الغائب .. الحاضر
أسطورة، أم ضرورة تاريخية؟
د. عمر ظاهر
الشعوب لا تختلق الأبطال، بل تصورهم على شاكلة أبطال عرفتهم، أو على هيئة أبطال تتمناهم! والشعوب أذكى من أن تعيش على أوهام التمني، فهي حين تصور منقذا سيأتي، فإنها تضع روحها، وتجربتها التاريخية في شكله، وفي مواصفاته، بل وحتى في ظروف بروزه.
تلك هي حال أمة العرب من قرون عديدة، وهي تتحدث عن منقذ سيأتي لينتشلها من الظلم، والإذلال، والبؤس، عندما تمتلئ الدنيا بها. ولا ننوي هنا أن نتحدث عن المواصفات المفترضة في رجل سينقذ أمة. إنه بلا شك نبيل، وعفيف، وعادل، وقوي، وتقي، وحكيم، ومنصور من الله. وهو من سلالة نبلاء معروفين للقاصي والداني، وبخُلقهم يتخلق.
ملايين كثيرة منا تؤمن به، بل وبأنه ولد، ليس بالأمس القريب، بل من قرون خلت، وأنه غائب عن الأنظار، وسيظهر عندما يأذن الله له. وفي كونه غائبا يكمن اليوم جوهر القضية، فمن كان بيننا من قرون، كما يؤمن بعضنا، ولم يفلح أحد في التعرف عليه، يحمل سرا غيبيا خطيرا.
هل يؤمن الساسة الغربيون به؟
سؤال يثير بعض الاستغراب، أليس كذلك؟ هل المهم هو إيمان بني أمته به، من عدمه، أم المهم إيمان الآخرين به، وهُم لفكرة وجوده كارهون أصلا؟ مع شديد الأسف، فإن عدم إيمان جزء كبير من الأمة به لا يحمل أية قيمة، فالإيمان به من عدمه تحول، بين ظهراني هذه الأمة، إلى مسألة طائفية تعصبية غير قائمة على إعمال العقل، أو النظر إلى الأمر من زوايا أخرى غير مذهبية، مثلا من زاوية رمزية، أو من زاوية الفهم النفسي للتاريخ! أما إيمان الآخرين، خاصة الغربيين، به فيحمل معنى ذا أهمية كبيرة، كما سنرى.
ماذا يعرفون عن العرب؟
لا نكشف سرا عندما نقول أن أمم الغرب، ونعني بذلك أوروبا الغربية أولا، وأمريكا بعدها، منهمكة في دراسة العرب من عدة قرون. إن مؤسساتهم البحثية باتت تعرف عن العرب كل شيء (تقريبا). ولكي لا يتخذ حديثنا منحى سرديا نتعجل الوصول إلى أن تلك المؤسسات (وهي تشارك بفاعلية في إعداد السياسيين المتنفذين في بلدان الغرب الاستعمارية) لديها عن العرب ثلاث فئات من المعلومات:
أولا، معلومات عن تاريخ حضارتهم، وإسهاماتهم في المعرفة البشرية. وهنا يعرفون كل الحقيقة بأن العرب كانوا حلقة الوصل بين الحضارة الإغريقية القديمة (قبل ثلاثة آلاف سنة) وبين بدايات قيام الحضارة في أوروبا في القرن الثامن عشر. وهم يعرفون، كما نعرف نحن، أن التاريخ منذ القرن الثامن الميلادي يزخر بأسماء العلماء العرب أو المسلمين الذين نشؤوا، وأبدعوا في كنف امبراطورية العرب، بينما لم يكن هناك في عالم العلم، قبل القرن الثامن عشر، إلا أسماء أوروبية نادرة.
مع الأسف، فإن الغربيين يتعاملون، في الأعم الأغلب، بخبث مع هذه المعرفة، فيحاولون طمس الحقائق، وإنكار إسهامات العرب الحضارية، بل وسرقة إبداعاتهم، وتصويرهم كأمة خارج التاريخ.
ثانيا، معلومات عن صراعات العرب، ونقاط ضعفهم. وهم يستغلون هذه المعرفة في السيطرة عليهم عبر تفريقهم. إنهم ليسوا من اخترع الخلافات الطائفية بين المسلمين العرب، بل يعرفون أن الصراعات الطائفية كانت من العوامل التي سهلت الغزو الصليبي للعالم العربي قبل أكثر من ألف سنة، فهي سلاح فعال لتفريق شملهم. كذلك يعرفون الصغائر في نفوس بعض الرجال العرب الأغنياء، ونزوعهم إلى امتلاك النساء – الأمر الذي نوه إليه القرآن الكريم في قوله تعالى {زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَ ٰتِ مِنَ ٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡبَنِینَ وَٱلۡقَنَـٰطِیرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَیۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَـٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَ ٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ} (سورة آل عمران: 14).
