الانتخابات التشريعية بين رهانات اليمين الأصولي والمخزني وقِوى اليسار
كمال السعيدي
أصبحت الواجهة الأمامية للمشهد السياسي اليوم، حِكرا على قوى اليمين الديني والإداري، بعد التراجع الكبير الذي عرفه اليسار، لأسباب يعود أغلبها إلى أخطاء اليسار نفسه، خصوصا بعد الفشل الذي مُنيت به تجربة التناوب التوافقي والتي انخرط فيها جزء من هذا اليسار، دون الحصول على ضمانات سياسية ودستورية، تجعل من ذلك التناوب بوابة نحو انتقال ديمقراطي حقيقي، وكان من نتائجها الوصول إلى حالة من التشرذم والضعف لا زال الجسد اليساري يعاني من تبعاتها إلى اليوم وتنعكس سلبا على شعبيته وعلى إشعاعه، وبطبيعة الحال على قوته التنافسية ولياقته الإنتخابية..
ومع احتداد التنافس اليوم، بين قوى اليمين بشقيه الأصولي والمخزني على مقربة من انتخابات تشريعية يراهن حزب العدالة والتنمية فيها على تأمين صدارته للمشهد الإنتخابي والفوز بولاية حكومية جديدة، تمكنه من المزيد من بسط هيمنته على المجتمع وعلى بعض مؤسسات الدولة مستفيدا من موقعه الحكومي ونتائجه غير المسبوقة في الإنتخابات المحلية والجهوية الأخيرة..
بالمقابل يراهن حزب الأصالة والمعاصرة (الغريم الذي يقدم نفسه على أساس أنه حزب حداثي) على إزاحة رئيس الحكومة الحالية وحزبه من موقعه، خصوصا بعد إنتفاء الحاجة إلى الخدمات التي كان قد قدمها للنظام، بالمساهمة في تأمين إستقرار، بدا لبعض الوقت مهددا، في سياق وطني وإقليمي مضطرب..
لكن، ما هي رهانات أحزاب اليسار من المشاركة في الإنتخابات التشريعية للسابع من أكتوبر المقبل؟
نجد من جهة، أن هناك أحزاب اليسار التقليدية والتي انقسمت بين مؤيد للعدالة والتنمية ومؤيد لحزب الأصالة والمعاصرة، وأصبحت تبدو كأنها أحزاب بدون رهان حقيقي، اللهم الإصطفاف خلف أحد الحزبين المؤهلين لقيادة التجربة الحكومية المقبلة، وبالتالي أصبح البحث عن التمثيل الحكومي لديها كما لو كان هو الغاية والرهان الأساسي.. ولذلك تراها تجد كل المبررات والمسوغات للإقناع بجدوى اختيارها.. يسار يراهن على الإصطفاف خلف حزب الأصالة والمعاصرة ويعتبر حزب العدالة والتنمية هو خصمه الرئيسي، وأن مهمته الأساسية في هذه المرحلة، هي توفير كل الشروط لهزيمته انتخابيا، متناسيا أن الهزيمة الإنتخابية لحزب العدالة والتنمية هي هزيمة للأصولية، ولكنها ليست بكل تأكيد نصرا لليسار ولا للديمقراطية، لأن المستفيد منها في هذه المرحلة هو النظام المخزني، المتحكم إلى حد كبير في اللعبة الانتخابية، وهو مَن يمتلك أهم مفاتيح الصراع السياسي، بمعنى أنها في الواقع هزيمة بطعم الانتصار للإرادة المخزنية..
وثمة يسار يراهن على الإصطفاف خلف حزب العدالة والتنمية، ويعتبر أن فوز هذا الأخير هو انتصار له بدوره على مشروع التحكم والتدخل في الحياة الحزبية، ولكنه بالمقابل لا ينجز أي تقييم موضوعي لتجربته، ضمن حكومة تبنت برنامجا ليبراليا متوحشا مناقضا لمشروع اليسار، وطبّعت مع الفساد، ولا تمانع في الإمثثال لوصفات المؤسسات المالية الدولية المجحفة..
ودون قراءة رصينة للتجارب السلبية التي عرفتها بعض البلدان العربية والإسلامية، ومنها النزوع السلطوي المتزايد لتركيا الأردوغانية..
إن فوز العدالة والتنمية بالإنتخابات التشريعة غدا، هو في الواقع انتصار لأصولية زاحفة وليس انتصارا للديمقراطية..
ومن جهة أخرى، هناك أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي التي هي حصيلة مسار وحدوي، والتي تسعى أن تجد لها موطئ قدم ضمن الأحزاب الرئيسية، وبالتالي تعول من خلال مشاركتها في الانتخابات على تحقيق تقدم انتخابي ملموس، يعطي الأمل في إمكانية استنهاض اليسار الذي اتخذ موقفا نقديا من تجربة التناوب، ولا زال ينازع في العديد من ثوابت الدولة المخزنية، وتسعى أن تتحصل على شرعية انتخابية معتبرة، تدعم بها مواقفها السياسية في مواجهة المشاريع اليمينية التي تتجاذب الساحة الوطنية اليوم..
وهكذا أصبح اليسار إما يسارا يتوفر له قدر من المصداقية، لكنه على درجة من الضعف، بحيث لا زال يتلمس الطريق نحو تشكيل بديل ديمقراطي عن تلك الأحزاب اليمينية المهيمنة، أو يسارا تخلى طوعا عن هذه المهمة وأصبح ينخرط في تحالفات هجينة، داعما لطرف على حساب آخر، ضمن حسابات تكتيكية، لا تأخذ بعين الإعتبار مصالح اليسار، ولا الحاجة إلى إعادة بناء اليسار وتأهيله ليكون في مستوى مشروعه التاريخي والحاجة الموضوعية إليه..
مهمة أحزاب اليسار اليوم أن تنشغل بتأهيل ذاتها، والعمل على توحيد صفوفها، واسترجاع مكانتها كمنافس سياسي يحسب له الحساب، لا أن تتقاذفه حسابات الخصوم.
2016-07-30
