تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (3)!
د. عمر ظاهر.
المفاهيم والمصطلحات غير المعرفة
إنه لأمر صادم أن بحثا في الطبيعة يضع نظرية في التطور تقوم على حكم الطبيعة لا يعطي أي تعريف لعبارة “الطبيعة”، وينطلق من أن العبارة مفهومة، ومتفق عليها – تماما كما ينطلق عالم الرياضيات محقا من أن الرقم (1) ليس بحاجة إلى تعريف، وكذلك لا تحتاج إشارة التساوي (=) إلى تعريف – قد نجد من يقول أنه حتى هذه تستخدم في سياقات نحتاج فيها إلى تعريفها! داروين لم يعط أي تعريف لما يقصده بعبارة “الطبيعة”، ولم يأخذ في الحسبان أية عواقب لاستخدام العبارة التي يمكن أن يفهمها أي قارئ باعتبارها تنطوي على معنى مختلف، خاصة أنه يصوغ منها صفة لمفهوم إشكالي آخر هو “الانتقاء”. حقا ما هي الطبيعة؟ وما هو الطبيعي؟ وما هو الانتقاء الطبيعي؟
طالما أن عبارة “الطبيعة” تشغل مكانا محوريا في متن البحث، أو الكتاب، أو النظرية، فإن الباحث ملزم بأن يثبّت في عقل القارئ معنى “الطبيعة” في عمله البحثي، وإلا فإن من حقنا أن نعتبر أي شيء في الوجود، أو في الكون جزء من الطبيعة، ونبني على اعتباراتنا ما نشاء من أفكار. إن الطبيعة هي كل العالم، أو الوجود من حولنا، لكننا نستطيع مبدئيا تقسيم هذا العالم إلى قطاعين، قطاع طالته يد الإنسان فجعلت منه البيئة التي يعيش فيها، فغيرته، وشذبته، واستغلته، أو حتى أفسدته؛ ويقع ضمن هذا أيضا بعض النباتات والحيوانات. بينما القطاع الآخر هو ما لم تصل إليه يد الإنسان بعد، أو ما ليس جزء من بيئة الإنسان. وتقع ضمن الثانية حتى الشمس والقمر، والكواكب الأخرى، والنجوم، والمجرات، كما تقع ضمنها الغابات المطرية، وسلاسل عديدة من الجبال والوديان، وأجزاء كثيرة من المحيطات والقطبين الشمالي والجنوبي التي لم يصل إليها الإنسان بعد، والقسم الأكبر من الحيوانات والنباتات، وأيضا ما في باطن الأرض. أم أن الطبيعة هي الأرض وما عليها وما في باطنها فقط؟ إن ظواهر كثيرة تتأثر بعناصر معينة في الطبيعة، فالمد والجزر لهما علاقة بحركة القمر؛ والنباتات تتأثر بالماء والهواء، وأشعة الشمس؛ والجبال تصيبها التعرية بفعل الأمطار والرياح. أية عناصر في هذه الطبيعة يرد إليها داروين التأثير على التطور؟ وما معنى الصفة “طبيعي” التي ألصقها بالانتقاء؟ هل لعب الفحم الحجري، أو البترول، دورا في تطور الكائنات الحية قبل مئات الملايين من السنين؟ هذه أيضا من الطبيعة. إذا كان المقصود بـ “الطبيعة” الطبيعة كلها كوجود فإن من الممكن استبدال عبارة “الانتقاء الطبيعي” بعبارة “الانتقاء الكوني”، أو “الانتقاء الوجودي”. وإذا كان المقصود أن الطبيعة كلها تقرر التطور فإننا ننتظر أن نجد في البحث ذكرا لدور القمر، ودور البراكين، والشهب، والمريخ والمشتري وعطارد في التطور – إلى أن ندخل في مجال التنجيم. بينما لا يتعدى ما هو مذكور من الطبيعة في كتاب داروين عن “أصل الأنواع” الغذاء الذي تتصارع عليه الكائنات الحية كي تبقى على قيد الحياة، وترد أحيانا عبارة “البيئة”، أو “الظروف”، أو “المناخ”، وهي أيضا جميعها غير معرفة، أو غير محددة. هل يشير داروين بعبارة الطبيعة إلى البيئة الحية التي يوجد فيها الكائن الحي؟ في هذه الحالة لا معنى لإقحام كل الطبيعة في وصف الانتقاء، ويمكن الاكتفاء بالقول “الانتقاء البيئي”، مثلا. أم أنه يضع عبارة “الطبيعة” أو “الانتقاء الطبيعي” مقابل عبارة “الخالق” في الأديان؟ سنرى.
