينافس الأسطول الأميركي، بحسب قوله، إلا أنه يقترح التركيز على طرف ثالث هو كوريا الجنوبية، التي تحتفظ بعلاقات سيئة تاريخية مع الطرفين (الصين واليابان).

كما يدعو إلى الاهتمام بسنغافورة لاستخدامها في التضييق على الصين في مضيق ملقا.

6- في ما يخص أميركا الأخرى، النافتا واللاتينية، لا يرى مشكلة مع كندا، ويحصر المشاكل مع المكسيك في المخدرات والهجرة غير الشرعية، ويقسم أميركا الجنوبية إلى ثلاث دوائر، الدائرة الأولى الإنجليزية (غرب القارة الجنوبية)، وهي تشمل فنزويلا وكولومبيا والإكوادور والبيرو وبوليفيا وتشيلي، ولا يرى في أي منها تهديداً كبيراً، والدائرة الثانية الشرقية، وهي تشمل البرازيل والأرجنتين. وفي حين يضع البرازيل، كما المكسيك والهند، في دائرة القوى الاقتصادية الكبيرة التي تفتقر إلى الأذرع الإمبراطورية، يدعو إلى التركيز على الأرجنتين للموازنة مع البرازيل. أما الدائرة الثالثة، فهي دول الكاريبي التي تقع تحت السيطرة الأميركية، باستثناء كوبا التي يمكن، بحسب رأيه، أن تشهد جيلاً قابلاً للتسوية.

7- في ما يخص أفريقيا، فإنه يقاربها بعنوان ينطوي على استخفاف كبير “تركها على حالها”، مع اعترافه بتزايد المنافسة مع الصين وفرنسا على الموارد الكبيرة للقارّة، وباعترافه كذلك بما تعرضت له أميركا من إهانة في الصومال، وبأهمية القرن الأفريقي، ويرى أن ثمة دولتين يمكن أن تحظيا باهتمام الولايات المتحدة، هما كينيا ونيجيريا.

8- المنطقة الأخرى من العالم التي يوليها فريدمان اهتماماً كبيراً هي “الشرق الأوسط”، وهو يعلن أن إيران تعتبر المعضلة والهدف المباشر للسياسة الأميركية، رغم الفشل في كل المحاولات السابقة للإطاحة بالحكم فيها.

في ضوء ما سبق، يقدّم فريدمان التصورات التالية لمواجهة المعضلة الإيرانية:

– الاعتراف بالحضور الإيراني في الإقليم، والعمل على تحجيمه باستمرار ومنع إيران من تطوير قواتها البحرية، والاهتمام بتركيا وباكستان كعاملي توازن (سنّي) معها، والأكثر أهميّة منع التفاهم التركي معها، وكذلك الحال مع باكستان.

9- إلى جانب إيران، وتحت عنوان إعادة تحديد السياسة في الشرق الأوسط، يقارب دول المنطقة على النحو التالي:

– إبقاء مصر على حالها.

– النظر إلى سوريا كتهديد للمصالح الأميركية والإسرائيلية، رغم نجاح أميركا، كما يقول، في إجبارها على سحب قواتها من لبنان في العام 2006.

– في ما يخص “إسرائيل”، يرى فريدمان أن ما كانت تحتاجه الولايات المتحدة منها قبل 35 عاماً ليس ما تحتاجه اليوم، ويقول إنه ينبغي للرئيس مواصلة إرسال المبعوثين لوضع خرائط الطريق للسلام، وينبغي له الاستمرار في إدانة كل الأطراف على أية إساءات يرتكبونها، كما ينبغي أن يظل يلقي الخطابات المؤيدة لـ”إسرائيل”.

ويرى أن أفضل خيار لرئيس أميركي هو تهميش الصراع وإضفاء بعد ثانوي عليه قياساً بالاستحقاقات الأخرى، من دون أن يقدم مقاربات عملية للأطراف الأخرى ذات الصلة، المتمثلة بالفلسطينيين والأردنيين، ويكتفي بإشارات مقتضبة توسع دائرة التفاوض مع الفلسطينيين تحديداً، وتستخف على نحو لافت بالأردن إلى درجة وصفها بـ”المحمية الإسرائيلية”.

ويختتم فريدمان تصوراته بالقول: “مهما كان الحال في الماضي، فمن المؤكد اليوم أن هناك أمّة فلسطينية واعية بنفسها، وهذا جزء مما يجب أن يشكّل السياسة الأميركية في المستقبل”.
‎2021-‎04-‎19