ومع أن القرآن الكريم لا يُقصر ذلك النزوع على العرب وحدهم، بل يعممه على الناس كافة، بمن فيهم الغربيين (وهذه حقيقة لا شك فيها، فهؤلاء أكثر جشعا من الرجال في بقية الأمم) إلا أن سمعة العربي الطاغية هي أنه ذلك الإنسان الوضيع الذي يستعبد النساء، ويبيح لنفسه تعدد الزوجات. هذا مع أن عدد الرجال في الغرب، والذين يعاشرون أكثر من واحدة في الوقت نفسه، لكن بصورة متوافقة مع القانون الذي يمنع الزواج بأكثر من واحدة، قد يكون أضعاف الرجال العرب الذين يفعلون ذلك بشكل يماشي أيضا القانون في بلدانهم. ثم إن الرأسمالية الغربية حولت المرأة بشكل عام إلى بضاعة بكل ما في الكلمة من معنى! مع هذا فإن الرجل العربي هو “الخروف الأسود” بين خراف العالم.
هذه المعلومات التي تستخدم انتقائيا، وبعيدا عن السياق، عبارة عن سلاح ثقافي قاتل يستخدمه الإعلام في الحرب السياسية على العرب.
ومثال آخر. إنهم يعرفون، ومن زمن بعيد، أن العراق كان لأربعة قرون متصلة مسرحا للصراع بين الدولة العثمانية التركية وبين الدولة الفارسية تحت مسمى زائف هو “الصراع السني – الشيعي”. أجيال من العراقيين، خاصة سكان بغداد، عاشت أحداثا درامية مأساوية بسبب ذلك الصراع الذي ليس لهم فيه ناقة أو جمل. المفارقة المؤلمة هي أن أحد أسباب غزو العراق عام 2003 – ( تنبيه: أستولى بكر صوباشي، الملازم في الجيش التركي، على السلطة في بغداد عازلا الوالي العثماني، وأشعل فتيل صراع دموي انتهى إلى احتلال بغداد من قبل الفرس عام 1624) – كان إذكاء النار في ذلك الصراع مجددا، عبر فتح المجال لإيران للسيطرة على العراق، توطئة لقيام صراع طائفي تحت نفس المسمى. والآن يُعدّون، وعلى شكل ملهاة مأساوية، لطرد إيران من العراق بمساعدة تركية! مضحكٌ، مُبكٍ معا!
ثالثا، معلومات خطيرة تتعلق بنقاط قوة العرب، ومنها سر بقاء اللغة العربية صامدة رغم قرون من الاستعمار العسكري، والسياسي، والثقافي، واللغوي الغربي للعالم العربي. إن الانجليزية تحولت خلال قرن من الاستعمار البريطاني للهند إلى لغة رسمية في ذلك البلد، بينما لم يحصل ذلك في أي بلد عربي، ولا حتى في المغرب، والجزائر، رغم قرون من الاستعمار الفرنسي الوحشي للبلدين، والضعف السياسي، والعسكري للعرب، بل ورغم إعجاب قطاع كبير من العرب بالثقافات الغربية، وتقليدها، والنزوع إلى تعلم لغات المستعمرين! أليس سرا خطيرا أن العكس حدث مع العرب، فالفرس، والأتراك، وحتى المغول، أخذوا عن العرب دينهم، ولغتهم إلى بلدانهم!
ومن هذه المعلومات أيضا سر إيمان العرب بأنهم سينتصرون في آخر المطاف على أعدائهم، مع أنهم يعيشون الآن في حضيض الضعف، وأعداؤهم صاروا يمتلكون من خلال العلم والتكنولوجيا، ناصية قوى شيطانية! وهناك أسرار أخرى يعرفها العاملون في المؤسسات البحثية الغربية، ويخفونها حتى عن شعوبهم. وهم يحاولون الوصول إلى حل شفراتها والتعامل معها. لكنهم، وفي الظاهر، يسفهونها، وإن أشاروا إليها فباعتبارها دليلا على تخلف التفكير العربي، وغرقه في الغيبيات، ومنها ما يتعلق بالقرآن الكريم.