إن داروين لم يستخدم في نظريته عبارة “انتقاء الطبيعة” (Nature’s selection)، حيث كنا سنفهم أن الطبيعة هي التي تنتقي. إنه ركز على الانتقاء وأعطى هذا الانتقاء صفة “الطبيعي” (Natural selection)، أي نسبه إلى الطبيعة. فما هو الطبيعي؟ إن الصفة تعكس كل أو بعض ميزات الاسم الذي اشتقت منه، فنحن عندما نطلق على أي شيء الصفة “خيالي”، مثلا، فإننا نوحي بأن ذلك الشيء يتعلق بالخيال، ويعكس كل أو بعض ميزاته. وعندما نطلق الصفة “زيتي” على شيء فإننا نعني أن هذا الشيء يحمل بعض ميزات الزيت، وعندما نطلق الصفة “علمي” على شيء فإننا نعني أن هذا الشيء يحمل ميزات العلم. فما هي ميزات الطبيعة التي انعكست كصفة على الانتقاء فصار انتقاءً طبيعيا؟ هل الطبيعة تتميز، مثلا، بالعشوائية والفوضوية، فنفهم أن الانتقاء عشوائي أو فوضوي؟ أم أن الطبيعة عمياء فنفهم أن الانتقاء أعمى؟ أم أن الطبيعة عاقلة وذكية، فنفهم أن الانتقاء عاقل، أو عقلاني وذكي؟ يمكن أن نطيل في هذا النقاش، ونسهب فيه لأن السيد داروين لم يتفضل علينا بسطرين في تعريف ما يقصد بالطبيعة في كتابه الذي يملأ مئات الصفحات عن التطور بفضل الانتقاء الطبيعي.
هناك إشكالية أيضا في عبارة “الانتقاء” (Selection). العبارة بحد ذاتها واضحة ولا غبار عليها، ولا تحتاج إلى تعريف أو توضيح، لكن استخدامها يكشف خللا كبيرا في الوعي اللغوي لدى السيد داروين – وطبعا إشكالية لدى بعض المترجمين. الباحث الرصين لن يستخدم عبارة دون التمحيص في معانيها وما تفرضها على صياغة أية فكرة. لكننا نتوقف أولا عند إشكالية ترجمة هذه العبارة إلى العربية. العربية فيها أربع عبارات تبدو وكأنها مترادفة في معانيها، لكنها في الحقيقة مختلفة اختلافا بينا مع وجود ما هو مشترك بينها. هذه العبارات هي: الاختيار، والانتخاب، والانتقاء، والاصطفاء. المعنى المشترك هو أنها جميعا تشير إلى قيام الإنسان بفصل ما يرغب فيه عما لا يرغب فيه. لكن في الاختيار يعرض علينا شيئان أو أكثر يمكننا أن نختار أحدها، أو بعضها، أو كلها، أو نرفضها جميعا. في الانتخاب يعرض علينا مرشحان اثنان أو أكثر (أو مجموعتان أو أكثر)، ويمكننا أن ننتخب واحدا فقط، أو أن نسقط الجميع. في الانتقاء يعرض علينا شيئان أو أكثر، ويجب حتما أن ننتقي واحدا، وواحدا فقط. أما الاصطفاء فهو أصلا رغبة مسبقة شديدة بشيء أو شخص قبل وجوده. من يصطفي يوجِد المصطفى. بهذا فإن عبارة “الانتخاب الطبيعي” ليست مقابلة دقيقة للعبارة الانجليزية “Natural selection”.
