هل ينهار الجيش الاسرائيلي من الداخل؟
عميرة أيسر*
أسطورة الجيش الذي لا يمكن قهره أو هزيمته، التي روج لها الإعلام الصهيوني والغربي، المتصهين لسنوات طويلة اتضح أنها مجرد أكذوبة، فبعد 8 أشهر من القتال في قطاع غزة المحاصر لم يستطع هذا الجيش المزود بأحدث وسائل القتال والرصد الإلكترونية المتطورة، التي لا توجد إلاّ عند عدد محدود جداً من دول حلف الناتو، والمدعوم أمريكياً وأوروبياً، تخليص أسراه من بين براثن أسود الجيش الفلسطيني في غزة، الذين أثبتوا أنهم يتمتعون بمهارات قتالية عالية، ويعملون وفق خطط استراتيجية منضبطة، ويستخدمون الموارد المتاحة لديهم بذكاء ودهاء وتناغم مع معطيات وميادين المعركة، عكس عناصر الجيش الاسرائيلي الذين يعتمدون على استخدام قوة وكثافة نيرانية عالية، والدفع بأعداد كبيرة من دبابات الميركافا والجرافات العسكرية، بالإضافة لمئات الجنود دفعة واحدة، وهذا ما جعلهم هدفاً سهلاً لعناصر الجيش الفلسطيني في غزة الذين أسقطوا العشرات منهم بين قتيل وجريح، في كمائن متفرقة، كالكمين الذي تمّ نصبه لهم في منطقة جباليا، وكان له وقع كبير على تدهور معنويات عناصر وضباط الجيش الاسرائيلي، فهذا الكمين المحكم الذي تم تنفيذه عن طريق عبوة تلفزيونية، وهي عبوة مضادة للأفراد شبيهة بشاشة التلفاز، وهي محشوة بالمواد المتفجرة إضافة لنسبة عالية من الشظايا، كما تمتاز بمدى انفجاري قاتل، ويصل إلى 100 متر طولاً، قد أدى لإصابة العشرات من جنود الاحتلال الذي اعترف بسقوط 14 عسكرياً بمعارك غزة في يوم واحد، كما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 3 جوان/ يونيو 2024م، في مقال بعنوان ( كمين للقسام بجباليا واصابة 14 عسكرياً للاحتلال ومعارك غزة).
فالعدد الكبير من الكمائن التي أوقعت المئات بين قتيل وجريح، في صفوف الجيش الصهيوني طوال 4 أشهر دفعت بالكثير من القادة العسكريين السّابقين والحاليين لدق ناقوس الخطر، والتحذير من تداعيات ذلك على مستقبل هذا الجيش الذي يتبنى عقيدة بن غوريون القتالية القاضية بتقليل عدد جنود هذا الجيش مع الاستعانة بقوة نيرانية كبيرة، وتزويده بمعدات قتالية وتكنولوجية متطورة جداً، فهذا الجيش يغلب عليه استعمال التكنولوجيا على حساب العنصر البشري، وجد نفسه في ورطة عسكرية واستراتيجية لم يكن جاهزاً للتعامل معها، فكل هذه المعلومات الاستخباراتية والتجسسية، عن قدرات واستعدادات المقاومة اتضح أنها تفتقر للمصداقية والموضوعية، والدقة التحليلية وتعتمد على التكرار والقتال في عدة مناطق في أزمنة مختلفة، وهذا ما دفع بالعديد من المسؤولين والقادة الكبار في الجيش الاسرائيلي للقول بأن حرب غزة عبثية، وقال: المحلل في منتدى السّياسة الإسرائيلية مايكل كويلو، بأن قادة الجيش ” يشعرون بالإحباط لأنه تمّ تكلفيهم بمهمة عسكرية تنتهي بتكرارها، والحكومة لم تجب على الأسئلة الاستراتيجية والسّياسية الأكبر”. كما ذكر موقع SKYNEWSعربية، بتاريخ 15 ماي/ أيار 2024م، في مقال بعنوان (تقرير…..احباط وغضب بين العسكريين الإسرائيليين بسبب حرب غزة).
