بين رايات الإمام علي ورايات أبي مسلم الخراساني
د. عمر ظاهر
قال لي وهو يواسيني:
“خيّو. أنت بتعرف تاريخ الشام شي؟” فقلت بأسى:
“ما كتير”، فقال:
“أنا حاختصرلك هتاريخ بمسل زغير. هلق قل لي. الياهودي وين ما راح شو بيشتغل؟” فقلت:
“معلوم. بيشتغل تاجر”، فسأل:
“وإزا أجا ع الشام؟” فتطلعت في عينيه وعلى شفتي ابتسامة خفيفة، فأردف:
“عتال، ما هيك؟ أي، وين اختلفنا؟” فضحكت رغما عني، وقلت له:
“أعوز بالله. ما اختلفنا”، فاستطرد:
“بعدين. أنت بعمرك سمعت أنو الروس، والعجم، والأتراك اشتغلوا مع بعض؟” فهززت رأسي إشارة النفي، فقال:
“أي ليكوم. شوفوم، هاي نحنا شغلناهم مع بعض. وحياتك .. وحياتك انطر بس كام يوم، وراح تشوف كيف راح نجيب كل عرصات الخليج، ونخلّيون هني كمان يشتغلوا معُن، ويعمروا هل بلد مسل ما خربوه. هلا أنت شو مصدّع راسك برايات فلان، وفوَط علتان. هاي الشام، يا زلمي، ارجعلا بعد ألف سنه تشوفا هيّ هيّ عاصمة العروبي. لا عروبة من غير الشام، ولا شام من غير العروبة. روّق، وقوم .. قوم خلينا نروح نأرجل.”
هذه الحكاية لا علاقة لها بالسياسة، وإن بدت سياسية. إنها مجرد خواطر في رأس رجل توقف قليلا عن السير إلى المستقبل، وراح يلقي نظرة إلى الوراء، إلى الطريق التي سار فيها بلا كلل، وقطعها في زمن يبدو له الآن كغمضة عين. إنه لشعور يستعصي على التعبير يتملكك وأنت تستذكر الوجوه، والأحداث، ولحظات حاسمة مررت بها في مسافة امتدت حتى الآن لأكثر من ستة عقود.
بعض من تتذكرهم، وكان لهم حتى دور في حياتك، تحولوا إلى عظام نخرة. وبعض منهم لا تعرف مصائرهم، وغيرهم تحولوا من حال إلى حال. ربما تقول العظام النخرة لك شيئا مفيدا؛ إنها تنبهك إلى أنك أيضا ستتحول يوما إلى عظام نخرة، فتكف عن الغرور، والشرور. ومن اختفوا دون أثر يبقون على الدوام مصدر أمل، فقد يفاجئك الزمان ذات يوم بلقاء معهم، فتتجدد صلتك بالماضي، وبالتاريخ، وبما كان يجمعك وإياهم.
أما الذين تحولوا من حال إلى حال فإنهم يجعلونك على الدوام تقول في نفسك “أخ خ خ خ. لو كنت أعلم”. من يستطيع أن يتخيل معك ما تعانيه؟ كنت وإياهم ذات يوم تعيش في عالم جميل، تمرحون مع أفكار سامية عن الإنسان والحرية. في ذلك العالم كان الوطن أغنية الصباح، وترنيمة الصلاة، وتسبيحة المساء، وأحلام المنام. من يستطيع أن يعيش معك هذا الألم، ألم رؤية عالم كنت متيقنا من أزليته وأبديته، يتهدم، فتقف على أنقاضه والخيبة تنخر كيانك؟ أكنا إذن في جوهرنا مسيحيين وشيعة وسنة متخلفين نحمل عقليات القرون الهمجية، واجتمعنا على خداع النفس بأننا أبناء وطن واحد نريد أن نجعله حرا، وشعبه سعيدا؟
أنا، مثل غيري، أميل أحيانا إلى اللوم، وإلى إلقائه على هذا وذاك. يقولون إن من فعل هذا بنا هم هؤلاء المعممون ذوو الضمائر المتخشبة، وأسيادهم الغزاة المحتلون. أقول نحن تعلمنا أن نلعن الشيطان لا أن نلومه، بل أن نلوم أنفسنا إذا اتبعناه. والمعممون لا يختلفون عن الشيطان، بل إنهم وكلاؤه، نلعنهم، ولا نتبعهم. إذا أردنا أن نلوم فلا أحد يستحق اللوم إلا نحن. ومن نحن؟ نحن الذين ادعينا التقدمية، والأممية، والعلمانية، والقومية. في الحقيقة فإن الشيطان لم يتغير أبدا، لم يتحول من حال إلى حال.