والآن نعود إلى عبارة الانتقاء والتي هي المقابل العربي الأكثر دقة لعبارة (Selection) الانجليزية. الفعل (ينتقي)، المشتق من عبارة (انتقاء)، واحد من الأفعال الإرادية التي لكي تقع لا بد من أن يكون هناك، حتما، فاعل يقوم بها. وهذا الفاعل يتميز حتما، أولا، بكونه واعيا، ويتميز، ثانيا، بأنه قادر على اتخاذ قرار واع، ويتميز المنتقي، ثالثا، أيضا بالقدرة على التمييز بين ما ينفع أو يضر، وبين ما يشبع رغبته أو لا. ويتميز، رابعا، أيضا بأن له غاية من وراء انتقائه لما ينتقيه. وبهذا فإن “الانتقاء الطبيعي” يعني ضمنيا أن هذا الانتقاء وإن كانت صفته الطبيعية غير واضحة، تقوم به جهة تتميز بالوعي، والإرادة، والقدرة على التمييز، واحتمال وجود هدف لها فيما تنتقيه أو تفعله. وهذا ما يوحي به داروين (دون أن يتنبه إلى ذلك) عند تشبيه “الانتقاء الطبيعي” بما يجري في حالة التدجين (سنتناول هذا الموضوع بالتفصيل لاحقا). يقوم الإنسان بانتقاء الصفات التي يرغب بها في حيواناته أو نباتاته، ويحسنها، دون أن يغير نوعا إلى آخر، بينما الانتقاء الطبيعي الدارويني، كما سنرى، يُرجع أصل الحصان إلى حيوان بحري شبيه بالسمك، وأصل الحوت إلى دب، وأصل الطيور إلى ديناصور، ويُرجع أصل كل الحيوانات الثديية، ومنها الإنسان والكلاب والأبقار، والفيلة، وغيرها إلى كائن واحد عاش قبل مئات الملايين من السنين!
إن الإنسان يحسّن بعض صفات حيواناته ونباتاته عن وعي وإدراك وغاية، فمن الذي يقف وراء الانتقاء في الطبيعة وما غايته؟ هل هي الطبيعة؟ إذن، الطبيعة عاقلة وواعية، ولها إرادة، وتتميز بالقدرة على التمييز، ولها غاية من الانتقاء. أم أن الانتقاء الطبيعي هو نفسه فاعل واع، وعاقل، وذو إرادة، وذو غاية؟ إن الجهل اللغوي لداروين يكمن في أنه ينتقي عنوانا لنظريته، عبارة تناقض تماما ما يريد أن يقوله في كتابه. إن النظرية تبدأ أصلا وتنتهي باستبدال عبارة “الخالق” أو الله بعبارة “الانتقاء الطبيعي” الذي يظهر، مثله مثل الخالق، كفاعل واع، بل وقادر على كل شيء. هل هذا ما يريد داروين أن يقوله؟ لا. إنه يقول إن التطور، أي نشوء كائنات حية من أخرى سالفة عليها يحدث بدون تدخل قوة قادرة، وواعية، وهادفة.
ثم إن داروين يناقض نفسه إلى حد كارثي، فهو من جهة يُرجع كل التطور في الطبيعة إلى الانتقاء الطبيعي القادر على كل شيء – حتى أنه ينظم اقتصاد الطبيعة (كما سنرى لاحقا)، ويبحث عن التدرج في تطور الكائنات الحية على يدي الانتقاء الطبيعي، لكنه، من جهة أخرى، ينفي أن يكون هناك في الطبيعة ارتقاء، ويقول إن نظريته تؤمن فقط بالتطور مع التعديل:
أما في نظريتنا، فإن استمرار تواجد الكائنات الدنيئة لا يشكل أي صعوبة، وذلك لأن الانتقاء الطبيعي، أو البقاء للأصلح، لا يتضمن بالضرورة نشوءا ارتقائيا – فإنه يستغل فقط مثل هذه التمايزات كلما ظهرت وكانت مفيدة لكل كائن حي في ظل علاقاته المتشابكة في الحياة. (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 217)
لكننا، وبعد العناء الشديد في البحث عن تعريف داروين للطبيعة والطبيعي والانتقاء، نكتشف أن داروين لم يجد أصلا حاجة إلى مثل هذه التعريفات، فهو يستخدم صفة “طبيعي” استخداما شكليا وحسب، فيفاجئنا بقوله:
وأنا قد أطلقت على هذا المبدأ الذي عن طريقه يتم الاحتفاظ بأي تمايز بسيط كان مفيدا، مصطلح “الانتقاء الطبيعي”، وذلك من أجل تمييز علاقته بقدرة الإنسان على الانتقاء. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 137)
إذن، إلصاق عبارة “طبيعي” بالانتقاء في الطبيعة هو فقط لتمييزه عن الانتقاء الذي يقوم به الإنسان في ظل التدجين! ولا علاقة له بأية اعتبارات عن طبيعة الطبيعة!
