لا يمكن أن نبدأ إلا بالتعبير عن مشاركتنا للشعب الفرنسي حزنه على فقد عدد من أبنائه في الضربة الإرهابية التي تعرضت لها دار نشر في باريس يوم الأربعاء السابع من كانون الثاني. هذا الحزن لا يمنعه، ولا يقلل من عمقه كوننا أصلا في حالة حزن دائم على ضحايا شعبنا في سورية، وفي العراق، وفي ليبيا الذين بلغت أعدادهم مئات الآلاف، وما يجعل حزننا على ضحايا الشعب الفرنسي بنفس العمق هو أنهم ضحايا نفس اليد الإرهابية الآثمة التي تمتد كل يوم إلى أعزائنا، وأهلنا في سورية، والعراق، وليبيا، وبلدان أخرى، وما يجعل الحزن أعمق، في الحقيقة، هو المفارقة العجيبة في أن فرنسا ساهمت في خلق هذا الإرهاب في بلداننا، وما تزال تسهم في تغذيته بلا كلل، وها هم الإرهابيون الذين استخدمتهم لإسقاط دولنا، ونشر الفوضى والخراب في بلداننا يؤكدون لها جحودهم تجاه من يرعاهم، فالإرهاب لا يمكن حصر أذاه وبشاعته في مكان يختاره صانعوه حسب حاجتهم ومصالحهم، بل هو الوباء ينتشر في الهواء وفي الماء، ويصل إلى كل مكان.
نحن ندين الإرهاب، ونحاربه، بصرف النظر عن دوافعه، وندعم الحريات المدنية لكل شعوب الأرض حسب مفاهيمها الثقافية وتقاليدها، بما في ذلك حرية التعبير، لكننا نرفض بشدة أن يجري استغلال حرية التعبير لاستفزاز مشاعر الناس، وكسلاح سياسي وثقافي في اضطهاد الشعوب المضطهدة أصلا. سنبقى نرفع علامة استفهام كبيرة إزاء الإصرار على جعل نبي المسلمين موضوعا مركزيا للسخرية تحت يافطة حرية التعبير، هذه الظاهرة الصبيانية التي انتشرت في الإعلام الأوروبي في السنوات العشر الأخيرة بشكل مثير للقرف، لكن نعود ونؤكد على أن الإرهاب مرفوض قطعيا كوسيلة لمعالجة أية مشكلة كانت. الإعلام العربي والإسلامي الساخر هو الوسيلة الفعالة للرد على هذه السلوكات الصبيانية وإيقافها، ففي متناول يد هذا الإعلام كم هائل من الوقائع والحقائق عن سلوكات زعماء أوروبا وسياسييها، يمكن أن يجعل منهم مادة للسخرية اللاذعة إلى حد إبكائهم.
نحن، أنصار الحرية والسلام في العالم العربي، نميز بكل وضوح بين الشعوب من جهة وبين السياسيين والحكام من جهة أخرى. ونحن نستهجن كل ظن، أو سوء ظن، أو ادعاء بأن الشعب الفرنسي يواجه رد فعلنا على جرائم ساركوزي وغيره من السياسيين الفرنسيين الجشعين بحق شعوبنا. أبدا، الإرهاب لا يدافع عنا، والإرهاب ليس ردة فعل شعوبنا، فالشعوب لا تقاتل من أجل حريتها وحقوقها بالإرهاب. لقد قاتل شعبنا الجزائري الاستعمار الفرنسي الغاشم، وقدم أكثر من مليون شهيد على طريق تحقيق استقلاله وحريته، لكنه فعل ذلك بالكفاح الشعبي المشروع على أرضه. الإرهاب هو النار التي تحرق أصابع من يلعب بها، ويؤججها، ويرمي بها على الآخرين فترتد عليه.
