العالم العربي وانهيار البنى البدئية؟/2!
عبدالامير الركابي.
بنتيجه حضور الغرب، وحقبة التشبه به باسم ” النهضة”، تولدت حصيلة تعيشها المنطقة اليوم، وصارت محكومة لبدايات تمخضاتها والحصيلة التي ترتبت عليها اخيرامع القرن الواحد والعشرين، قاعدتها انهيار البنى البدئية للشرق المتوسطي بما هو بؤرة تبلور الظاهرة المجتمعية وخطوتها الأولى في التاريخ، فلم تعد مصر بعد اليوم “هبة النيل” كما اسماها هيرودوت، ولا الجزيرة العربية ارض اللامنتجية واللاعمل، النمط الاحترابي لموضع اللادولة الأحادي المحكوم بنية لاقتصاد الغزو، في حين تبدل شكل واليات حالة “العيش على حافة الفناء” والكيانيه الازدواجية الامبراطورية الرافدينيه الأولى، لتحل مكانها صيغة “عيش على حافة الفناء” ثانية، من نوعها جوهرا، لكنها جديده، اهم مايميزها انها ليست بيئية بحته كما كان عليه الحال ابان المجافاة الطبيعيه شبه الكلية للعملية الإنتاجية، ابتداء من مخالفة النهرين دجلة والفرات للدورة الزراعية فيضانا، هذا غير المستجد الأهم المتمثل في تعطل التجسد الامبراطوري.
والشرق المتوسطي المتلازم المتداخل صعودا وذروة مع الدينامية الأعلى لبؤرة الفعالية الازدواجية ارض الرافدين، عاش اليوم ماخوذا بمفاعيل متفقة مع اشتراطات الانقطاع المميزه لتاريخ ارض الرافدين، حين تقوم وقتها الكيانيه المصرية/ الوطنية النهرية السكونيه الدنيا، بحجمها وموقعها، دور البديل عن غائب، ينهض بمهام تدبرية انية من دون اليات صعودية، وبظل غيابها، مانجم عنه ظهور حالتين بدتا متناقضتين تصدرتا المشهد، بالاخص في الطور المعروف ب” عصر النهضة العربية”، وهو تعبير مزيف ولد باشتراطات المكان الذي تكرس فيه، يخفي قلبا لمغزى وحقيقة مفهوم “النهضة” التي لم يعرفها العالم المعروف بالعربي في العصر الحديث، بقدر ماعرف أنواعا من الاستجابة للنموذج الغربي او الاعتكاف دونها، خارج الديناميات التاريخيه كما تجلت بالاخص، في حالتي مصر والجزيرة العربية مع المحمدين، الالباني المصري محمد علي، والجزيري محمد بن عبدالوهاب، ممثل اسلام زمن الانحطاط بطبعته السلفية الابن تيميه كما تبلورت بعد سقوط بغداد عاصمة الدورة الثانيه، وتحت وطاة غيابها، ومادل عليه من انتهاء دورة تاريخيه استمرت من القرن السابع، الى الثالث عشر، رمز انتهائة كسوف شمس بغداد عام 1258 .
في الحالة الثانيه الجزيرية، يمكن الاستدلال على امكانيه توقف النموذج الغربي الحديث، وعجزه المفهومي النموذجي عن اختراق موضع بعينه، فلاغرب حديث كان قادرا على النفاذ الى الجزيرة العربيه التي منها انطلق الإسلام في القرن السابع الميلادي على يد النبي محمد، اول المحمدات، واخر الأنبياء في التاريخ، غير القابل للتكراركنمط وطبيعة فعل، بغض النظر عن تكراره الذي لاعد له تسمية،( وصولا لمحمد بن سلمان)، ذلك علما بان الغرب لم يحجم عن رعاية حضور جزيري مفبرك “حديث” محتفظ بعناصره التكوينيه للضرورة، مع تكريس الجانب القبلي الايديلوجي من الإسلام، لاالاسلام المجتمعي العقيدي المحمدي الاستثناء في التاريخ الجزيري، بالارتكاز للريع النفطي العامل الميتجد الخاسم بعد الفشل والهزيمه الدعوية الوهابيه عسكريا( يستحق ظهور النفط بالشاكله التي هو عليها، مقارنه غائبة، بين الصحراء والريع باعتبارهما أداة تكريس للاعمل، الاحترابي/ الغزوي تاريخيا، وصولا الى الاعالة والتبطل المجتمعي من اعلى للمجتمعية القبليه المتحولة الى مفارقة السلاح الذي كان الجزيري يرضعه مع حليب امه) ومايتصل بذلك ويواكبه من نظام قاتل للبنية الأصل الجزيرية، الاحترابيه الخاضعه لاقتصاد الغزو بديلا للعمل التقليدي في الأرض( يحتقر البدوي بناء عليه العمل بكل اشكاله، ومنها تحديدا العمل في الأرض، وهو موقف متلائم مع صيغة مجتمعية بعبنها، لها مسوغاتها النابعه من كينونتها).
