تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (19)!
د. عمر ظاهر.
داروين ومسرح السخف.
حدثنا داروين، وهو جالس في مزرعة الكرنب في بريطانيا، عن الوقواق الأمريكي الذي سمع عنه من الدكتور ميريل، وعن أسلاف الوقواق الأوروبي الذي وضع عنه الافتراضات، ثم استقى بعض المعلومات عنه من السيد موللر. لكن الحديث عن الوقواق في الأماكن والأزمنة البعيدة لم ينته بعد، فهناك أنواع أخرى منه في أستراليا.
يقول داروين استطرادا في حديثه عن انعدام الحقائق المرشدة:
فإلى عهد قريب كانت الغرائز الخاصة بالوقواق الأوروبي والوقواق غير المتطفل الأمريكي، هي الوحيدة المعروفة، ولكن الآن، والفضل يرجع إلى ملاحظات السيد رامسي Mr. Ramsay، فإننا تعلمنا شيئا عن ثلاثة أنواع أسترالية تضع بيضها في أعشاش طيور أخرى. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 407)
يقول داروين أن الغرائز الخاصة بالوقواق الأوروبي والوقواق غير المتطفل الأمريكي (ولا نعرف لماذا أصبح الوقواق الأمريكي فجأة غير متطفل) كانت معروفة. كيف كانت معروفة، وهو الذي تكلم عن تواتر التأكيد والنفي بخصوص وجودها عند الأمريكي، واعتمد في تأكيدها على شهادة الدكتور ميريل، وكان كل حديثه عن الوقواق الأوروبي مجرد افتراض؟ وقال في نفس السياق أنه لا يستطيع حتى التخمين في ظل انعدام الحقائق التي يمكن أن ترشده.
حسنا، هذه هي طريقة داروين، فكل ما يتحدث عنه حتى كافتراض يصبح في الخطوة التالية حقائق ثابتة يبني عليها آراءه الفجة. والآن دعنا نرى كيف تُغني ملاحظات السيد رامسي معرفة داروين بهذه الغريزة؟ إنه يقول إن تلك الملاحظات علمته شيئا عن ثلاثة أنواع أسترالية (لا ندري إن كانت من طائر الوقواق أو غيره) لها نفس الغريزة، أي وضع البيض في أعشاش غيرها. ويشير إلى ثلاث نقاط، ربما هي محتوى ملاحظات السيد رامسي:
أولا، أن الوقواق العادي، مع استثناءات نادرة، يضع بيضة واحدة فقط في عش، وذلك حتى يمكن للفرخ الكبير الحجم والنهم من تلقي الكفاية من الطعام. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 407)
نحن نفترض أن داروين يتحدث الآن عن الوقواق الأسترالي. نعرف إذن، أن حجم فرخ طائر الوقواق العادي كبير وهو نهم، ويحتاج إلى طعام كثير. هذا يعني أن أنثى الطير الآخر، التي ستعتني به في عشها، غبية غباءً مطبقا بحيث أنها لا تلاحظ أن الفرخ ليس من فراخها، وأن الطعام الذي تريد توفيره لصغارها بالكاد يكفي لإطعام الفرخ الغريب النهم. بعبارة أخرى، إنها لا تجيد الصراع على الغذاء والبقاء، ومع هذا فإنها باقية على قيد الحياة وتتناسل، ولا يبين لنا داروين ما الذي يجعلها مشمولة بقانون البقاء للأصلح.
