احتجاجات الطلبة في الجامعات الأمريكية تكشف مدى زيف قيم الديمقراطية في بلاد العم سام!
عميرة أيسر*
لا تزال مختلف الجامعات الأمريكية وحتى الغربية تعرف احتجاجات عارمة منذ عدة أسابيع مطالبة إدارة بايدن بالتدخل العاجل لوقف ما يتعرض له الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة، من مذابح جماعية راح ضحيتها 35 ألف فلسطيني، وأكثر من 77 ألف مصاب ناهيك عن عشرات الآلاف من المتواجدين تحت الأنقاض، والذين لم تصل إليهم بعد أطقم الاغاثة في غزة، فالوضع كارثي بكل المقاييس، ورغم كل ذلك لا تزال ألة القتل والذبح والقمع والدمار الاسرائيلي تحظى بغطاء ودعم غربي وتعيث في الأرض فساداً، وكل صوت يدين تلك الانتهاكات حتى ولو كان من طلاب جامعات أمريكية دفعهم الضمير الإنساني، والأخلاقي والقيمي لترك مقاعد الدراسة، والتضحية بمستقبلهم الجامعي لمساندة أكثر القضايا عدالة في القرن الحالي، بالإضافة لأساتذة الجامعات الأمريكية والغربية كجامعة أكسفورد وهارفارد وكولومبيا، كل هؤلاء أصبحوا في نظر إدارة بايدن المتصهينة معادين للسامية، وأعضاء في حركة حماس، وشنت ضدّهم حملة إعلامية ممنهجة من طرف وسائل الإعلام الأمريكية والغربية، بالإضافة للاعتقالات التي طالت هؤلاء من طرف قوات الشرطة التي ذكرتنا بما تفعله قوات الأمن بالمحتجين والمعارضين في دولنا العربية، فكل قيم الديمقراطية وحرية التعبير، وحرية تنظيم الاحتجاجات والاعتصامات، التي صدعوا رؤوسنا بها لعقود طويلة قد تلاشت، وأصبحت أمريكا وكأنها دولة من دول العالم الثالث، من حيث استعمال أبشع الطرق لإسكات أصوات المحتجين، بما في ذلك الضرب المبرح والسحل في الشوارع ضدّ الطلبة، و أساتذة الجامعات، وكل ذلك لإرضاء اللوبي الصهيوني في أمريكا، الذي سيطر على دواليب السلطة في واشنطن، وقد تجاوز عدد المعتقلين 2000شخص ذنبهم الوحيد أنهم قد عبروا عن رأيهم بما يكفله الدستور الأمريكي، واللوائح التنظيمية للولايات الفيدرالية، واتهم بايدن الطلبة المتظاهرين بأنهم معادون للسامية ويدفعون باتجاه إثارة الفوضى والعنف، وأضاف ” لا مكان لمعاداة السامية، والاسلاموفوبيا وخطاب العنف، ودعا صراحة للسيطرة على هذه الاحتجاجات العفوية في نظر الأغلبية الساحقة من المتابعين، وذلك باستعمال القوة عن طريق استدعاء أفراد من الحرس الوطني. كما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 2 ماي/ أيار 2024، في مقال بعنوان ( بايدن ينتقد احتجاجات طلاب الجامعات وعدد المعتقلين تجاوز ألفين).