إن كون داروين جاهلا بمنهج البحث العلمي وأخلاقيات البحث العلمي أمر يوثقه كتابه “أصل الأنواع”. أما كون داروين غير متمكن من لغته الانجليزية فليس تهمة نلقيها عليه نحن، بل هو الآخر أمر ثابت، ويؤكده في مقدمته مترجم الكتاب إلى العربية الذي يذكر أن قراء الطبعات الأولى من كتاب داروين كانوا يشتكون من سوء لغة الكتاب وعدم وضوح مفاهيمه.
وعند التمعن في تحليل ما يقوم به “الانتقاء الطبيعي” في نظرية داروين فإن القارئ يواجه دوامة، فالانتقاء الطبيعي، رغم كونه قادرا على كل شيء، ليس مسؤولا عن ظهور التمايزات عند الكائن الحي، فهذه تظهر نتيجة الصراع على الغذاء من أجل البقاء. أما دور الانتقاء الطبيعي فهو أن يحافظ على التمايز الذي يظهر إذا كان مفيدا للكائن الحي، أي إنه يتصرف بوعي ويميز بين ما هو مفيد وما هو ضار. أما إذا كان التمايز ضارا فإن الانتقاء الطبيعي لا يتدخل في أمره، بل إنه، أي التمايز الضار، يتم تدميره، ولا ندري من قبل من، فالفاعل وراء تدمير التمايز الضار مبني للمجهول (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 160/161).
هذا يوحي بوجود قوة وراء ظهور التمايزات، غير الانتقاء الطبيعي، تعرف مسبقا ما تريده عند صراع الكائنات الحية على الغذاء من أجل البقاء، فهي توجِد تمايزا مفيدا وآخر ضارا، وتقرر سلفا ما تنتقيه، فتخوّل الانتقاء الطبيعي بالحفاظ على المفيد، وتقوم بتدمير التمايز الضار دون الكشف عن نفسها. هذه عملية اصطفاء، فهل الانتقاء الطبيعي هو عملية اصطفاء هدفها مقرر سلفا؟ من هو المصطفي؟
ثم يُدهشنا داروين، فيكشف أن البحث عن تعريف لعبارة “الانتقاء الطبيعي” لا معنى له أيضا، فهو يستخدمه كعبارة مجازية (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 161)!؟ وليس هذا وحسب، بل إن داروين يدعي أن مصطلحات الكيمياء والعلوم الأخرى تستخدم هي أيضا كتعابير مجازية.
إذن، مصطلح “الانتقاء الطبيعي” الذي تتمحور عليه كل نظرية داروين في التطور ليس غير تعبير مجازي.
يتساءل القارئ: هل هناك مجال علمي فعلا يعتبر مصطلحاته العلمية الجوهرية تعابير مجازية؟ على حد علمنا فإن “المجاز” تعبير أدبي، فأنت يمكن أن تقول “طار فلان من الفرح”، فالطيران يرد هنا بمعنى مجازي، فالإنسان لا يطير، إنما يُقصد بتعبير الطيران أن فرح فلان كان شديدا. لكن من يمكن أن يقول في العلم: “طار الحيوان الرباعي الأرجل من الخوف”، ثم يعتبر الطيران تعبيرا مجازيا؟ لا أحد إذا كان باحثا على شاكلة داروين، بل إن الطيران في هذه الحالة واقع ملموس وحقيقي، وتعبير عن عبقرية الانتقاء الطبيعي، فداروين يدعي أن الخفاش والليمور الطائر كانا في الأصل من الحيوانات رباعية الأرجل، ونتيجة هروبهما المتواصل خوفا من الحيوانات القوية، أو نتيجة السقوط من الأشجار تكيفا للطيران. يقول داروين إن تصور ذلك ليس صعبا إذا توفرت قائمة طويلة من هذه الحالات:
ويبدو لي أنه لا بديل عن قائمة طويلة لمثل هذه الحالات لكي تكون شيئا كافيا للتقليل من الصعوبة الموجودة في أي حالة معينة مثل تلك الموجودة في حالة الخفاش.” (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 284).
