هل يتراجع بايدن عن دعم أوكرانيا؟
عميرة أيسر*
تتسارع وتيرة المعارك التي يخوضها الجيش الروسي في أوكرانيا، الذي استطاع السيطرة على مدن ومراكز عسكرية وجغرافية استراتيجية، وأصبح على مشارف العاصمة كييف، وهذا ما حذى بالرئيس زلنسكي لطلب مساعدات عسكرية عاجلة من حلفاءه الغربيين في حلف الناتو، وذلك بعد أن وعده الكونغرس الأمريكي في زيارته الأخيرة التي هاجم من خلالها السّياسة الروسية اتجاه بلده، وأتى على دور واشنطن التي تقود المعارك في كييف، من خلال غرف العمليات والتنسيق المشتركة بين قوات حلف الناتو وكييف، بضخ المزيد من الأموال لدعم الجيش الأوكراني، فالدعم الرهيب الذي قدمه الناتو لأوكرانيا في العام الأول من بداية الحرب الروسية ضدها قد بدأ يتراجع رغم الوعود الكثيرة وخاصة من واشنطن، إذ وعد الرئيس بايدن في إطار حملته الانتخابية بأنه سيقدم 40 مليار دولار كمساعدات مالية وعسكرية لأوكرانيا، وبأن الجيش الأمريكي لن يسمح بسقوط العاصمة كييف في أيدي الروس، وتم بالفعل تقديم 400 مليون دولار كمساعدات عسكرية جديدة لأوكرانيا على شكل معدات ومساعدات تدريبية تهدف لتقديم الدعم لكييف، وقال مسؤول أمريكي لرويترز بأن حزمة المساعدات تشمل مدفعية وذخائر لنظام دفاع جوي وذخائر مضادة للدبابات ومركبات مدرعة، وأسلحة صغيرة يمكن استخدامها في المعركة، وكان الكونغرس أقر في شهر أفريل/ نيسان حزمة تشريعية بقيمة 95 مليار دولار تقدم كمساعدات أمنية لأوكرانيا وإسرائيل وتايوان، وجدير بالذكر بأن حصة أوكرانيا قد بلغت 61 مليار دولار لدعم قواتها للتصدي للغزو الروسي. كما ذكر موقع الحرة، بتاريخ 10 ماي/أيار 2024م، في مقال بعنوان ( البيت الأبيض يعلن عن مساعدات عسكرية جديدة لأوكرانيا).
الولايات المتحدة الأمريكية على ما يبدو متخوفة من تعميق التحالف الرباعي بين موسكو وبكين وبيونغ يونغ وطهران، فهي غير قادرة على إيقاف الحرب الروسية على أوكرانيا أو التصدي المستمر للتوغل المستمر للقوات الروسية في عمق الأراضي الأوكرانية، المدعومة بآلة حربية مهولة، فالتقديرات الأمريكية تشير إلى استخدام روسيا لحوالي 14 مليون قذيفة في العام الأول من الحرب، وهذا عدد ضخم جداً من القذائف أدى لتدمير عدد كبير من المدن الأوكرانية المهمة، المتاخمة لروسيا، والتي تعتبر بمثابة خط الدفاع الاستراتيجي الأول للجيش الأوكراني، فواشنطن التي أنفقت المليارات على تسليح وتحديث وعصرنة الجيش الأوكراني، وجدت نفسها أمام خيارات صعبة، وهناك العديد من المسؤولين في البيت الأبيض يضغطون على الرئيس بايدن من أجل إيقاف الحرب الروسية على أوكرانيا، وتوقف النزيف المستمر في الأسلحة الأمريكية التي سحبت من المخزون الاستراتيجي لبلاد العم سام، والقبول بالشروط الروسية، القاضية بضرورة تخلي أوكرانيا عن جزيرة القرم، واحتفاظ موسكو بجمهورية دونيتسك، وجمهورية لوغانسك الشعبية، ومنطقتي خيرسون وزراباروجبا، وأعلنت روسيا ضم المناطق الأربع سنة 2020م، وهذا ما أشار إليه بوتين حين قال : ” ما أن تقول كييف أنها مستعدة لذلك، وتبدأ فعلاً بسحب قواتها وتتخلى رسمياً، عن مشروع الانضمام للناتو، سنصدر أمراً بوقف إطلاق النار، وبدء المفاوضات، وأضاف الزعيم الروسي أنه ” لا يستبعد إبقاء السيادة الأوكرانية في منطقتي خيرسون وزاباروجيا الجنوبيين شرط أن يكون لروسيا ربط قوي مع القرم”. كما ذكر موقع DW، بتاريخ 14 جوان/يونيو 2024م، في مقال بعنوان ( بوتين يعرض وقف الحرب اذا انسحبت أوكرانيا من أربع مقاطعات).
