إذا خرج الملاّ مصطفى من قبره


 
نبيه البرجي
اذا خرج الملاّ مصطفى البرزاني من قبره. هذا ليس مستبعدا. ماذا يقول لنجله مسعود البرزاني؟
وكان الرجل الفولاذي يقول من منفاه في موسكو «الاكراد مثل الجبال، إن كانوا غير ذلك تذروهم الرياح». الآن اي رياح تلعب، او تلاعب، الاكراد؟
لا يستطيع رجب طيب اردوغان الا ان يكون عثمانيا، طورانيا، حتى العظم. حين تكون في تركيا لا تستطيع الا ان تكون تركيا، لا بل ان العالم التركي الذي يمتد حتى اقليم سينغيانغ في الصين (تركمانستان الشرقية) يمتد ايضا حتى حلب في سوريا وحتى الموصل في العراق.
اردوغان لا يميد قيد انملة عن الجنرال كنعان افرين الذي لا يعتقد بوجود ذلك الشيء الذي يدعى «الكرد».
الكلمة، في نظره، ظاهرة صوتية ناتجة عن ارتطام الاحذية التي ينتعلها اتراك الجبال بالثلوج. هكذا تطوى صفحة صلاح الدين دميرطاش، كما تطوى صفحة عبد الله اوج آلان.
اوج آلان، ومن زنزانته التي تطفو فوق بحر مرمرة، يقول ان البرزاني ليس اكثر من دمية بين يدي اردوغان.
لا بأس، بل من الضروري، ان يسعى لاقامة كردستان في العراق، وان يبني المؤسسات، بما في ذلك البيشماركة، في اتجاه اعلان الدولة في يوم من الايام، ولكن اي منطق ان يحدث كل هذا تحت اصابع الاستخبارات التركية؟
الآن، ضجيج داخل المجتمع الكردي. كيف يمكن لرجل لا يقبل بالحكم الذاتي للاكراد في بلاده ان يدفع في اتجاه الدولة الكردية في العراق الا اذا كان يخطط لتجزئة هذا البلد الذي اثبت الساسة فيه إما انهم ضالعون في الفساد، او انهم ضالعون في التبعية، او انهم ضالعون في الانتهازية، او انهم ضالعون في الوهن…
وكان ارنولد تويتبي قد استغرب كيف ان مجتمعا هو سليل السومريين القدامى، يكرّس ثقافة «السحل» التي طبقها الشيوعيون في عهد عبد الكريم قاسم قبل ان ترفع ابنة ناظم الطبقجلي رأس «الزعيم الاوحد» المقطوع بيدها مزهوة للثأر لابيها الذي اعدمه قاسم مع ضباط آخرين…
العديد من الاكراد يقولون ان اردوغان «يستخدمنا كأحصنة بلهاء». انه يلعب بالعراق ليس من اجل الاكراد وليس من اجل السنّة. تكفي العودة الى محاضر مؤتمر لوزان، ليتبين ان انقرة تصر على ان تكون الموصل، وبالتالي كركوك الغنية بالنفط، جزءاً من السلطنة..
هؤلاء يسألون ماذا فعلت انقرة في كوباني (عين العرب) وفي تل الابيض، وكيف تعاونت مع تنظيم الدولة الاسلامية لترحيل الاكراد من كل ذلك الشريط الذي يمتد لنحو مائة كيلو متر والذي تقطنه غالبية كردية، ودون ان تدري او تقر بأن المشكلة هي في الداخل التركي وليست في اي مكان آخر..
المشكلة انه بات مستحيلا على السلطان النيو عثماني ان يحذو حذو آبائه، او ملهميه، بابادة او بترحيل الاكراد كما فعلوا بالارمن الذي تبعثروا في اصقاع الدنيا…
اكثر من ذلك، حزب العمال الكردستاني يتهم برزاني بالتواطؤ الاستخباراتي مع اردوغان، وهذا ما اظهرته الغارات الاخيرة المركزة في شمال العراق والتي لم تستثن المدنيين على كل حال…
دميرطاش الذي يرأس حزب الشعوب الديمقراطي، وهو من فاجأ الرئيس التركي في صناديق الاقتراع، وقطع الطريق عليه ليكون الباب العالي فعلا بعدما بنى القصر الذي يليق به، يرى ان كل الاجراءات التي اتخذها اردوغان في الآونة الاخيرة انما تتوخى تعويمه سياسيا، وبالتالي الاعداد لانتخابات مبكرة يطرح فيها نفسه على انه الرجل الذي ينقذ تركيا من التفكك على غرار ما يحدث لسوريا و العراق…
الاميركيون الذين اذهلتهم السياسات الراقصة، او المتراقصة، للرئيس التركي، يدركون جيدا خلفيات «الصحوة المفاجئة» للرجل ووضع قاعدة انجرليك بتصرفهم، لكنهم يدركون ايضا ان تركيا، بموقعها و بدورها، حاجة استراتيجية ان لادارة الفوضى او لادارة البلقنة او لادارة التسويات.
ومثلما يقبع عبد الله اوج الان بين جدران الزنزانة في مرمرة يقبع مسعود برزاني بين جدران الزنزانة في اربيل.الاول الذي حاول وحاول تفاوضيا والى حد التسليم بالشروط التركية ليتبين له انه استخدم تكتيكيا ولاغراض محددة، وها هو يعود الى البندقية، والثاني الذي جثا في بلاط السلطان من اجل اقامة دولته، فهل تبين او يتبين له انه استخدم استراتيجيا دون ان يدري اين هي الخطوط الحمر واين تمضي لعبة المصالح في المنطقة..
من عقود والاكراد خاسرون في لعبة الامم. لا شيء تغير…

 

‏04‏/08‏/2015