فالجيش الاسرائيلي الذي يستنزف على الجبهتين الجنوبية في غزة والشمالية مع حزب الله، وكذا في البحرين الأحمر والعرب، وتتعرض قواعده للقصف من طرف المقاومين في العراق، والجولان السوري المحتل وجد نفسه في ورطة استراتيجية لأنه لا يمتلك العدد الكافي من القوات لشنّ حرب على عدة جبهات، فالتقارير الاستخباراتية المسربة للصحافة الأمريكية تؤكد بأن الجيش الصهيوني لجأ للاستعانة بالضباط والجنود الموجودين في المصحات النفسية للعلاج، رغم تحذيرات وزارة الصحة الصهيونية من خطورة ذلك، فحوالي 10ألاف جندي وضابط يعالجون في المصحات النفسية كانوا على جبهة غزة، قد تمت اعادتهم إلى هناك مرة أخرى، مما أدى لازدياد حالات الانتحار في صفوف هؤلاء، فالجيش الاسرائيلي لم يعترف منذ بداية عملياته في غزة إلاّ بانتحار 10 جنود صهاينة، فيما يتكتم عن مقتل 17 جندياً آخرين بعضهم انتحروا، إضافة لجنود
احتياط انتحروا بعد تسريحهم، مثلما أفادت صحيفة هآرتس العبرية، وأفادت الصحيفة بأن المعطيات التي حصلت عليها من الجيش الاسرائيلي تشير إلى أن عشرة جنود انتحروا، بينهم ضابط برتبة رائد، ومقدم، وتم الاعتراف بهم على أنهم ” شهداء” لكن الجيش يرفض الإفصاح عن تفاصيل أخرى. كما ذكر موقع RT ، بتاريخ 11 جوان/يونيو 2024م، في مقال بعنوان ( تقرير : الجيش الاسرائيلي يتستر على انتحار جنود في الساعات الأولى من طوفان الأقصى).
التململ والضعف واليأس والاحباط الذي أصبح ظاهراً للعيان لكل المراقبين والمحللين
العسكريين في صفوف ألوية النخبة في الجيش الاسرائيلي كألوية غفعاتي و غولاني وناحال ويمسى (” نوعار حالوتزي لوجيم”)، أي شباب الطليعة المقاتلة بالعبرية، ولواء
وكفير، وألوية الكوموندوز المخصصة للقتال في المدن والتي تتألف من 4 كتائب مجهزة بمدرعات وناقلات مدولية، وطائرات بدون طيار، إضافة لمنصات صواريخ مضادة
للتحصينات، بنادق قناصة، وقاذفات قنابل، انعكس على بقية وحدات وألوية وفرق الجيش الاسرائيلي، وهذا ما أدى لهروب الآلاف منهم خارج الكيان الصهيوني المحتل، فمن بين 500 ألف مستوطن غادروا الكيان الغاصب دون رجعة، منذ عاصفة طوفان الأقصى المبارك، سجلت مصالح مطار تل أبيب، ورصدت الأجهزة الأمنية الصهيونية فرار عدة آلاف من الجنود لعدة دول أوروبية وأسيوية، وهذا ما أثار جدلاً واسعاً لدى وسائل الإعلام الصهيونية والنخب العسكرية التي صبّت جام غضبها على حكومة نتنياهو التي رفضت تجنيد المنتمين لطائفة الحريديم، رغم معارضة المحكمة العليا لقرار استثناءهم من الخدمة العسكرية، وهذا ما عمّق الانقسام داخل المجتمع الصهيوني حيث بدأت حملة واسعة قادتها عائلات الجنود والضباط العاملين في غزة، طالبت هؤلاء برفض الخدمة العسكرية والعودة لديارهم، فنتنياهو قد وجد نفسه بين المطرقة والسندان، فأحزاب اليمين الصهيونية المتطرفة الممثلة في الحريديم في البرلمان، والمتحالفة مع حزب الليكود، تهدد بالاستقالة من الحكومة الحالية، فيما عائلات هؤلاء الجنود الصهاينة الذي يضحون بأرواحهم من أجل بقاء الشعب اليهودي كما يروج هؤلاء، هددوا نتنياهو بالتصعيد وتنظيم مظاهرات مشتركة مع المتظاهرين الطالبين بإسقاطه، فازدياد الاضطرابات والانقسامات داخل الكيان الصهيوني الذي يعيش أسوء فتراته التاريخية بات كابوساً حقيقياً يهدد وحدة الجيش الاسرائيلي الذي رغم المشاكل والمعضلات التي يعاني منها، إلاّ أن نتنياهو هو والقادة العسكريين المحسوبين على تياره، يريد الزج به في حرب مع حزب الله رغم علمهم أن ذلك سيؤدي لاستنزافه بالكامل، واضعافه بدرجة كبيرة، لأن الحرب مع حزب الله تعني دخول إيران وكل حركات المقاومة في المنطقة، وتحويلها لحرب اقليمية كبرى، كما يريد نتنياهو توريط القوات الأمريكية في الصراع بشكل مباشر، كما قلنا عند اندلاع طوفان الأقصى في مقالات سابقة.
- كاتب جزائري.
2024-06-30