هكذا كان المعممون منذ الزمن الذي كانوا فيه يلعنون الإمام علي من على منابر الأمويين، وإلى الآن حيث يذهبون لينتقموا لعلي ولأهل بيته ممن لا حول لهم، ولا ذنب. من تحول هم التقدميون، والأمميون، والعلمانيون، بل وحتى القوميون. هؤلاء هم من يسببون لنا الشعور الذي يجعلنا نئن من الألم، ونطلقها من أعمق أعماق النفس “أخ خ خ خ. لو كنت أعلم”
كنا قبل عام 2003 نحسب أننا كعراقيين مصنفون في فئتين، فئة مع نظام صدام، وفئة ضده. كنا نحسب أننا، الفئة الثانية، نقف في خندق واحد. وا حسرتاه على تلك الأيام. كانت أيام خداع جميل للذات، فقد كان “كره” صدام يومها القاسم المشترك الأكبر بيننا، ولم نكن نعرف أنه أيضا القاسم المشترك الوحيد بيننا.
لو لم يكن لصدام فضل آخر علينا لكفاه فخرا أنه جمعنا في خندق الخداع. وفي لب الحقيقة تكمن الفاجعة وهي أن لا أحد منا كان يكره صدام لسبب سياسي. كنا نكره صدام لأنه كان يمنعنا من رؤية أنفسنا على حقيقتنا، ويجبرنا على أن نكون في خندق واحد، يخدع بعضنا بعضا، ونخدع أنفسنا أيضا. ولهذا فإن الواحد منا كان بمجرد أن يتخلص من قبضة صدام، ويصل إلى مكان يتيح له أن يكون من هو، يظهر على حقيقته عاريا حتى من ورقة التوت.
مصيبتنا نحن العراقيين لم تكن بالأمس صدام، وليست اليوم المعممون. مصيبتنا تكمن فينا نحن الذين كنا ندعي أننا نعارض صدام، والذين ندعي اليوم أننا ليبراليون، أو علمانيون، أو ديمقراطيون. نحن كل واحد منا في أعماقه صدام، وكل واحد منا يخفي تحت تسريحة شعره عمامة. نحن لم نستطع أبدا التحرر من صدام الذي في كل واحد منا، ولم نستطع أن نضع العمامة عن رؤوسنا. لو كنا نحن فعلا ضد صدام، ولو كنا فعلا ضد الطائفية والمذهبية، لكنا كنسنا الدكتاتورية والفساد الديني والطائفية من تاريخنا من زمن بعيد.
هل الطائفية ظهرت، أو طغت في العراق بعد الغزو والاحتلال الأمريكي؟ أكذوبة. إننا بهذا نحمل الاحتلال والمحتلين ذنبا لم يقترفوه، فهؤلاء لم يخلقوا الطائفية، بل استغلوا تجذرها في نفوس أغلبنا. الطائفية كانت موجودة، قبل الاحتلال، وقبل ظهور الأحزاب والميليشيات الطائفية، ليس في عقل ونفس المواطن العراقي العادي، بل كانت تجري في عروق نخبنا السياسية، وتحديدا في الحزب الشيوعي العراقي، وفي حزب البعث العربي الاشتراكي، اليساري منه قبل اليميني.
إن أنس لن أنسى أيامي الأولى في الشام في مايس 1981. تعرضت يومها لألف صدمة ثقافية، وقد أنتقلت من بلد عربي يحكمه حزب البعث العربي الاشتراكي (الذي اصطلح على وصفه باليميني) إلى بلد عربي آخر يحكمه حزب البعث العربي الاشتراكي (الذي اصطلح على وصفه باليساري).