سرّ الإيمان بالنصر يرتبط بإيمان يقيني لدى بعض العرب بكون شخص ما (مقدس ويتهيأ ليقودهم إلى النصر) موجودا بين الناس، دون أن يتعرف عليه أحد، وبحتمية ظهوره، فهو قدر. هذا أمر مخيف حقا. نحن نعرف المفارقات التي يتحدث عنها القرآن الحكيم، مثلا أنه وصل إلى علم فرعون بأن من يُهلكه سيولد في العام الفلاني، الأمر الذي جعله يصدر أمرا بقتل كل طفل ذكر يولد في ذلك العام، لكن مفارقة عجيبة قادت موسى، والذي ولد في ذلك العام بالذات، إلى قصره، ليتبناه فرعون، ويربيه بنفسه! أمر وارد. صدق أو لا تصدق! أما هذا الأمر فليس فيه مفارقة، أو مكر، أو مصادفة، وإنما يبدو قدرا مرتبطا بمشيئة يمكن أن تخفي إنسانا حيا عن الأعين!
ما المغزى من الغياب، أو التخفي؟
أن يستعصي تقفي أثر شخص على الناس، فأمر له أبعاد خطيرة، فهذه الفكرة موجودة عند العرب من قرون (وبلا شك أيضا عند شعوب شرقية أخرى). هل كان هناك قبل ثمانية قرون من تنبأ، انطلاقا من تجربة إشراقية، بأنه سيأتي زمان يصبح فيه التعرف على مكان إنسان مهم خطرا ماحقا على الأمة كلها؟ هل أراد ذلك المتنبي أن ينبه الناس إلى أنه سيأتي زمن تلعب فيه الاستخبارات دورا حاسما في الصراعات؟ ومتى لم يكن الأمر كذلك؟ ولكن ما المغزى؟ هل فكرة الغياب طلسم يصف للمنقذ المنتظر كيفية تجنب الانكشاف للعدو، حتى لو كان ذلك العدو يمتلك خبرات وقدرات شيطانية؟ وحتى لو كان ذلك العدو يمتلك أقمارا اصطناعية ترصد حتى حركة الديدان تحت كل سنتيمتر من الأرض، وأجهزة تجسس تتعرف على الشخص من مشيته، ونظرته، ونَفَسه؟
من يكون ذلك القائد الغائب الحاضر؟
كان الكثير من العرب يرون أن الشهيد حسن نصرالله هو ذلك الغائب، فهو شخص كارزمي إلى أقصى حد، ومخلصٌ إلى أقصى حد، وذكيٌ إلى أقصى حد، وحاضرٌ في كل لحظة من الصراع، لكنه أيضا غائبٌ لا يعرف العدو مكانه!
وصلوا إليه؟ وتخلصوا منه؟ فلم يكن هو؟ إنه ليس من باب التعلق العاطفي بقائد أسطوري أن لا يصدق بعض الناس بموته. لكن لنفترض أن ذلك قد وقع، فالتخلص من حسن نصرالله لم يحل المعضلة أمام من يخاف مِن ظهور مَن لا تنفع في كشفه، وكشف مكانه، كل خبرات التجسس، والتكنولوجيا، ووسائل شراء الذمم.
إن التحدي الكبير أمام من تصيبه الحيرة تجاه هذا السر في الإرث الثقافي العربي، فيخاف منه، هو أن الظروف التي تقول الحكاية أن الغائب سيظهر في أتونها، تتجسد يوما بعد يوم في طغيان الظلم والجور، والفساد حتى امتلأت الدنيا بها؛ وأعداء العرب هم هؤلاء الطغاة الظالمون، الجائرون، الفاسدون. صحيح أن العالم لم يخلُ في أي زمن من الظلم والجور والفجور، إلا أن الأمة العربية بالذات لم تعرف هذا القدر من الظلم كما اليوم. لم يحصل ذلك حتى أثناء الغزو المغولي البشع للعالم العربي.
إذن، هو سيظهر! أو سيكشف عن وجوده، دون أن يكشف عن نفسه، فلا يصبح هدفا ممكن الاصطياد. وطالما أنه سينتصر على العدو، فهذا يعني أنه لن ينفع في الكشف عن شخصيته لا الجواسيس، ولا أجهزة التجسس الألكترونية المعقدة، ولا حتى الأقمار الاصطناعية، ولا تريليونات قطر، والإمارات، والسعودية؟
هل هناك في هذه اللحظة قائد ينظم صفوف أنصاره لمقاتلة الطغاة الظالمين؟ إن كان ذلك ممكنا، فإن على الجميع أن يفهم حالة الهيستيريا التي يعاني منها أعداء العرب. هذه الأمة يحصل بين ظهرانيها في الخفاء ما سيفاجئهم.
إنه لكابوس حقيقي أن يخاف القوي المتجبر، والذي يكاد يصرخ في العالم: “أنا ربكم الأعلى”، من ضعيف مستضعف، لمجرد فكرةٍ عن أن كل خبراته، وتكنولوجيته، وإمكانياته المالية يمكن أن تتعطل بفعل إنسان تسنده مشيئة إلهية!
القائد الغائب ليس أسطورة دينية، بل ضرورة تاريخية!
2025-03-24