على أن حزننا على ضحايا الإرهاب في باريس هو حزن على أنفسنا أيضا، وعلى ملايين المسلمين المسالمين الذين دفعتهم مشاكل بلدانهم إلى البحث عن أسباب العيش في أوروبا والبلدان الآمنة الأخرى. وعندما نقلب الأمر على كل جوانبه نرى أن الإرهاب موجّه في الحقيقة ضدنا، نحن القادمين من الشرق، أكثر مما هو موجه ضد الفرنسيين أو الدنماركيين، أو غيرهم. نحن ضحايا الإرهاب في بلداننا، والذين يمارسون الإرهاب ضدنا هناك يطاردوننا هنا أيضا. مخطئ من يظن أن في هذا الكلام مبالغة، فإرهاب من يسمون أنفسهم بالإسلاميين لا يضر إلا بالمسلمين. البلدان الأوروبية وأنظمتها لن تسقط بعمل إرهابي، أو حتى بسلسلة من الأعمال الإرهابية، ولكن هذا الإرهاب يمكن أن يدمر حياة عشرات، بل مئات الآلاف من العوائل المسلمة في أوروبا، ذلك أن كل عمل إرهابي يقوي اليمين المتطرف في هذه البلدان، ويعطيه مساحة أكبر للتأثير في الحياة السياسية فيها. قبل بضعة أيام كان هنا في أوروبا من يدين حرق مساجد المسلمين في السويد، ويستعد لمواجهة المظاهرات الصاخبة ضد الإسلام والمسلمين في ألمانيا بمظاهرات معادية للعنصرية والتطرف. اليوم، وبعد العمل الإرهابي في باريس، أصبحت الأجواء السياسية مكهربة، وصار اليمين المتطرف يبوح بما في نفسه المريضة بكل حرية، وقليلون هم من لهم رغبة في معاكسة التيار. إن ضحايا الإرهاب من الفرنسيين سيتم تكريمهم، وتقديرهم، والإرهابيون يلقى القبض عليهم عاجلا أو آجلا، لكنْ يبقى ملايين المسلمين يواجهون الكراهية المتصاعدة لهم في حياتهم اليومية، ويواجهون مصيرا مجهولا.
إن ما يثير تخوفا حقيقيا على مستوى أوروبا كلها هو التساؤل عن الكيفية التي سيستغل بها السياسيون الغربيون هذه الموجة من الأعمال الإرهابية المتصاعدة. الهجوم الإرهابي الذي وقع ضد مبنيي التجارة في نيويورك عام 2001 تم استغلاله كذريعة لتعبئة الغرب كله لشن الحرب على أفغانستان ولغزو العراق. إلى أي شيء ستؤدي المواجهة مع الهجمات الإرهابية الحالية والتعبئة التي تجري ضد الإسلام؟ هل هناك مكان على الساحة العالمية لمزيد من الحروب ولغزو بلدان جديدة؟ أم أن الناس على حق عندما ترى أن هذه الهجمات ستفتح الأبواب على مصاريعها لتصفية حسابات على الأرض الأوروبية نفسها، مثل التخلص من الجاليات المسلمة التي يطلق الكثيرون صفارات إنذار بأنها في كل الأحوال تحمل خطرا ديموغرافيا على مصير التكوين العرقي والثقافي في أوروبا؟ بل إن النازية والفاشية تنبعث في أوروبا من جديد متذرعة بـ "الإرهاب الإسلامي"، وتتطلع إلى هولوكوست حقيقي للمسلمين. نحن هدف الإرهاب وضحاياه الحقيقيون في كل الأحوال.