ولن نجد لدى عباقرة الحداثة والنهضة المفبركة(1)، أي تطرق لحال الجزيرة العربية كبنيه،سواء الأصل البدئي، او ماقد تجلى منها اليوم بناء على، وتحت وطاة الحضور الغربي والنفط، مع إسلام زمن الانهيار السلفي، الذي يطلب استعادة ظاهرة تاريخيه خارج اشتراطات بزوغها، وبمحاولة محو سيرورتها وماتولد عنها وترتب عليها، وعن مجريات تحققها في الواقع( يهتم محمد بن عبدالوهاب بصورة استثنائية بإزالة الشواهد، والقبور والمزارات، معتقدا انه يمكنه بهذا العودة الى اللحظة المحمدية بتبرئتها من كينونتها التاريخيه،لمجرد انه قد خطر له ذلك، علما بانه شخص بذاته وارادته وتصوراته بلا “وحي” يمكن ان يرىكز اليه بعدما ختمت النبوة وارتفع الوحي)
على منقلب اخر تنطوي الحالة الثانيه المصرية النيليه على توهمية التحاقية بالنموذج الغربي، تؤخد عموما على انها ابتداء عصر جديد، يكرسه ويعزز من وجاهته الشكليه، تكوين مصر الاحادي الدولة “الوطني النهري السكوني”(2) بغض النظر عن نوع الياته البنيويه التاريخية، واحتماليه انطوائها على تناقض مع قواعد ومحركات المشروع الغربي، ماقد جعل مصر تعيش تاريخها “الحديث” مسارا مفعما بالتوهمية، والتماهي المفضي الى طمس ان لم يكن قتل القاعدة التكوينيه البنيوية الأصل،من دون تحقيق للغرب وحداثته المستحيلة، ومع التراكمات ووصول السكان المصريين الى مايقارب، ويتعدى المائة مليون، دخل هذا الموضع من المنطقة طورا جديدا لم يعرفه خلال تاريخيه الطويل، فاختل بنيويا مع توقف فعالية النيل، وعجزه عن ان يكون عامل تعيين واستمرا ر حضور خاصيات المجتمعية التاريخيه، التي ظلت تعزز موقع الدولة وعمودها الفقري “الجيش، كمعطى رئيسي على حساب المجتمع، ومع اهتزاز موقع الدولة الحاسم مؤخرا ضمن الكيانيه، دخلت مصر، حالة من المجهول البنيوي بالغ الخطورة، الامر الذي لامثال عنه يمكن ان يقاس عليه، او تستنج مآلاته الممكنه.
كانما مصر والجزيرة العربية وارض مابين النهرين في حالة ولادة أخرى جديدة، بعد تلك الأولى التي تبلورت عندها المجتمعية، واكتملت عناصرا، ابتداء من ارض سومر، وبعيدها ومعها، ارض النيل، وماقد لحق في الظل من تشكل صحراوي بين الاثنين جنوبا، وحدة ايقاعية، صعودية انقطاعية، ازدواجية تحولية امبراطورية عاليه الدينامية، واحادية دولة وطنيه نهرية سكونيه، وموضع احتراب ولادولة احادي خاضع لاقتصاد الغزو، وموجود كاحتياط تحريري فائق الاحترابيه، لايرد،ولايقاوم، قياسا على زمنه ومستوى الاحترابيه العسكرية المعروف حتى حينه.