وثانيا، أن البيض صغير الحجم بصورة ملحوظة، ولا يتعدى حجم بيض طائر القبرة، وهو طائر حجمه حوالي الخمس من حجم الوقواق. أما حقيقة أن الحجم الصغير للبيضة هو نتيجة للتكيف، فإنه من الممكن لنا أن نستنتجها، من الحقيقة النابعة من أن الوقواق الأمريكي غير المتطفل يضع بيضا مكتمل الحجم. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 407)
خلط داروين الأمور ببعضها. ألا يُفهم من هذا أن أنثى طائر الوقواق تضع بيضها في عش أنثى طائر القبرة التي لا يساوي حجمها إلا خمس حجمها، وبالتالي فإن حجم بيضها أيضا خمس حجم بيضها هي؟ هذا يعني أن الانتقاء الطبيعي جعل من أنثى طائر القبرة غبية إلى حد كارثي، وحرمها حتى من غريزة معرفة بيضها هي، والتفريق بينه وبين بيض يكبره بخمس مرات. أم أن أنثى طائر الوقواق عندها غريزة أخرى، وهي أن تضع في عش القبرة بيضا صغيرا جدا حتى لا تكتشفه أنثى طائر القبرة؟ ثم ما علاقة حجم البيض الذي يضعه الوقواق الأسترالي بالبيض المكتمل الحجم للوقواق الأمريكي غير المتطفل؟ لماذا هذه المعلومة الآن في هذا السياق؟
وثالثا، أن الوقواق الصغير، بعد وقت قصير من خروجه من البيضة، يمتلك الغريزة، والقوة، والظهر الذي تم تشكيله على وجه صحيح للدفع للتخلص من إخوته في الحضانة، والتي بالتالي سوف تلقى حتفها من البرد والجوع. وهذا ما أطلق عليه بشكل وقح أنه ترتيب مفيد، وذلك لكي يتمكن الوقواق الصغير من الحصول على غذاء كاف، ولكي يفنى إخوته في الحضانة قبل أن يكتسب المزيد من الإحساس. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 408)
إذن، “الوقواق الصغير، بعد وقت قصير من خروجه من البيضة، يمتلك الغريزة، والقوة، والظهر الذي تم تشكيله على وجه صحيح للدفع للتخلص من إخوته في الحضانة.” ألا يقول داروين هذا؟ بلى، لكنه لا يقول لنا من أين جاءت هذه الغريزة إلى هذا الوقواق الصغير. لا بأس، نستطيع أن نخمن! هذه الغريزة ورثها صغير الوقواق. من كلا أبويه، أم فقط من أمه؟ هذا الأمر لم يقل عنه داروين سابقا أي شيء. لكن التوارث يستوجب أن يكون كلا الأبوين أو، على الأقل، الأم قد فقست من بيضة موضوعة في عش طائر القبرة، فاكتسبت هذا التمايز المفيد، أي دفع الإخوة بالحضانة خارج العش، الذي تنقله بالوراثة إلى الجيل التالي. وهذا يعني واحدا من أمرين: 1) إما أن هناك ضربان من الوقواق، أحدهما تضع أنثاه بيضها دائما في عش طائر القبرة فتستطيع توريث هذه الغريزة لصغارها التي تفقس في عش القبرة، والآخر تضع أنثاه البيض في عشها هي. 2) وإما أن طائر الوقواق عامة يورث إلى صغاره غريزة مزدوجة، واحدة للذين يفقسون في عش طائر القيق أو القبرة فيمتلكون الغريزة، والقوة، والظهر الذي تم تشكيله على وجه صحيح للدفع للتخلص من إخوتهم في الحضانة خارج العش، وواحدة للذين يفقسون في عش أمهم فلا يدفعون إخوتهم الصغار خارج العش، وإلا فإنهم، لو ورثوا نفس الغريزة، سيقتلون إخوتهم الحقيقيين. أيهما هي الحالة؟ داروين لم يتطرق إلى هذه الإشكالية.
ثم إن وجود هذه الغريزة عند صغير الوقواق الذي يفقس في عش طائر غريب، وانعدام نفس الغريزة عند الصغير الذي يفقس في عش أمه الحقيقية، يعني، حسب نظرية داروين، وجود فرق عضوي بين الصغيرين، ذلك لأن داروين أخبرنا أن التمايزات الغريزية ترتبط بالتمايزات العضوية، والغريزة تنشأ لتخدم الكائن الحي في وضعه الجديد. هل هناك فرق عضوي، أو تشريحي بين صغار الوقواق التي تفقس في عش طائر آخر، وبين التي تفقس في أعشاش أمهاتها؟ هل توقف داروين للحظة وفكر في توضيح هذه الأمور؟ لا. كيف، إذن، استطاع تمرير مثل هذه السخافات النظرية على أي قارئ، ناهيك عن العلماء؟
ثم كيف يتطابق هذا الحديث مع ادعاء داروين سابقا عن ميل كل كائن حي إلى التزايد بنسبة هندسية؟ نتذكر قول داروين:
ومن ثم، فإنه من الممكن لنا أن نؤكد أن جميع النباتات والحيوانات تميل إلى أن تزداد بنسبة هندسية – وأن جميعها سوف تملأ بسرعة كل موضع تستطيع التواجد فيه بأي شكل – إن هذه القابلية الهندسية للزيادة من الضروري أن يتم كبحها بواسطة الهلاك عند فترة ما من الحياة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 141)
إن أنثى طائر القبرة أو القيق تضع بيضا لكن أفراخها ينتهون إلى الموت الزؤام خارج عشها، إذ هي تطعم بكل غباء فرخ طائر الوقواق. وفي هذه الحالة ينقطع نسلها، أو لا تتحقق لها، على أية حال، النسبة الهندسية للزيادة. لا تثريب على داروين، فهو مريض، كما قال في تبرير الفوضى في كتابه. وقد يكون مرضه هو داء النسيان.