في الدنمارك التي تم وضعها على رأس قائمة أهداف الإرهاب، ترقب حذر. لفترة طويلة كان تقدير احتمال تعرض البلد لعمل إرهابي ثابتا عند عبارة "إلى درجة كبيرة جدا"، وارتفع قبل بضعة أسابيع إلى درجة أعلى فوصل حد "الحرج"، وربما لا يفهم الكثيرون معنى ذلك، والدنماركيون يشيرون عادة إلى درجة الاحتمالات بهدوء، وبشكل يقصد منه عدم إثارة الهلع. منذ ذلك الحين تفاقمت الهجمات في أماكن أخرى غير الدنمارك. أما في الدنمارك نفسها فقد تم تسجيل حالات متكررة من الإبلاغات الكاذبة عن وجود قنابل موقوتة في محطات القطارات، أو في الأسواق. السلطات الدنماركية منتبهة إلى أن تزايد التهديدات الكاذبة يدل على شيء يجري تدبيره، وهذه الإبلاغات أو التهديدات هدفها صرف الانتباه عن الشيء الخطير الذي يعدون له، وإعطاء الانطباع بأن هناك قلقا لا مبرر له لأنه قائم على تهديدات كاذبة. لذلك فإن السلطات الدنماركية مصممة على أخذ أي مؤشر، أو إبلاغ بمنتهى الجدية كل مرة، واعتبار الخطر حقيقيا، وليس كاذبا مهما تكرر.
الدرجة الحرجة يفهم منها عادة تلك الدرجة التي يحصل عندها التغيير، تماما مثل تسخين الماء الذي يحوله عند درجة الحرارة الحرجة إلى بخار، فالكل يعرف أن عملا إرهابيا كبيرا ضد الدنمارك آت لا مفر منه، والدنماركيون عندهم ثقة كبيرة بقدراتهم الاستخبارية، فرئيسة الوزراء نفسها أكدت بعد العمل الإرهابي في باريس أن الإسلاميين في الدنمارك موضوعون تحت رقابة صارمة. لكن ألم يكن الإرهابيون في فرنسا تحت رقابة صارمة مماثلة؟
إن حياة كل العرب في الدنمارك، مسلمين ومسيحيين وغيرهم، مهددة بوقوع عمل إرهابي إجرامي أحمق، وليس هناك أي شك في أن مسلمي الدنمارك، أسوة بالمسيحيين وبغيرهم، يرفضون الإرهاب، ليس فقط انطلاقا من أنهم مواطنون في هذا البلد، ولا فقط من أن ثقافتنا وأدياننا، وقيمنا لا تسمح لنا بقبول نكران الجميل، وجحود البعض الذين يريدون نشر الرعب في البلد باسمنا، بل وأيضا انطلاقا من أن أي عمل إرهابي في البلد يستهدفنا نحن أيضا، إن لم يكن أصلا يستهدفنا نحن فقط.
إن الشعب الدنماركي شعب مسالم، ولكن هذا لا يعني أبدا عدم وجود المجانين والحاقدين والمتطرفين في صفوفه، وهؤلاء ينتظرون الفرصة السانحة لجعل الحياة غير ممكنة لنا بينهم. لا شيء يوفر لهؤلاء مثل هذه الفرصة مثل عمل إرهابي يذهب ضحيته بعض الأبرياء. إنهم يصرخون بأن الخطر عليهم هو نتيجة لفتح أبواب بلدهم أمام المسلمين، وبهذا فإن الخلاص من الخطر يكون بطرد المسلمين من هنا. في ظل تفاقم خطر الإرهاب يكون هناك نزوع عام إلى الاستماع إلى أصواتهم الحاقدة، والقبول بحججهم السخيفة. لقد عانى الأجانب في الدنمارك على مدى العقود الثلاثة الماضية كثيرا مما ألقينا اللوم فيه على فشل برامج الدمج. أما الآن فإن وضعهم وصل إلى الدرجة الحرجة تماما مثل احتمالات وقوع عمل إرهابي ضد الدنمارك. وفي الحقيقة فإن الدرجة الحرجة هي نفسها في الحالتين، وقوع الإرهاب وتحول الدنمارك إلى جحيم يفر منه كل من له سحنة شرقية، حتى لو لم يكن عربيا أو مسلما.