من ذكريات عبور النهر. ح8!
ابو علاء منصور.
على جدار اليأس….
اختلطت الظلمة بالرهبة، والصمت مع الخوف، والأمل باليأس….
وسط قطعة الجحيم هذه، عبرت الفصل الأخير من مصيري…. لا يوجد نقطة اعتلام أهتدي بها سوى الشارع الذي هبطت فيه من سيارة الأجرة. انه يسير من الشمال إلى الجنوب، وأنا أقصد التوجه شرقاً.
وجهة تقود إلى الموت والى النجاة كذلك.
الناجحون والفاشلون يعبرون ذات الطرق،
يسقط بعضهم ويواصل آخرون المشوار.
نحن من يصنع المعجزة.
انتصبت واقفاً….
شربت جرعة ماء وألقيت المطرة أرضاً
أهو اليأس أم التحدي؟!
لماذا تحرق سفنك؟! احتفظ بأوراقك.
دفنت نقوي المعدنية في التراب، خشية ان تكشفني خشخشتها. فتحت موس الكباس، وقبضت على مقبضه ومضيت شرقاً.
تقدمت حذرًا بين أشجار البرتقال.
طريق صامت إلا من حسيس خطواتي وصوت تساقط بعض أوراق الشجر بين الفينة والأخرى، او فرار طائر أقلقت حركتي منامه.
تخيلت انني أنقض على جندي اعترض طريقي فجأة، وتخيلت رصاصة اخترقت جمجمتي… الموت يتربصني في كل زاوية.
منحني تحدي الخوف ما أنا بحاجة اليه من قوة اعصاب….
احذر! إياك أن يدمر الخوف قواك!
نصف ساعة وربما اكثر او اقل،
وهنا لا قيمة لحساب الوقت.
فما زال لدي وقت طويل، ليلة بكاملها.
لاح خلف الأشجار صف كشافات!
أهي مستعمرة ام معسكر للجيش؟!
انعطفت شمالًا بحذر شديد،
شارع، وحركة سيارات.
اقتربت من الشارع!
التصقت بجذع شجرة ورحت أراقب.
خلا الشارع من السيارات فأسرعت بالعبور.
أفزعتني خشخشة نباتات القمح المتكسرة تحت قدمي….
نضج الحقل ونحن في موسم الحصاد.
السماء صافية وسطع القمر بدراً من خلف الجبال! لماذا تعاديني أيها القمر؟؟!!
الا يكفي ما أنا فيه من مأساة حتى يسطع ضياؤك بدراً، في وقت انا في امس الحاجة للعتمة الساترة! لماذا تتواطأ ضدي فتفضحني بهذا السفور!؟
تخيلت جندياً يصيح باللغة العبرية:
– (بو هنا)……قف مكانك.
بلغت مأساتي الذروة حين تعثرت بقناة ري إسمنتية فوقعت أرضاً!! في تلك اللحظة أصبحت اقرب ما أكون إلى اليأس!! لا بل لامست جدار اليأس بالفعل.
كدت ابكي! كدت أندم!
لا اقسى من أن تصبح البطولة عبئاً على البطل!! لماذا هذا العذاب؟! انا لا أستحق ذلك!؟ انا استحق وساماً. ما الذي فعلته حتى أعاقب على هذا النحو يا ربي؟! اهو اختبار أم عقاب؟!….
هذه أسئلة اليأس.
نهضت روحي المعنوية.
إياك أن تفسر الأزمات بانها عقاب إلهي.
لا. لا…. هذه طبيعة الحياة ومجريات الأمور…. من قال ان طريق الحياة مفروشة بالورود؟! كيف سيتمايز الناس إذن؟!
ربما لا يفصل بيني وبين الموت أو الاعتقال سوى طلقة نارية من مسافة صفر، او صيحة جندي معادي: قف ويديك للأعلى.
اجتزت حقل القمح….