وبحسب الأنماط الثلاثة، تنطوي المنطقة الشرق متوسطية على ثلاثة وجوه من الفعالية، رئيسية، وتكميليه، فريدة في بابها، لامثيل يماثلها افرادا واجتماعا، فمنطقة الاحتشاد النمطي الشرق متوسطيي، هي منطقة تباينات بنيوية فريدة وموحدة، وحدتها كما افرادها لاشبيه له ولامثيل، لا على صعيد النوع، ولا الفعالية الكوكبية، الأساس فيها موضع الازدواج الرافديني الامبراطوري الاعلى ديناميه على مستوى المعمورة، والمحكوم لقانون الدورات الصعودية والانقطاعات، والوطنيه المحلية النهرية السكونيه التكرارية، ذات المنجز التاسيسي الواحد، و التي تحضر اذا حضرت لزوما، معتمدة على الحجم والموقع ابان وخلال زمن الانقطاع، لتؤدي أدوارا دفاعية الطابع، ومن قبيل البديل عن ضائع، بلا منجزات نوعية ذات اثر او طابع كوني، او على مستوى المنطقة، في حين تستقل الجزيرة العربية بدور المحرر، بالاخص للاليات الرافدينيه الإمبراطورية، المعرضة بسبب بنيتها الهشة الحساسة للانهيار والغياب ذاتيا من ناحية، وبفعل العوامل الخارجيه الاحتلالية، وكونها لخصبها مصب سلالات من الشرق والشمال والغرب، حيث الصحارى والجبال الجرداء، من ناحية أخرى، كما حدث ابان الاحتلال الفارسي الروماني، وسقوط بابل 539 قبل الميلاد وتكرارا على يد المغول وهولاكو عام 1258.
وحدة التشكل والتفاعليه أعلاه هي التي تمنح ومنحت المكان الشرق متوسطي كوحدة، الهارموني التفاعلي التاريخي المميز بوجوهه الأعلى والادنى،التوهمية والفعلية، كمثل الاعتقاد بان مصر يمكن ان تكون مركز الفعاليه التاريخيه الحضارية العليا، وهو مايمكن ان يتكرس وتكرس ابان الزمن اللاحق على سقوط بغداد 1258 على يد هولاكو جزئيا ودفاعيا، مع لعب مصر دور المدافع عن المنطقة خصوصا منطقة الساحل الشامي بوجه التتار، والى حد ما الجزيره العربيه أيام المماليك بحماية طرق الحج، وصولا الى محمد علي الذي دحر الحركة الوهابيه في عقر دارها، وصار مع القرن التاسع عشر محو را، به ومعه يؤرخ لتاريخ “نهضة المنطقة” المزيفة المتماهية مع الغرب ومشروعه الحديث(3).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من حسن الحظ، او بحكم الاستحالة، ان الجزيرة العربية لم تنتج في العصر الحديث رهطا يعتد به، يشكل كتله حداثية ما،له دلاله وظيفية ومصلحة منتفيه هنا لعدم الإمكان.
(2) من التوهمات المصرية في اعلى ذراها ماراة الكتور “جمال حمدان” الجغرافي المتنطع للتوصيفات الكيانيه والانماط، بالاخص مع اعتبار “الوطنية” منجز مصر الابتداء، محاولا الإيحاء مشبها إياه ب ” الوطنية” الغربية الانشطارية الطبقية الأعلى ديناميه بما لايقاس، مقابل حالة مصر الادنى دينامية لابل السكونية، والتي لها وظيفه محددة ضمن محيطها، نابعه من طبيعتها.
(3) تريد العبقرية الحداثية، لابل وهي نجحت الى حد بعيد في وضع بدئية سردية حديثة، مثالها وصورتها النموذجية المنطلق، محمد على الالباني المصري، بحيث ذهبت حتى الى تشبيه بعض الظواهر التي قد توحي بشيء مما عناه وجود محمد علي في مواضع اخرى مختلفة تماما سيرورة، مثل العراق، كما الحال مع ظاهرة الوالي داود باشا في العراق 1817/1831 وهو ماذهب اليه الدكتور “سليمان عبدالعزيز نوار” في كتابه الاطروحه للدكتوراه عن “الوالي داود باشا” حيث نقع على نموذج للتشبيه الاكاديمي الفج، بمنتهى الخراقة المفهومية والمنهجيه.
لقراءة الجزءالاول..أضغط على الرابط..
http://www.sahat-altahreer.com/?p=76043
‎2021-‎03-‎04