والقائمة يمكن أن تطول في الواقع، فهناك أيضا السمك الطائر الذي يرجع داروين سبب تمكنه من الطيران المحدود من الماء إلى الهروب من الأسماك أو الحيوانات البحرية الكبيرة الأخرى. وسيكون هناك حتما من يسأل داروين ممازحا: هل سيتكيف الفأر يوما من الأيام للطيران بسبب مطاردته المتواصلة من قبل القطط؟ وماذا عن الأرانب؟ بل سيسأله: كيف، إذن، تنحدر الطيور من الديناصورات؟ ألم يكن قبل الديناصورات حيوانات صغيرة وضعيفة تهرب من غيرها إلى حد التكيف للطيران؟ لماذا تأخر ظهور الطيور حتى انقراض الديناصورات وبقاء صنف واحد منه على قيد الحياة كان يستطيع أن يطير؟
من بين المشاكل العويصة التي واجهت داروين كانت اثنتان لم يجد لهما حلا إلى أن مات، رغم ما قام به من حذلقات كلامية، وهما موضوع الحلقات الوسطى بين الأنواع المتطورة بعضها عن بعض، وموضوع الزمن اللازم لحدوث مثل تلك التطورات. نتناول الموضوعين هنا بإيجاز. بخصوص تطور الخفاش عن حيوان رباعي الأرجل، قال داروين إن ذلك ربما حصل في مكان واحد من الأرض، أي إن من الصعب العثور على حلقات وسطية، ومن الصعب تتبع أثره. يقول:
ويعن لي أن استعيد تعليقا سبق تقديمه، وهو أنه من المحتمل أن الأمر يحتاج إلى تتابع طويل من العصور من أجل إعداد كائن حي لكي يكون متكيفا مع إحدى الطرق الجديدة والغريبة للحياة، وعلى سبيل المثال، لكي يطير في خلال الهواء، وبالتالي فإن الأشكال الحية الانتقالية سوف تظل في الغالب مقصورة على منطقة واحدة ما. (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 524)
داروين والحلقات الوسطى
ما تسمى بنظرية داروين تنظر في تطور الكائنات الحية على وجه الأرض، الحيوانية منها والنباتية، منذ أن وجدت أنواع منها، أو حتى منذ ظهر أول نوع من هذه الكائنات، أي إنها تفسر ما جرى في الطبيعة على مدى المئات من ملايين السنين الماضية. ويتساءل المرء: كيف عرف داروين بما كان يحصل عبر كل هذا الماضي؟ الجواب بسيط، لا بد أن داروين وقع على نوع من السجلات التاريخية تبين كيف حصل التطور، فهو ليس لديه ماكنة للسفر عبر الزمن. مسألة السجلات ليست مزحة، بل هي أمر واقع، فطبقات الأرض لا بد أن تكون قد احتفظت بآثار أو متحجرات من كل المراحل الزمنية التي مرت بها الأرض، فيما يتعلق بالتطورات الجيولوجية، وأيضا بالتطورات في الحياة الطبيعية. قال داروين بما يمكن أن نسميها فرضية، وهي أن الكائن (ص)، مثلا، قد كان في الأصل كائنا آخر نطلق عليه (س). الفرضية هي أن الكائن الحي (س) تغير، بمعنى تطور، بفضل التمايزات التي ظهرت عليه نتيجة الصراع على البقاء إلى الكائن الحي (س1)، ثم بمزيد من التمايزات إلى (س2)، ثم إلى (س3)، وهكذا، لنقل إلى (س100) الذي يختلف عن الكائن