فالتحركات الميدانية التي تقوم بها القوات الروسية، وتوسيع العمليات العسكرية لتشمل كل المناطق الجغرافية الغربية المحاذية للحدود الأوكرانية مع حلف الناتو كبولندا، تأتي رداً على قرار الناتو وبدعم كامل من الدول العظمى المنضوية تحت مجموعة السبع الكبار، تمويل أوكرانيا بالأموال الروسية المجمدة، وذلك إثر العقوبات الاقتصادية العقابية الغربية المفروضة عليها منذ 2020م، وهذا أمر أغضب قادة الكرملين الذين يرون في هذه الخطوات التصعيدية أمراً غير مقبول، ولن يمر دون عقاب وسيجعل بوتين يتخذ قرارات عسكرية وسياسية لن تكون في صالح حلفاء أمريكا، كتزويد الحوثيين في اليمن بصواريخ بالستية متطورة، أو نقل الخبرات النووية العسكرية لإيران، أو امداد المقاومة اللبنانية والفلسطينية بأسلحة كاسرة للتوازن، وهذا ما يتخوف منه الغرب الذي يعتبر بأن أمن الكيان الصهيوني هو أولوية قصوى لدى المنظومة الغربية في الشرق الأوسط.
فالحرب على أوكرانيا تعتبرها روسيا جزء لا يتجزأ من استراتيجية الحفاظ على أمنها القومي المهدد من طرف الدول الغربية التي سعت جاهدة من أجل اضعاف روسيا ومحاصرتها استراتيجياً وخلق الفوضى وتغذية الصراعات والنزعات العرقية والانقسامات الدينية، واستغلال المشاكل التي تعاني منها الأقليات في روسيا كوقود للاحتجاجات والحروب الأهلية، فالغرب الذي يرى في روسيا بوتين عدو يحمل الإرث السوفياتي المتشبع بالقيم الستالينية والتروتسكية، ويريد القضاء على حلم الإمبراطورية الأمريكية التي يجب أن تحكم العالم في القرن 21م، يعد العدة للدخول في حرب شاملة معها، و اعلان واشنطن بأنها ستقوم بتزويد ألمانيا بمنصات صواريخ أمريكية بعيدة المدى خطوة في هذه الاتجاه العدائي بالنسبة لموسكو، التي أعلنت بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي وهي تراقب عن كثب كل التحركات الأمريكية والبريطانية في أوروبا، والهادفة حسب مسؤولين روس لتغيير معادلات القوى السائدة في القارة العجوز منذ نهاية حقبة الحرب الباردة، فالولايات المتحدة الأمريكية قد قامت بنشر أسلحة نووية شمال أوروبا ما اعتبرته موسكو عملاً استفزازياً، وقالت على لسان المتحدة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بأن وجود أسلحة كهاته في شمال أوروبا لن يعزز أمن هذه الدول بل سيضعفها. كما ذكر موقع RT بتاريخ 6مارس/أذار 2024م، في مقال بعنوان ( روسيا تهدد، نشر أسلحة نووية أمريكية شمالي أوروبا هدف لنا في حال مواجهة الناتو).
فروسيا التي تمول حربها على أوكرانيا من خلال استغلال ثروات العديد من الدول الأفريقية، لا تختلف عن أمريكا والمنظومة الغربية في شيء حسب وجهة نظر عدد من المراقبين، فالجميع يسعى في نهاية المطاف لضمان مكانة له في ظل النظام الدولي الجديد الذي سيكون نظام متعدد الأقطاب، ولكن قد نصل إليه بعد حروب عدّة اقليمية وعالمية، قد تندلع في أية لحظة، نظراً لأن هناك احتقان كبير جداً في العديد من عواصم صناعة القرار العالمي، وخاصة بعد محاولة اغتيال الرئيس السّابق ترامب، والتي اتهم بوتين صراحة بايدن والمخابرات الأمريكية بأنهم من يقفون خلف محاولة الاغتيال الفاشلة تلك، وهو ما عده خبراء أمريكيون تدخلاً سافراً في الشأن الداخلي الأمريكي، ومساساً غير مسبوق بالأمن القومي لواشنطن.
كاتب جزائري.
2024-07-18