كان الأمر يحتاج إلى بعض الوقت للتكيف مع واقع أنك هربت من مكان يوصف فيه زعيم الثورة الإيرانية بـ “خميني الدجال” إلى رؤية كتب “الإمام” معروضة في المكتبات وعلى أرصفة الشوارع. وكان شعورا شديد المرارة أن تمر أمام مكتب الخطوط الجوية العراقية فتراه مغلقا، وترى مكاتب إيرانية مشرعة الأبواب والنوافذ.
والحق الحق أقول إني وطيلة ثلاث سنوات من الإقامة في الشام لم ألتق بمواطن سوري واحد لم يعبر لي بمرارة عن الخطأ في وقوف سورية مع إيران في حربها مع العراق. كان يزعجني حب السوريين لصدام، وكنت أفهم ذلك فهم لا يعرفون جحيم حكم صدام. كان بعضهم يقول لي صراحة أن العيب ليس في صدام، بل فينا نحن العراقيين، ويستدل على ذلك بمثل معروف “يا فرعون مين فرعنك؟”
سورية كانت بلدا مسترخيا، لا أثر فيه للتشنج الذي تشعر به في بغداد. تصور أن المشي على الرصيف أمام مبنى القيادة القومية لم يكن ممنوعا. في بغداد كانت حتى الضفة الأخرى من نهر دجلة تراقب بالكاميرات من الضفة التي يقع عليها القصر الجمهوري ومبنى القيادة القومية.
قيل لي يومها أن هناك مكتبا لشؤون العراقيين تمر عبره كل معاملات العراقيين في التقدم إلى العمل، أو الإقامة، أو السكن. على ما أذكر كان ذلك المكتب يقع في منطقة المهاجرين. وحين راجعت المكان لأول مرة سمعت أسماء كثيرة، ورأيت عراقيين كثر، وقيل لي إن معاملة تعيين العراقيين في دوائر الدولة تأخذ عاما كاملا!
كان المكتب منشغلا بتسهيل معاملات سفر مئات المهجرين العراقيين من إيران إلى سورية، وتدبير دخول أولادهم المدارس.عرفت أن المكتب يديره البعثيون العراقيون التابعون لسورية (الهاربون من صدام)، وأن هناك عضوا عراقيا في القيادة القومية السورية اسمه عبدالجبار الكبيسي، هو المسؤول عن المكتب.
كنت محظوظا فقد أوصلني أحد العراقيين إلى شركة سورية تنفذ مشروعا تطويريا ضخما، وكانت بحاجة إلى مترجم، وباشرت العمل فورا، لكن قيل لي إنه يتوجب علي الحصول على بطاقة عمل لإتمام إجراءات توقيع عقد العمل.
التقديم على بطاقة العمل أوصلني إلى فرع من فروع المخابرات السورية اسمه “279”. لم يكونوا وديين معي بالمرة، وسألني الضابط الذي تولى استجوابي إن كنت أعرف عراقيين آخرين في الشام، فقلت له إني لا أعرف غير مكتب شؤون العراق، فسأل إن كنت أعرف شخصا محددا هناك، فقلت له بنية صافية “الأستاذ عبدالجبار الكبيسي”، فأنهى الاستجواب على الفور وقال “تكرم. شي يومين وراجع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية”.
حين راجعت الوزارة لم أكن أعرف أن صدمة عنيفة جديدة تنتظرني، هذه المرة ليست ثقافية، بل سياسية. ألقى الموظف الواقف وراء الكاونتر معاملتي أمامه، وقلّب بين الأوراق، ثم وضع، وهو يزم شفتيه، إصبعه على عبارة، ودعاني إلى النظر هناك. “مع الرفض” كان مكتوبا هناك. ثم طوى المعاملة، وقال بلا أبالية مقيتة “لا تواخزنا معلم”.
المخابرات رفضت إعطائي تصريحا بالعمل في البلد. كيف لا تسود الدنيا أمام عيني، وأنا العراقي الذي يعرف أن كلمة المخابرات هي العليا؟ ماذا سأفعل؟ وغير هذا لماذا رفضوا ذلك؟ لقد أعطيت ضابط المخابرات اسم عضو في القيادة القومية، أيكون هذا العضو هو من أوعز إليهم برفض إعطائي التصريح لأني قلت لدى مكتب شؤون العراق أني كنت في السابق شيوعيا؟ على مهلك يا فتى!