الأصلي (س) اختلافا جذريا، بحيث يمكن أن نطلق عليه الكائن الحي (ص). وتقول الفرضية أن هناك في طبقات الأرض بقايا من كل طبعة جديدة من الكائن (س) قبل أن يصبح الكائن (ص). الخيبة تكمن في أن طبقات الأرض خذلت داروين، وداروين وحده، فهي زاخرة بذاكرة دقيقة للحياة على الأرض، لكن ليس كما يفترض داروين. اضطر داروين غاضبا على خذلان سجل طبقات الأرض له إلى التصريح بما يلي:
وهؤلاء الذين يؤمنون بأن السجل الجيولوجي كامل بأي درجة من الدرجات، سوف يقومون بدون أي شك برفض النظرية على الفور. أما من جانبي، واتباعا لكتابة لايل، فإني قد نظرت إلى السجل الجيولوجي على أساس أنه تاريخ للعالم تمت المحافظة عليه بشكل غير كامل، وتمت كتابته بلهجة متغيرة، ونحن نمتلك من هذا التاريخ الجزء الأخير فقط، وهو متعلق باثنين أو ثلاثة من الأقطار. ومن هذا الكتاب، فقد تم الحفاظ فقط على باب قصير هنا وهناك، ومن كل صفحة، تم الحفاظ فقط على بعض الأسطر هنا وهناك. (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 536)
وداروين نفسه يشير في مواضع عديدة في الكتاب إلى دراسات مثبتة بالأحافير والمستحاثات. الخذلان من نصيبه هو فقط. لكنه لم يستسلم، بل انقلب إلى النظر في البعد الزمني لنظريته عبر وسائل أخرى، مثلا افتراض وجود تدرج في تطور الكائنات الحية في الوقت الحاضر، فيرى أن هذا التدرج يعكس التطور التاريخي. وبعد أن فرغ من حججه تبين، دون أن يشعر بتناقضاته، أنه ليس هناك تدرج في الطبيعة الآن، بل تنوع:
في أثناء البحث عن التدرجات التي قد مر بها أحد أعضاء الجسم في أي نوع لكي يتم اكتماله، فإنه يجب علينا أن ننظر بالتحديد إلى جدوده العليا المباشرة، ولكن من النادر إمكان تحقيق ذلك، ونحن مضطرون إلى أن ننظر إلى الأنواع والطبقات الأخرى التابعين لنفس المجموعة، وذلك يعني النظر إلى الذراري المنحدرة بشكل غير مباشر من نفس الشكل الأبوي، وذلك من أجل رؤية ما التدرجات التي كانت ممكنة، وما الفرصة المتاحة لبعض التدرجات التي تم انتقالها بدون تغيير أو بحالة متغيرة بشكل قليل. ولكن الحالة الموجودة عليها نفس العضو من أعضاء الجسم في الطوائف المتباينة من الممكن بالمصادفة أن تلقي الضوء على الخطوات التي عن طريقها قد تم اكتمال هذا العضو. (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 294)
ثم انقلب إلى افتراض أن التركيبة الهيكلية للعظام، مثل الأطراف، والأعضاء المشتركة بين الكائنات الحية، الثدييات مثلا، دليل على أنها تطورت عن أبوين مشتركين، ولا حاجة لما يقوله السجل الجيولوجي. وتحول كتابه بهذا الشكل إلى مجموعة من الطرائف المسلية، لكن بمجرد أن يتذكر القارئ أن الرجل يتكلم في مجال العلم، يصيبه الامتعاظ بدل أن يبتسم.