وجدت نفسي في كرم عنب تنتصب عرائشه على قوائم معدنية، المشكلة ان اتجاه الأسلاك يتعارض مع مساري!! الأسلاك تمتد من الشمال إلى الجنوب، وخط سيري للشرق…
جاء لزوم قطاعة الأسلاك.
ما تزرع تحصد….لقد كان عقلي الباطن يقظاً حين دعاني لشرائها.
فتحت ثغرة في الأسلاك وانحرفت يمينًا للشرق.
كشف لي ضوء القمر الساطع انني أقف على ربوة تطل على منخفض منبسط.
تقدمت فوجدت نفسي بمحاذاة مكب نفايات.
كسر جدار الصمت انتفاض حيوان،
خبطة قوية!!
ربما ضبع او خنزير بري!!
الأمر سيان بالنسبة لي.
مضيت كأن شيئًا لم يكن،
فالخطر الأكبر ينتظرني ….
النهر، الألغام، والجنود الأعداء.
دون هذه لا اخشى شيئًا.
فجأة سمعت صوت غناء!!!
انبطحت وحبست أنفاسي!
عبرت آلية عسكرية جنوباً،
ومع تلاشي صوتها خلف التلال،
هدأت أعصابي فنهضت وهبطت السفح.
اعترضني سياج…..
قطعت الأسلاك وتسلقت وعبرت.
لا أعلم كم مضى من الوقت حتى الآن.
هذه ليست مشكلة، الوقت أمامي.
فوجئت بسياجين جديدين!!
سياجان يفصل بينهما طريق ترابي ناعم!
ربما حقل ألغام! حقل ألغام بالتأكيد.
فشلت في تقطيع الأسلاك!!
أسلاك سميكة.
تسلقت وهبطت بخفة،
تحسست الأرض بموس الكباس.
وانت تعبر حقل ألغام،
ضع قدمك في المكان الذي فتشته.
درس تعلمته في قواعد الفدائيين.
تسلقت السلك الثاني وهبطت خلفه.
تابعت السير….
اعترضت طريقي اجمة،
شجيرات برية متشابكة،
توقفت حائراً!! يستحيل العبور!!
في لحظة اليأس وقعت عيناي على مسرب ضيق بين الشجيرات!!
ربما طريق وحوش برية…
احنيت ظهري وجثًوت على ركبتي،
ورحت ازحف دون ان افكر بالعواقب.
المسرب يقودني وانا اتوغل!!
لا سبيل غير ذلك.
حتى القمر اختفى!! فيما انا بحاجة لضيائه.
لا أستطيع تقدير المسافة التي قطعتها،
ولا الزمن الذي احتجته لاجتيازها!!
ربما لم يكن الطريق طويلًا!!
لكن في داخله كل الأهوال المتخيلة.
اجتزت المسرب…..
صدمني مشهد مرعب…
مصطح مائي وصوت جريان ماء ….
ربما انه النهر!! انه النهر بالتأكيد.
مرعب صوت الماء وسط الخوف وصمت الليل!!
كان للنهر في خيالي صورة مختلفة!!
تخيلته كالوادي!!
يمكن المناورة معه!! التقدم والتراجع!!
اما ان يكون هكذا!! لم يخطر ذلك ببالي أبدا.
في لحظة المأساة تذكرت ما قاله الغوراني:(سلم نفسك للعدو على ان تغامر بعبور النهر)
وسط رياح الموت التي تهب من حولي، تخيلت خبراً في إذاعة العدو:
(عثر على جثة المخرب محمد منصور عالقة على جذع شجرة في نهر الأردن)
لا مجال غير هذه الصورة المفزعة.
وقفت يائساً!!
سيبتلعني الماء لو ألقيت نفسي في النهر!!
يكفي ان يفر طائر !! او تسقط ورقة من شجرة حتى أفقد ما تبقى من عقلي!!
لست بحاجة لذلك!!
لقد فقدت عقلي بالفعل!!
هذا ليس كلاماً افتراضياً!! انه الحقيقة.
مع تحيات ابو علاء منصور
والى اللقاء في الحلقة التاسعة
2020-05-07