لملمت أشلائي التي بعثرها الرفض، ورأيت أن أعود إلى الشركة لآخذ حاجياتي وأذهب إلى البيت، وأفكر كيف سأتدبر أمر عائلتي. جمعت حاجياتي، وقلت في نفسي أمر على مدير المشروع لأبلغه عن توقفي عن العمل.
حين قلت ذلك للأستاز أكرم صرخ مستغربا:
“شو؟” فقلت له “إي والله، رفضوا طلبي على تصريح العمل.”
رأيت كيف أن حمرة قانية غطت جبينه وأذنيه، وتطلع في الطاولة أمامه لثوان، ثم رفع رأسه وقال دون أن ينظر إلي:
“روح ع مكتبك كفي شغلك”، فحسبت أنه لم يفهم ما قلته له، فأعدت عليه بطريقة أخرى:
“أستاز أكرم المخابرات هي اللي رفضت تعطيني تصريح العمل”، فأعاد هو أيضا ما قاله، هذه المرة بنبرة عصبية:
“عم أقولك روح ع مكتبك، وكفي شغلك”.
والله، أنا لم أفهم ماذا كان مدير المشروع يقوله. هل هو حقا يتحدى المخابرات؟ لكني كنت متأكدا من أني فهمت ما قاله، فعدت إلى مكتبي، وجلست أكمل الترجمة التي كنت بدأتها. ثم رأيت أنه خرج من المكتب، وسمعت أنه شخط إطارات السيارة وهو ينطلق. ثم عاد بعد ساعتين، ونادى علي وهو يدخل مكتبه. ماذا قال لي؟ قال:
“بكرا الصبح قبل ما تجي عل المشروع أمرق عل المديرية من شان توقع عقد العمل.”
سورية هي بلد الصدمات لمن لا يعرفها.
وقعت عقد العمل بلا تصريح عمل، ورغم أنف المخابرات!
غريب حقا، ولكن كيف؟ الأمر كان في منتهى البساطة، عرفت بعد ذلك، فالأستاذ أكرم كان مسيحيا، وشيوعيا قديما، والمدير العام المسيحي الذي ينفذ المشروع ضمن مديريته كان عميدا متقاعدا (مسيحيا)، وكان من أقرب المقربين إلى الرئيس حافظ الأسد، رحمه الله، وكلمته هي كلمة الرئيس الأسد، وبالتالي فإن الأستاذ أكرم كان قد ذهب إلى المدير العام، و أخذ منه تخويلا (في آخر المطاف من الرئيس الأسد) بتعييني بدون موافقة المخابرات.
وقيل لي بعد ذلك: “تهيأ يا رجل لصدمات أكبر في هذا البلد. وما هو صدمة لك هو في الحقيقة سر بقاء سورية، فسوريا ليست شخصا واحد إذا كُسر كُسرت. لا أحد يمكنه كسر سورية. في هذا البلد هناك فروع عديدة للمخابرات، وقد يكون أحدهم عنصرا من عناصر فرع مخابرات معين، لكنه مطلوب وملاحق من قبل فرع آخر. في هذا البلد الرئيس هو حليف موثوق للروس، لكن أخاه، رفعت الأسد، هو رجل أمريكا، وهو يدير البلد بقدر ما يديره أخوه، فهو زعيم سرايا الدفاع. ورغم أن الرئيس حليف الروس فإنه قادر على جعل الخليجيين ذوي الرؤوس العفنة يضخون بين فترة وأخرى أموالا ضخمة في الاقتصاد السوري فتنتعش الليرة، ويتحرك السوق.”
وحقا. حضرت لاحقا ندوات ومؤتمرات، وحين كان رفعت الأسد أحيانا يحضر إلى هناك ليستعرض رعايته للقضايا القومية كان هتاف الإخوة الفلسطينيين باستقباله دائما “بدنا نحكي عل مكشوف أمريكي ما بدنا نشوف”.
ولكن لماذا رفضوا إعطائي تصريحا بالعمل؟ تلك كانت صدمة أخرى.