داروين والزمن اللازم للتطور
داروين يبدو في البداية حائرا في تحديد دور مرور الزمن في حصول التطور الذي افترضه في ظهور الأنواع. لكنه تجرأ في مرحلة ما على الإعلان عن رأيه قائلا:
ومجرد مرور الوقت وحده لا يؤدي إلى شيء من أجل أو ضد الانتقاء الطبيعي. وأنا أعلن ذلك لأنه قد تم التأكيد بطريق الخطأ على أن عامل الوقت قد تم اعتباره بواسطتي على أساس أنه يلعب دورا له كل الأهمية في تعديل الأنواع، كما لو كانت جميع الأشكال الموجودة من الحياة من الضروري أن يحدث فيها تغيير من خلال قانون فطري. ومرور الوقت شيء مهم بالطبع، وأهميته فيما يتعلق بهذا الموضوع كبيرة، وذلك لأنه يعطي فرصة أفضل للتمايزات المفيدة لكي تنشأ ولكي يتم انتقاؤها، وتكديسها وتثبيتها. وهذا العامل يميل بالمثل إلى زيادة التأثير المباشر المادية للظروف للحياة، فيما يتعلق بالتركيب الخاص بكل كائن حي. (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 192)
إن تعبير “كل الأهمية” (بالانجليزية all important) ليس كلاما دقيقا كما هي عبارة “أهمية حاسمة”، إذ يمكن أن يفسر بطرق مختلفة فيما يتعلق بالأهمية التي يعطيها المرء لشيء ما، مثل دور الزمن. لكن، مع هذا، فإن هذه الثقة بالنفس لم تدم طويلا، ففي الباب نفسه الذي يرد فيه التصريح نجد أن داروين يتحايل في التعابير كي يتجنب الحديث عن طول الزمن اللازم لحصول ما يفترضه، فتعليقا على رسم بياني وضعه يبين تصوراته عن تفرع أنواع الكائنات الحية بعضها عن بعض، يستخدم داروين في وصف هذا التفرع عبارة “جيل” بدلا من عبارة “الزمن”. ومعروف أن الجيل مقياس نسبي، وليس معيارا ينطبق على كل الكائنات الحية، فبعض الكائنات يقاس ظهور جيلها الجديد بسنة أو أقل، وبعضها بثلاثين سنة. في البداية يقول إن التعديل الواحد يستغرق بين عشرة آلاف إلى أربعة عشر ألف جيل للظهور. وعلى هذا فإن التعديل يظهر في الكائن الحي الذي يقاس جيله بسنة واحد بعد عشرة آلاف إلى أربعة عشر ألف سنة. أما الكائن الحي الذي يقاس جيله بثلاثين سنة، فإن التعديل الجديد يظهر عليه بعد ثلاثمئة ألف إلى أربعمئة وعشرين ألف سنة. لكن داروين ينطلق في حساب الأجيال قائلا:
ومن المفروض حتى الآن في الرسم البياني، أن كل خط أفقي يمثل ألفا من الأجيال، ولكن كل واحد منها قد يمثل مليونا أو أكثر من الأجيال، وقد يمثل قطاعا من الطبقات المتتالية من القشرة الأرضية المتضمنة على البقايا المندثرة” (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 212)!
لقد بعثر كل شيء، فإذا كان التعديل من الكائن الحي ذي الشكل (س) إلى الكائن الحي ذي الشكل (س1) يستغرق مليون جيل، فهذا يعني بحساب بسيط ثلاثين مليون سنة لتلك الكائنات التي تقاس أجيالها بثلاثين سنة. ولنا أن نتخيل طول الزمن الذي استغرقته التعديلات التي طرأت على كائن حي واحد (الجد الأعلى للثدييات، مثلا) ليصل إلى ما كان عليه متطورا عن نوع سالف عليه، وذاك عن سالف عليه، وذاك بدوره عن سالف عليه، ثم لينشأ عنه هو الفيل، والنمر، والإنسان، والبقرة. يكون كل شيء في التطور قد بدأ قبل الانفجار العظيم. ومع هذا يقول داروين أنه لا يعني أن مرور الزمن له كل الأهمية.
والأنكى من هذا أنه ينسى هذا الحديث، فيجادل في مواضع كثيرة في الكتاب عن مرور زمن طويل على حصول شيء (انظر ما قاله سابقا بخصوص الخفاش: .. أنه من المحتمل أن الأمر يحتاج إلى تتابع طويل من العصور من أجل إعداد كائن حي لكي يكون متكيفا مع إحدى الطرق الجديدة والغريبة للحياة، وعلى سبيل المثال، لكي يطير في خلال الهواء، وبالتالي فإن الأشكال الحية الانتقالية سوف تظل في الغالب مقصورة على منطقة واحدة ما. (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 524).