نعود إلى الاقتباس من الصفحة 408، ونتوقف عند عبارة “ترتيب مفيد”. لماذا يستخدم داروين هذه العبارة حيث يستخدم عادة تعابير مثل “تمايز أو تعديل مفيد”؟ حسنا، واضح هنا لمن هو مفيد هذا الترتيب، ولماذا يتهم داروين نفسه بالوقاحة عندما يقول ذلك. داروين يعترف بالوقاحة لأنه يقول الآن، عكس ما بقي مصرا عليه حتى الآن، حول تزويد الانتقاء الطبيعي الكائن الحي بتمايزات مفيدة له، وليس لغيره، والحفاظ على تلك التمايزات وتوريثها. وها هو الآن يقول إن طائر القبرة تمايز بشكل مخالف لتلك القاعدة، فهو يبني عشا ليرعى فيه فرخ طائر آخر، ويطعمه، وهو يرى أن فراخه هو يموتون من الجوع والبرد. داروين يسمي هذا “ترتيب مفيد” – طبعا لطائر الوقواق، مع أنه تمايز، أو ترتيب قاتل للطير الآخر، الحاضن ونسله! وبالمناسبة، ما معنى عبارة “قبل أن يكتسب المزيد من الإحساس”؟
وبعد كل هذا الحديث يلتفت داروين فجأة، الآن فقط، إلى الأنواع الأسترالية من الطيور، ولا ندري ماذا كانت، إذن، الأنواع التي أغنت ملاحظات السيد رامسي معرفته بها، وصدّع رأس القارئ بالحديث عنها حتى الآن. انظر إلى ما يقوله:
لنلتفت الآن إلى الأنواع الأسترالية، فبالرغم من أن هذه الطيور تضع عادة بيضة واحدة فقط في عش ما … (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 408)
لنتذكر هنا أن سبب وضع إناث الوقواق الأمريكي بيضها في عش طائر آخر كان كثافة وضعها البيض، كل يومين أو ثلاثة. نعم، ويواصل داروين:
… فإنه ليس من النادر أن نجد بيضتين أو ثلاث بيضات في نفس العش. والبيض في حالة الوقواق البرونزي يختلف بشكل كبير في الحجم، وذلك من ثمانية إلى عشرة أمثال في الطول. (ص 408)
هذه الاختلافات قياسا إلى ماذا؟ قد يعني ذلك أن بيض أنثى الوقواق البرونزي ليس له حجم ثابت، بل يمكن أن يكون بعضه بطول معين، وبعضه الآخر أطول منه بثماني أو عشر مرات. لو كان هذا هو المقصود، فهل يا ترى لذلك علاقة بغريزة وضع البيض في أعشاش طيور أخرى؟ أي إن أنثى الوقواق البرونزي تعرف بأحجام بيض الطيور الأخرى، فتضع في أعشاشها بيضا مناسب الحجم قادرأ على خداع تلك الطيور، وإيهامها بأن البيض بيضها. لو كان الأمر كذلك – وهو كذلك كما يتبين من الاقتباس التالي، فإن هذه غريزة بحد ذاتها – بل وغريزة رائعة ومدهشة! وإذا كانت هذه الغريزة في البداية مجرد عادة ثم تم توارثها، فيا تُرى كيف كان الوقواق البرونزي يخدع الطيور الأخرى قبل بروز تلك العادة لديه؟ هذا كان حتما سؤالا وجهه السيد ميفارت إلى داروين.