القيادة القومية لحزب البعث يجلس فيها ممثلون عن العراق، ثلاثة أو أربعة. عبدالجبار الكبيسي (قيل لي) هو ممثل السنة، وهناك سهيل السهيل ممثل الشيعة! حقا؟! حزب البعث اليساري فيه محاصصة طائفية؟ سألت ببلاهة. نعم، حتى المسيحيون لهم حصة، وبفضل ذلك وقعت عقد العمل من وراء ظهر المخابرات. بالتأكيد، فإن الأستاز أكرم، رحمه الله، كان إنسانا نبيلا بحق، ونشأ بينه وبيني قاسم مشترك، إذ عرف أني “شيوعي سابقا”، لكنه استفاد في المحصلة من المحاصصة لإنقاذ وضعي، وتمشية عمله.
في العراق كان هناك حزب بعث حقيقي، فاشي من قمة رأسه (السني المفترض صدام) حتى أخمص قدميه اللتين كانتا تتألفان بشكل خالص من الشيعة. ولكن من كان يمكنه أن ينبس ببنت شفة عن الدين والمذهب؟ يمكن لذلك الحزب أن يتحدى من يقول أنه كان له نفس طائفي. أما حزب البعث في سورية، فكان حزب توازنات من كل شكل ولون!
بالنسبة إلى العراقيين كان ذلك يعني أنه لم هناك مكتب واحد لشؤونهم، بل مكتبان. مكتب سني، ومكتب شيعي. لا. هذا ليس توصيفا دقيقا. كان هناك على ما يبدو مكتب واحد- هذا ما رأيته – مكتب في المهاجرين المسؤول عنه الأستاذ عبدالجبار الكبيسي، ويديره أنصاره. أما الأستاذ سهيل السهيل فربما كان عنده مكتب أصغر، أو ديوان عشائري، أو مجلس عزاء مفتوح للزيارات. لكن ما رأيته في الحقيقة أن مكتب الأستاذ الكبيسي في المهاجرين كان يتولى أمور كل العراقيين، وبالدرجة الأولى المهجرين (العراقيين من التبعية الفارسية الذين هجرهم صدام إلى إيران)، وهم من الشيعة.
ثم كتب لي أن ألتقي الأستاذ عبدالجبار الكبيسي لاحقا، وأعرفه عن كثب. وأقول للتاريخ أني لم أسجل على الرجل أنه كان طائفيا من بعيد أو قريب. كان قوميا، نعم، وقوميا متعصبا، إلى أقصى حد، حتى أنه، وقبل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 عاد إلى العراق, ووضع يده بيد صدام مع أن هذا الأخير كان قد أعدم ثلاثة من إخوته. الوطن والعروبة كان لا يعيش بلاهما.
المشكلة هي أنه كانت هناك فروع مخابرات تحارب الكبيسي، منها الفرع 279. وأنا كنت غافلا وظننت أن ذكر اسمه هناك سيمنحني دعما، ولم أعرف أنهم يبغضونه إلى حد منع من يعرفه من العمل في سورية.
ولكن لماذا كانوا يكرهونه؟ على ما أظن أن الأستاذ الكبيسي، إضافة إلى كونه شديد التوتر ربما لأنه كان يعيش تأنيب ضمير بسبب إعدام صدام لثلاثة من إخوته بسبب هروبه هو إلى سورية، كان لا يعرف تماما أن معظم العرب لا يفهمون العربية. كان يحسب أن العرب قادرون، على الأقل، على تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر في لغتهم. قام، وبلا لف أو دوران، وأطلق عبارة صريحة مدوية أثناء الحرب بين العراق وإيران. قال: “أهلا برايات الإمام علي، لكن رايات أبي مسلم الخراساني لن تمر”.
في رأسه كانت العبارة واضحة وضوح الشمس، فعلي هو الإسلام وهو العروبة، وأهلا به في كل بلد، وفي كل بيت وفي كل قلب مؤمن، لكنْ من يكون أبو مسلم الخراساني؟ وسبحان الله الذي لم يمنح كل الناس القدرة على التمييز بين الإمام علي وبين أبي مسلم الخراساني، القديم منه والجديد.
