المقاطعة العربية للمقاومة.. بدلاً عن “إسرائيل”
د. نسيب حطيط
أعلنت جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي والقمة الإسلامية أن حزب الله “منظمة إرهابية“، لتبرير حصاره وعزله ومقاطعته، ثم أعلنت “نايل سات” منع “المنار” عن البث، لإسكات صوت الاحتجاج أو صراخ الضحية، وتم استبدال مكتب “مقاطعة إسرائيل” بمكتب “مقاطعة المقاومة في لبنان”، ما فتح الطريق أمام الإدارة الأميركية لإصدار القرارات التنفيذية لقانون الحظر المالي على المقاومة ومناصريها والمتعاملين معها، وكانت المصارف اللبنانية مَلَكية أكثر من الملك الأميركي، حيث سارعت إلى تطبيق القرار و”حبة مسك” زيادة، فوسّعت مروحة المشمولين بالحظر، والذين لا تشملهم العقوبات الأميركية.
يعتقد الأميركيون أن القضاء على المقاومة في لبنان، والتي تصدّت للمشروع الأميركي – الصهيوني منذ اجتياح عام 1982، والذي شارف على إنهاء القضية الفلسطينية بالقضاء على المقاومة الفلسطينية وتهجيرها إلى المنافي في تونس والسودان والجزائر وسورية، كفيلة بإنهاء ملف القضية الفلسطينية، وتحقيق الأمن والطمأنينة للكيان الصهيوني، فجاءت المقاومة في لبنان وألحقت هزيمتين متتاليتين للصهاينة؛ عام 2000 تحرير الجنوب وانكسار العدوان، وعام 2006، فكان لا بد من الثأر الشامل بتحالف عربي – “إسرائيلي” – أميركي، ومعهم “الطبّالون” من الأوروبيين، وفي مقدمتهم فرنسا، واتُّخذ القرار بضرب قلب محور المقاومة سورية، وتقسيم المقاومة مذهبياً، فتصبح مقاومة غزة “سُنية” في أحضان الخليج، والمقاومة في لبنان “شيعية” تتحالف مع إيران وسورية، وتستبدل “حماس” مقاومة الخنادق بمقاومة الفنادق، ولا تعزّي حتى بشهداء المقاومة!
مشاركة المقاومة مع الجيش السوري وبقية الحلفاء بالتصدي للمشروع الأميركي أدى إلى استنزاف الأميركيين والأتراك والخليجيين، الذين بدأوا بتعداد الشهور ثم السنين لسقوط الرئيس الأسد وسقوط سورية، ودخلت السنة السادسة على بدء الأزمة في سورية، وذهب ساركوزي وبيل كلينتون، وسيذهب هولاند وأوباما، ورحل الملك عبدالله وأمير قطر حمد بن خليفة وحمد بن جاسم، وبقيت سورية وبقي الأسد.. وبقيت المقاومة.
كان الثمن غالياً وباهظاً من الشهداء والقادة من لبنان وسورية وإيران والعراق، زرعت المقاومة “أوتادها” لتبقى الخيمة السورية صامدة أمام غدر العرب وقلة وفاء “اللقطاء”، والحرب العالمية عليها، وتكاد مشاكل المقاومة في الجنوب لا تستطيع تأمين الشهداء المقاومين لزرعهم في كل المدن والقرى السورية دفاعاً عن الإسلام وعن الإنسانية وعن سورية ولبنان، وحتى فلسطين التي تركها أهلها ثم صوّتوا ضد حزب الله ثلاث مرات مع العرب، ووصفوه بأنه “إرهابي”، ثم عادوا ليتفاوضوا مع الذين يقتلهم كل يوم بالمستوطنات رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو.. عجباً، إنهم يفرحون بالاغتصاب ولا يقبلون الكرامة، فيقاطعون أهلها ويقاتلون قادتها!
الحرب في سورية ليست مذهبية، بدليل أن “النصرة” تذبح “داعش”، والعكس بالعكس، وكلاهما من التكفيريين على المذهب الوهابي.
“جيش الإسلام” يذبح التنظيمات الإسلامية في غوطة دمشق، والعكس بالعكس.. “النصرة” تهاجم الجماعات الإسلامية في ريف حلب، وكلهم معارضة وتكفيريون، وتموّلهم نفس الدول “السُّنية الخليجية” وأميركا وتركيا و”إسرائيل”.. فكيف تكون الحرب مذهبية؟
تقتل “داعش” أهل الموصل (السُّنة) والفلوجة والرمادي، وتهدم المساجد السُّنية، وتقتل علماءها، وتغتصب نساءها، وكلهم من أهل السُّنة.. فكيف تكون الحرب مذهبية؟
الساكت عن الحق شيطان أخرس، والحرب مفصلية في هذه الأيام، ولا مكان للحياديين فيها، فإما أن تنصر الحق ولا تخذله، أو تسكت عن الباطل الذي يجتاح دولنا ويدمّر بيوتنا ويقتل أهلنا.
المقاطعة الاقتصادية والحصار للمقاومة سيرتدّ على الآخرين الذين يظنون أنهم في مأمن وأمان.. كلنا في مركب واحد، فمن أراد ثقبه، سواء كان مصرفياً أو سياسياً أو أمنياً، فسيغرق الجميع، بل إن أهل المقاومة وداعميها متمكنون من سترة النجاة أكثر من غيرهم، فلا يوغلن أحد في حصارنا أو قتلنا، فإذا وصلت “داعش” لن يبقى مصارف ولا تجارة ولا شواطىء ولا ممرات، فلينتبه البعض من أن أميركا ليست قدَراً لا يُردّ، وليس كل ما تقوله واجب التنفيذ.. فقليلاً من الحكمة والتعقّل قبل الانفجار الذي يؤذي الجميع.
24/05/2016