وليس هذا وحسب، بل إنه يرى أن وضع الزمن في تعابير حسابية مثل مليون يجعل الناس لا يقدرون طول ذلك الزمن. يقول:
وفيما يتعلق بالتآكل لسطح الأرض، فإن السيد كرول قد بين، عن طريق الإحصاء للكمية المعلومة من الراسب المجلوب سنويا بواسطة بعض الأنهار، ونسبتها إلى المساحات الخاصة بتصريفها للحياة، أن 1000 قدم من الصخور الصلبة، في أثناء تفككها التدريجي، سوف تزال بهذا الشكل من المستوى المتوسط الخاص بالمساحة كلها على مدى ستة ملايين من السنين. وهذه النتيجة تبدو مثيرة للدهشة، وبعض الاعتبارات تؤدي إلى الاشتباه في أنها قد تكون كبيرة إلى حد بعيد. ولكنه حتى إذا تم اختزال عدد السنين إلى النصف أو الربع فإنه ما زال يبدو مثيرا جدا للدهشة. وبالرغم من ذلك، فإن قليلا منا من يعرف ماذا يعني رقم مليون في الحقيقة. (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 502/503)
الجهل اللغوي مرة أخرى
نعود إلى جهل داروين باللغة. إن الأمر لا يتعلق فقط بأن من يقرأ “أصل الأنواع” سيندهش لمستوى هذا الجهل فداروين لا يميز حتى بين معنى عبارتين مختلفتين تماما هما “التدرج” و”التنوع”، فهو يبدأ فصلا من الكتاب محاولا إثبات وجود تدرج في تعقيد أو وظيفة عضو معين في الكائنات الحية، العين مثلا، لكنه ينهي الفصل بإبراز وجود تنوع شديد في هذه الظاهرة من الطبيعة.
أما مصطلح “نوع” الذي هو الآخر مصطلح محوري في كتاب داروين الذي يبحث في أصل الأنواع، فإن داروين وبعد نقاشات فوضوية بشأن تعريفه يصل إلى نتيجة مخيبة حتى في تمييز مصطلح “نوع” عن مصطلح “ضرب”. يقول:
ولسوف نرى من هذه الملاحظات أنني أنظر إلى مصطلح “نوع” على أساس أنه مصطلح قد تم إطلاقه بشكل اعتباطي، وذلك ابتغاء لراحة البال، على مجموعة من الأفراد تشابه بعضها البعض بشدة، وأنه لا يختلف بشكل أساس عن مصطلح “ضرب”، الذي قد أطلق على أشكال أقل تباينا وأكثر تقلبا. ومرة أخرى، فمصطلح “ضرب” بالمقارنة مع مجرد الاختلافات الفردية، هو أيضا ينطبق بشكل اعتباطي، وذلك بغرض إراحة البال. (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 125)
معنى هذا أن داروين عاجز عن تقديم إجابة قاطعة عن السؤال: ما هو النوع؟ إنه يراه مصطلحا اعتباطيا القصد منه إراحة البال. هذا بعد أن يخوض داروين نقاشات طويلة في هذا الموضوع، ويخترع أصنافا من مصطلح النوع، مثلا “الأنواع الفرعية”، و”الأنواع غير المؤكدة”، و”الأنواع الأولية” – (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 82/83، 115، 465). ولا يخرج من دوامة هذه النقاشات حتى في الباب الأخير من الكتاب حيث يعود إلى مناقشة الفرق بين النوع والضرب لأنه لم يستقر على رأي. وأغرب أنواع الأنواع التي يتحدث عنها داروين هي “الأنواع الأصلية” (الترجمة، محمود المليجي 2004، ص 62)، غريب، ذلك لأنه وفق منطق النظرية، فليس هناك أي نوع أصلي، فكل نوع هو متطور من نوع سابق عليه، هكذا إلى ما لا بداية!
يتبع ..
2021-01-05