ومن يشفع لدى الناس لمن يرفض لرايات أبي مسلم الخراساني أن تمر، خاصة إذا كانت فروع المخابرات التي على شاكلة الفرع 279 ترحب بتلك الرايات؟ صار من يرفض استقبال أبي مسلم الخراساني يعتبر مارقا، مثله مثل من يرفض الأإمام علي كرم الله وجهه.
بعد فترة في الشام تبينت أن هناك تقسيما طائفيا بغيضا بين العراقيين أنفسهم يشجعهم على ذلك وجود مركزين لهما نفوذ لدى السلطات السورية. وأنت ترى أن العراقي قد رفع عنه الضغط، فتنفس الصعداء، وراح يمارس هويته بلونه الصارخ، فهو ليس ذلك الوطني الذي تغنى بدجلة والفرات، وهو ليس ذلك الشيوعي الذي تغنى بالأممية والوطن الحر، وهو ليس ذلك القومي العربي الذي تغنى بأمة واحدة ذات رسالة خالدة، بل هو ما كان جده قبل ألف سنة.
ربما كانت صراحة من كانوا يميلون إلى الأستاذ سيل السهيل في الكشف عن أن ميولهم المذهبية هي ما تجمعهم مع الرجل، بينما كان من التف حول الأستاذ الكبيسي يعملون بكل قوتهم على دفع حتى الصفة الدينية عنهم – أقول ربما كان ذلك هو ما جعلني ألتقي مع الأخيرين. كانوا فتية بدؤوا لتوهم بالإقرار بأن لا وجود لأية اشتراكية غير الاشتراكية العلمية. كانوا أشبه ما يكونون بشيوعيي خمسينيات القرن الماضي، متحمسين لاكتشافهم الجديد، وابتعادهم عن اشتراكية ميشيل عفلق العربية التي ظل صدام متمسكا بها.
نعم، كان اسمهم “بعثيون” لكنهم كانوا أشبه ما يكونون بشيوعيين جدد يتميزون عن الشيوعيين القدامى بأنهم كانوا يضعون فلسطين في صلب قضيتهم. وكانوا يجدّون في تثقيف أنفسهم بالأدبيات الماركسية. بالتأكيد، كان هناك في سورية خط بعثي قومي عروبي، وخط طائفي لا تفوت العين ملاحظته. وكان واضحا أن من اختار العروبة التف حول أحدهم، ومن اختار المذهب تجمع حول الآخر.
لكن الصدمة الأعنف هنا كانت أن الحزب الشيوعي العراقي في الشام كشف هو الآخر انجراره الفاضح إلى ممارسة الطائفية، فقد كان يوجه أنصاره صراحة إلى التعامل مع مكتب الأستاذ سهيل السهيل، وإلى نبذ الكبيسي. وكان الحزب نفسه يرفض التعامل سياسيا مع الأستاذ الكبيسي. وكان ذلك واضحا في قيام جبهتين تهدفان إلى إسقاط نظام صدام: الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود) بين الشيوعيين ومسعود البارزاني، والجبهة الوطنية القومية التقدمية (جوقد) بين حزب البعث (جبار الكبيسي وفوزي الراوي) والاتحاد الوطني الكردستاني (جلال الطالباني) وعدد من التنظيمات اليسارية الصغيرة.
كنت أسأل الشيوعيين عن سبب عدائهم للكبيسي فكان جوابهم أن الكبيسي طائفي، أو أنه من الغربية مثل صدام! كان جوابا مضحكا. ترى ماذا كان سهيل السهيل في نظرهم؟ هل كان ماركسيا أمميا؟ أم أن الرجل كشف بكل أمانة وصدق أنه شيعي قبل أن يكون أي شيء آخر؟ لماذا وجد الشيوعيون أنفسهم أقرب إلى البعثي الشيعي سهيل السهيل من رفيقه في القيادة القومية لحزب البعث عبدالجبار الكبيسي؟ على الأغلب لأن معظمهم كانوا يعتقدون أن عبارة “شيوعي” هي مجرد تحوير لعبارة “شيعي”. ألم يقل مظفر النواب في الإمام علي: “لو عدتَ اليوم لحاربك الداعون إليك .. وسموك شيوعية؟”
غريب أن الشيوعيين كانوا في العراق، ومنذ بداية السبعينيات متحالفين مع صدام “التكريتي”، وظلوا متشبثين بذلك التحالف رغم أن صدام جعلهم شذر مذر. وفي المنفى كانوا يرفضون التعامل، على قدم المساواة، مع عبدالجبار “الكبيسي” لأنه من الغربية مثل صدام.