فالاحتجاجات العارمة في أمريكا المساندة للقضية الفلسطينية، والتي انتقلت لجامعات أوروبية وأمريكية واسترالية وكندية، بدأت بتشكيل وعي جماعي مختلف لدى النخب العلمية والأكاديمية، في الغرب وتكسير حاجز الصمت والخوف، من تسلط ألة الدعاية الصهيونية الاخطبوطية التي تغلغلت كالسرطان في كل وسائل الإعلام الغربية، وكذا معاهد الدراسات والجامعات في الدول الغربية، منذ اعلان قيام الكيان 1948م، عملت المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية على ربط علاقات وثيقة مع مختلف مراكز الدراسات والمعاهد والجامعات الغربية، وتبادل البعثات الطلابية مع تلك الجامعات، وخاصة في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، والترويج للفكر الصهيوني وأطروحاته الاستعمارية التوسعية مع التركيز على تشويه المكون الفلسطيني والعربي، واظهارهم بمظهر المتخلفين والقتلة والمجرمين، الذين يريدون قتل كل اليهود، وطردهم من أرض أورشليم المقدسة، التي كتبها الله لهم، كما تذكر كتبهم الدينية المحرفة، والصورة النمطية التي استطاع الصهاينة ترسيخها في ذهن الكثير من النخب الأكاديمية الأمريكية، دفعت بجامعة كولومبيا إلى دعم الموقف الصهيوني، وتبريرها الدائم لكل جرائم نتنياهو في غزة، ورفضت سحب استثماراتها في إسرائيل، واستدعت الشرطة من أجل فض الاعتصامات التي نظمها الطلبة واساتذتها بالقوة، فالصهاينة الذين استطاعوا التغلغل داخل جامعة كولومبيا وسيطروا على إدارتها، أجبروا رئيسة جامعة هارفارد كلودي جاي على الاستقالة من منصبها، بعدما شنوا حملات تشهير ضدّها، وضد عدد من كبرى الجامعات الأمريكية متهمين اياهم “بعدم القيام بما يكفي لمحاربة معاداة السامية وهتافات إبادة اليهود”. كما ذكر موقع العربي الجديد، بتاريخ 15جانفي/ يناير 2024م، في مقال بعنوان ( حملات صهيونية لترهيب داعمي فلسطين في الجامعات الأمريكية).
فالجيل الحالي من الشباب الأمريكي الجامعي المثقف في الولايات المتحدة الأمريكية استطاع أن يحرر فكره في معظمه من سيطرة البروباغندا الإعلامية الصهيونية التي تحاول تبرير كل أفعال إسرائيل وجيشها، الذي يعتبر واحد من أكثر الجيوش وحشية ودموية وارهاباً في العصر الحديث، وهذا ما دفع العديد منهم لقيادة المسيرات الرافضة لما يحدث، في غزة سواء داخل الجامعات الأمريكية أو خارجها، وهذا ما أثار الرعب والخوف والهلع في نفوس وزراء حكومة نتنياهو الذين وصفوا هؤلاء المحتجين بأنهم يدعمون الارهاب والمنظمات الفلسطينية الخارجة عن القانون، فتصريحات نتنياهو وعدد من أعضاء حكومته تعد تدخلاً سافراً في الشأن الداخلي الأمريكي، ولكن لم يتجرأ ولا مسؤول في البيت الأبيض على إدانة تلك التصريحات، وهذا ما يعكس مدى التخبط الذي تعيشه إدارة بايدن الضعيفة والغير قادرة على مواجهة الضغوطات التي تتعرض لها من المجتمع الأمريكي لإيقاف المجازر في قطاع غزة المحاصر، بل بالعكس من ذلك قال: المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية فيدانت باتيل في مؤتمر صحفي، نحن بالطبع ندعم حق أي شخص في الاحتجاج والتظاهر والتعبير عن نفسه بطريقة سلمية وغير عنيفة، وأضاف بأن الوزارة ” لا تعتبر تصريحات نتنياهو” تدخلاً” وقال : نرحب برئيس الوزراء للإدلاء بأية تصريحات يريدها” وتابع قائلاً : ان الإدارة الأمريكية ” تدعم الحق في الاحتجاج السلمي. كما ذكر موقع CNN، بتاريخ 25أفريل/نيسان 2024م، في مقال بعنوان ( هل تصريح نتنياهو ضدّ الاحتجاجات في الجامعات تعتبر تدخلاً، أمريكا ترد ).
فالحراك الذي تشهده الجامعات الأمريكية والأوروبية، دليل على فشل المشروع الصهيوني في اخضاع شعوب ونخب هذه الدول، واستغالها لخدمة أجندتها التوسعية في الشرق الأوسط، وليس في لفلسطين وحدها، فيما تبقى جامعاتنا العربية للأسف خارج سرب الحراك الطلابي العالمي، وكأن الأمر لا يعنيهم في ظل حالة القمع والخوف التي يعيشها المواطن العربي المسحوق، والمحكوم من أنظمة عربية دكتاتورية عميلة للغرب، ومعظمها تأتمر بأوامر تل أبيب، تلك الأنظمة تتحمّل الجزء الأكبر من المسؤولية عما يجري حالياً في قطاع غزة، والتي باع معظمها القضية الفلسطينية في مقابل تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية ومالية وعسكرية حصلوا عليها، وتركوا الشعب الفلسطيني لمصيره.
– كاتب جزائري
2024-05-12
