القصائد …!ابو زيزوم.
في بيت محاط من جميع جوانبه بالمحلات تسكن مجموعة من الفتيات أخوات . يقال أنهن جميلات ، لكن الجمال يفقد قيمته عندما لا يراه احد . انه جمال افتراضي . الفتيات يتحرقن للخروج كي يرى حسنهن الناس الا ان الطرق من حولهن موصدة بالمحلات عدا منفذ موحل يدخل منه الخادم حاملاً مؤن البيت ، ومنفذ المجاري ، وكلاهما لا يصلح ان تخرج منه فتاة قبيحة فضلاً عن مدعية الجمال .
عمل الفتيات الوحيد هو البحث عن مخرج يخرجهن الى الفضاء الرحب كي يستطيع الناظرون التمعن بمفاتنهن وإعطائهن المنزلة العادلة بعيداً عن التقولات . ولا سبيل للخروج اللائق الا من خلال احد المحلات . وكان المحل الاول الذي جذب اهتمامهن لرجل مثقف فيه مطبعة وكتب ولوحات على الجدران تنضح بالسحر . غير ان المثقف هذا عاكف بكل جوارحه على جمع المال . يشغل كل وقته لتطوير عمله ولا يرى فائدة من مرور ورجوع فتيات جميلات او غير جميلات لا يدفعن نقوداً .
كان هناك تاجر أيضاً يبيع الأقمشة ، والأقمشة بطبيعتها وعاءٌ للجمال البشري ، ويفترض بتاجرها ان تتطور لديه رؤية للجمال مستقلة عن التجارة تسمح بمرور الفتيات من وإلى الدار . بيد ان هذا لا يرى الجمال منفصلاً عن الأقمشة المزركشة ، لذا لم يصغ لهن حين طرقن الباب الخلفي لمتجره ولم يفتح .
هناك أيضاً خباز يدندن باستمرار على هدير فرنه فيتناهى صوته الشجي الى مخادعهن وراء الجدار . يوحي صوته والأهازيج التي ينتقيها بروح مترفة يتولاها الضعف امام فتاة حسناء تخطر برشاقة فاتنة بين أكداس الخبز الحار نحو الشارع المزدحم . فطرقن بابه الخلفي مستأذنات وبش لهن بادىء الامر ولما عرف أنهن لم يأتين لشراء الخبز انتهرهن فعدن من حيث أتين لم يلمحهن بشر .
استعرضن الجميع ولم يبق الا الحلاق ، وترددن وراءه لأن دكانه يفتح يوماً ويغلق يومين ، والفاشل في مهنته يكون أفشل في غيرها . يبدو عليه الخمول عندما يقبل والشرود اثناء العمل . ليس في هيئته ما يشير الى تعلق بالجنس اللطيف ، وذاك تخمين في غير محلة فالرجل لم يهمل نفسه وعمله الا بسبب المرأة . احب امرأة وعانى من حبها طويلا ، وأحب لأجلها كل النساء . وحالت الظروف القاهرة بينهما فامتلأت روحه هياماً ورقةً ووجداً ، وتلك لحظةٌ ترفل فيها النفس بأبهى استعداداتها للعطاء . كان جالساً وحده يحتسي مزيجاً من الذكريات والآمال عندما دُفع الباب وأطلّت إحداهن ، فوثب كأن صبحاً أبلجاً يبزغ عليه من أحشاء ليلة حالكة الظلام .
اختلجت في صدره احاسيس الولادة بينما الفتاة ترنو اليه بعينين ضارعتين تستميحه المرور خارج سجنها الأصم . لم تكن اجملهن وانما احذقهن في ملامسة وجدانه المشبوب . وأشرع لهن الأبواب فخرجن متتابعات . وقف الجمهور مبهوراً وظل يحتشد حتى قطع الطريق وتوقف المرور . وكل الأيادي تشير الى باب الحلاق باعتباره مصدر هذه البهجة الطافحة . بين الذين تجمهروا كان البزاز والخباز وصاحب المكتبة ، ولقد ملأهم الشعور بالحسد للحلاق ، وندموا لأنهم لم يفتحوا أبوابهم لتلكم الفتيات . ثم حاولوا فيما بعد استمالتهن وخرجن من كل الأبواب لكن هيهات ان تزاح صورتهن عن الباب الذي لفظهن اول مرة .
أنهن القصائد .
( ابو زيزوم _ 986 )

2021-02-03