لو أن الشيوعيين رفضوا التعامل مع حزب البعث في سورية لكان ذلك مفهوما – طبعا لم يكونوا يستطيعون ذلك، وهم في بلد يحكمه ذلك الحزب. ولو أنهم رفضوا التعامل مع البعثيين العراقيين في الشام بشكل عام ومطلق، لكان ذلك أيضا مفهوما باعتبار أن تجربة الحزب مع البعثيين كانت مريرة. ولكنْ، أنهم تعاملوا مع ما اعتبروه طائفية بأن فضلوا “طائفية” سهيل السهيل البعثي على “طائفية” جبار الكبيسي البعثي فأمر يكشف بكل بساطة نزعة طائفية مبطنة، واستعدادا للتعامل مع الطائفية وتشجيعها.
لهذا لم نتفاجأ أبدا بعد الاحتلال عام 2003 حين رأينا زعيم الحزب الشيوعي العراقي محفوف الخدين والحاجبين، ويضع أحمر الشفاه، ويتغنج في حضرة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر في غزل ذليل على أمل أن يتخذه بريمر بين من اتخذهم ملكا ليمينه.
في صفوف البعثيين والشيوعيين، في العراق، كانت الطائفية متخفية، لكنها أسفرت عن وجهها القبيح قبل أن تسفر الطائفية الفاشية عن وجهها عبر أحزابها الدينية.
لم أعرف لاحقا ما حصل للأستاذ السهيل (ليرحمه الله إن كان توفي)، لكني تتبعت الكبيسي، وعرفت أنه، وبعد أن تعرض لاعتداء وحشي من المخابرات السورية، قرر ترك سورية، والاستقرار في باريس. وتتبعت زيارته إلى بغداد وتصالحه مع قاتل إخوته، صدام، ونشاطاته ضد الاحتلال. ثم عرفت بأسف عميق بموته في مستشفى بباريس.
قبل أيام عاد صديق لي من الشام، وكان لنا حديث طويل، بقيت طواله أتذكر عبارة المرحوم الكبيسي عن الرايات، وقلت في نفسي أن الله يحب بعض الناس فيأخذهم إليه قبل أن يروا أسوأ مما يكرهون. ويوم أمس مرّ عليّ صديقي، وابن بلدي سورية، فرحت أبثه أحزاني، وأفضفض عنده همومي.
قال لي وهو يواسيني:
“خيّو. أنت بتعرف تاريخ الشام شي؟” فقلت بأسى:
“ما كتير”، فقال:
“أنا حاختصرلك هتاريخ بمسل زغير. هلق قل لي. الياهودي وين ما راح شو بيشتغل؟” فقلت:
“معلوم. بيشتغل تاجر”، فسأل:
“وإزا أجا ع الشام؟” فتطلعت في عينيه وعلى شفتي ابتسامة خفيفة، فأردف:
“عتال، ما هيك؟ أي، وين اختلفنا؟” فضحكت رغما عني، وقلت له:
“أعوز بالله. ما اختلفنا”، فاستطرد:
“بعدين. أنت بعمرك سمعت أنو الروس، والعجم، والأتراك اشتغلوا مع بعض؟” فهززت رأسي إشارة النفي، فقال:
“أي ليكوم. شوفوم، هاي نحنا شغلناهم مع بعض. وحياتك .. وحياتك انطر بس كام يوم، وراح تشوف كيف راح نجيب كل عرصات الخليج، ونخلّيون هني كمان يشتغلوا معُن، ويعمروا هل بلد مسل ما خربوه. هلا أنت شو مصدّع راسك برايات فلان، وفوَط علتان. هاي الشام، يا زلمي، ارجعلا بعد ألف سنه تشوفا هيّ هيّ عاصمة العروبي. لا عروبة من غير الشام، ولا شام من غير العروبة. روّق، وقوم .. قوم خلينا نروح نأرجل.”
2017-01-18