ويستطرد داروين قائلا:
والآن، فإذا كانت هناك ميزة لهذا النوع في أن يضع بيضا أصغر في الحجم مما يضعه حاليا، وذلك بغرض خداع آباء معينة في الحضانة، أو – كما هو الأكثر احتمالا – لكي تتمكن من الفقس في خلال مدة أقصر (وذلك لأنه من المؤكد أنه توجد علاقة بين حجم البيض والمدة التي تستغرقها حضانته)، فلا توجد هناك صعوبة في الاعتقاد بأن جنسا أو نوعا قد تم تكوينه وفي استطاعته أن يضع بيضا أصغر فأصغر، لأن هذا البيض سوف يكون آمنا بشكل أكبر في الفقس وفي الرعاية. (ص 408)
نرى الآن أن داروين نسي تماما حديث ترابط التمايزات الغريزية مع التمايزات العضوية التي يحافظ الانتقاء الطبيعي على المفيدة منها. كان الشيء الوحيد الذي يجهله هو أيهما يسبق الآخر. إنه يتحدث عن غرائز في منتهى الروعة، أو شديدة التعقيد والإدهاش – حسب تعبيره، لكن لا يوضح لنا من بعيد أو قريب أية فروق عضوية بين هذا الطير وغيره. ثم إنه يتحدث الآن عن استخدامات الغرائز، أي عما يحدث بفعل الغريزة. وهذه الغرائز في حالة من انتشار التأثير تقارب حالة انتشار تأثير الانتقاء الطبيعي نفسه. والمسألة تصبح تدريجيا أكثر تعقيدا وإثارة، فأنثى الوقواق البرونزي عندها غريزة وضع بيض مختلف الأحجام لكي تتمكن من خداع أنواع مختلفة من الطيور، وهي بهذا عندها غريزة جمع المعلومات عن الطيور الأخرى، بما في ذلك أحجام بيضها، وغريزة الاحتفاظ بهذه المعلومات وتوريثها إلى الأجيال اللاحقة.
وغير ذلك، يجب أن تكون عند أنثى الوقواق البرونزي أيضا غريزة معرفة مواعيد وضع الطيور الأخرى بيضها في أعشاشها حتى لا تعود أنثى طير ما إلى عشها، وتتفاجأ بوجود بيضة لم تضعها هي. ويبدو أن هناك غريزة أشد تعقيدا وإدهاشا، وربما كانت من بين ما اعترض عليها المعترضون على السيد داروين، لذلك لم يفصل في عرض الاعتراضات، واكتفى بالتعليق عليها بسطرين قائلا إنهم اتهموه بعدم الانتباه إلى الموضوعات الأخرى المتصلة بالغرائز والتكيفات في التركيب (انظر ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 407).
هذه الغريزة الأشد تعقيدا ترجع إلى ما يسميه داروين “علاقة بين حجم البيض والمدة التي تستغرقها حضانته”. إذن، فأنثى طائر الوقواق البرونزي يجب ألا تكون فقط عارفة بحجم بيض كل طير تضع بيضها في عشه، بل يجب أن تحل دوامة عويصة، بأن لا تضع بيضها إلا في عش طائر يستغرق فقس بيضه من الوقت ما يستغرقه فقس بيض الوقواق البرونزي نفسه، أو أن تبرمج بيضها بحيث يفقس في نفس الفترة اللازمة لفقس بيض الطائر الآخر، وإلا تكون هناك مشكلة في الفقس، أصلا.
داروين لم يفعل شيئا لإقناعنا بأن كل هذه الخوارق الغريزية ترجع إلى عادة أو قابلية كانت ذات يوم قد برزت مصادفة لدى أفراد قلائل من هذا النوع، ثم قفز عليها تعبير مجازي هلامي الشكل اسمه الانتقاء الطبيعي فحولها إلى غريزة أو غرائز.
ويبقى السؤال الأهم مطروحا: هل توصل داروين إلى هذه الأفكار المعقدة، وتعليلاته وتفسيراته السخيفة، عبر بحث ميداني في مجال الغرائز قام به بنفسه؟ لا، فكل ما يعتمد عليه هو التقاط ما يناسبه من أبحاث الآخرين، دون أي نقد أو تحفظ، وبناء نظرية كونية عن الغرائز، مثلما فعل عن أصل الأنواع. إنه استخدم هنا ما قاله برنت، والدكتور ميريل، والسيدان موللر ورامسي. ما هو إسهامه هو؟ ليس غير فلسفة بائسة قائمة على افتراضات وتخمينات سخيفة لا تصمد أمام المنطق!
لو أن داروين اختار التخصص في المسرح، لكان نجح بجدارة في إنشاء مدرسة لمسرح السخف، فقد كان رأسه يعج بأفكار سخيفة كثيرة لا تتعداها في حدودها إلا أفكاره المتخيلة.
يتبع ..
2021-02-23