عنما تصبح السياسة تسويق  رخيص؟

صباح علي الشاهر

 

 

السياسة ليست كالسواقة ( فن وذوق) ، وليست كالرياضة ( أخلاق) ، هل هما فعلاً فن وذوق وأخلاق؟

ما علينا، المهم السياسة، خداع وكذب، ودجل مُتواصل، وتسويق، ليس بمفهومه الإيجابي كفن يروّج بذكاء ومهارة لمنتوج قصد رواجه، وهو أمر مبرر لا بل ضروري في دنيا المال والأعمال والبزنس في حُمّى المنافسه، والوصول إلى المستهلك، وإنما  كتسويق رخيص، ومبتذل، يتوسل بأحط وسائل المبالغة والخديعة وإستغفال العقول، من أجل تسويغ الرديء والفاسد، بوصفه بصفات ليست صفاته، وإضفاء منافع وفوائد ليست فيه ، ولم يصنّع من أجل تلبيتها أصلاً .

أنت مُتعب، مُنهك، يكاد يُغمى عليك من الجوع أو العطش، ما عليك سوى أن تقضم قضمة من هذه الشكولاته، أو تحتسي جرعة من هذا المشروب حتى تغدو كالأسد الهصور.. إذا أردت أن تجدد شبابك، وعنفوانك، فعليك بمضغ هذه العلكة، أو إستعمال هذا المرهم السحري، متعدد الفوائد!

سحر، وشعوذة، ودجل، ونصب، على رؤس الأشهاد، ودونما مواربة، وعلى المكشوف، وعبر وسائل الإعلام قاطبة، محمية بحكم القانون، ولا قانون يحمي المستلك!

هل ثمة قانون يحاسب شركات التسويق الرخيص على أكاذيبها؟

قطعاً لا، كذلك لا يوجد قانون يُحاسب السياسين على الدجل والشعوذه واللعب بعقول الناس ، والأكاذيب التي تجر الوطن من نكبة إلى نكبة، وترسل الناس إلى  الهاوية.

أنت بلا سكن، أي بلا عنوان، وبمعنى أدق بلا وطن، أنت بلا وظيفة، بلا عمل، وبمعنى أدق أنت غير موجود، ولا لزوم لك، وإن كان لك سكن، فأنت لا تحصل على الخدمات الضرورية، لا تستطيع الوصول إلى عملك إلا بشق الأنفس، أطفالك لا يجدون المدرسة المناسبة ولا المُدرس المؤهل، ولا المنهج الذي يهيأهم للزمن الآتي، وهو زمن رهيب بكل المقاييس، من لم يتسلح بسلاح العلم لمواجهته والعيش فيه، فإن وجوده من عدمه سيان، بل سيصبح وجوده عالة، وإذا مرضت أو مرض أحد أفراد عائلتك، وهذا يحدث بوتائر مُتصاعدة، لا مثيل لها في كل البلدان، بسبب ما خلفت الحروب والجهل والتلوث والتدهور البيئي، وفساد المأكل والمشرب، فلا مُستشفى يقدم لك العلاج المناسب، أما المستشفيات الخاصة والأطباء الخاصين فأنت غير قادر على طرق أبوابهم إلا إذا إستحصلت على سلفة تضيف إلى أعبائك الثقيلة عبئاً آخر..

أنت أيها المواطن مُهمش، ضائع، مُتعب، مُحتاج، ليس للعلاج والمدرسة والعمل والشارع النظيف، والنقل، والماء والكهرباء فقط، وإنما للكرامة والأمن وراحة البال، ما من سبيل لك إلا هذا السياسي المُسلفن، التقي الورع، الصائم المُصلي، الذي حج بيت الله كذا مرّة، والذي يعدكم بأنه سيقضي بقية عمره بين حجة وأخرى، دون أن ينسى الدعاء لكم، هو الشكولاته والمشروب والعلكة، بلغة التسويق الرخيص، وهو الساحر، والمشعوذ، والدجال، والنصّاب، بلغة الواقع، هو الشفاء لأمراضك وعللك، سيشفيك، ويغنيك، سيوظفك إن كنت بلا وظيفة، وسيمنحك داراً إن كنت بلا دار، وسيرفع من مستواك وقدرك، سيبني أفضل المدارس لأبنائك، ويجلب لها خيرة الأساتذه، وسيشيد لك المستشفى بجانب المستوصف، بحيث تحتار في أي منهما تتعالج، وسيمنحك ما هو حق لك من أموال النفط والغاز، سيمنح قريتك إقليماً، ومدينتك حكماً ذاتياً، ومحافظتك إستقلالاً. وهو لا يريد منك سوى رضاك عنه ، و الدعاء له فدعاؤك مُستجاب، وصوتك، والأهم صوتك لأنه أمانه لديك، ستُحاسب يوم تقف أمام الواحد القهار إن لم تمنحها للمؤمن التقي الورع .

بقية التفاصيل ستتكفل بها الحملة الانتخابية، وجيش الإعلاميين والمداحين، الذين سيملؤون شاشات التلفزة، بالأخص تلك مدفوعة الأجر، التي إعتادت التسويق للشكولاته والعلكة والمشروب، ستسوق للحجي بنفس الطريقة، وبنفس الإبهار والمبالغة،  وبكثير من الكذب، ومن دونما أدنى مصداقية.

وستفتقر أكثر، يزداد مرضك، وتكثر عللك، ويتراكم جهلك، وستجد نفسك في نفق لا مخرج له، أما الحجي فسيزداد غنى وسطوة، سيرتفع وتهبط أنت، ولا خيار ثالث، فالمعادلة ذات حدين، إما وإما، ونتيجتها معروفة سلفاً، لقد نجح المسوقون، وأفلح فن التسويق الرخيص، بلعت الطعم ، اشتريت البضاعة الرديئة، وأخذت العلاج الذي لا يشفي، فلا تلومن إلا نفسك.  

من يزعم أن السياسة في عراق اليوم ليست (تسويق رخيص)، يواصل بقصديه نهج الخديعة والرياء، وخداع هذا الشعب المُبتلى بنخب ثقافية خانت نفسها قبل أن تخون ناسها وقضيتها.       

منذ أدرجت السياسة في حقل التسويق الرخيص، وفق النمط الغربي، والأمريكاني تحديداً، ومنذ أصبح الإعلام، وتحديداً المرئي وسيلة الرأسمالي الفاسد في المزيد، والمزيد من الغنى والنفوذ، والهيمنة، أضحت شكوى البعض من إنعدام العدل والمساواة، وهضم حقوق المواطنين، وإشاعة الفوضى والخراب، والسرقة، أشبه ما تكون بالنكتة السمجة، لقد سُرقتم ، وفسد كل شيء حولكم، وعمت الفوضى والخراب دياركم، منذ سلمتم لحاكم لمن ينتفها وأنتم صاغرين.

تنافر الظاهره والجوهر، هو التوصيف الدقيق لسياسي المرحلة أي كان، وإلى إي كيان أو فصيل إنتمى.

تراهم بيض الوجوه، ربما لبياض اللحى ليس إلا،  لكنهم سود السريرة.

أتحدى من يأتيني بسياسي ومسؤول، مهما علا أو هبط، لا يقدم نفسه على أنه نموذج الطهاره والعفة ونظافة اليد، وأنه يعاهد الله على محاربة الفساد والفاسدين، والمنتفعين من المال العام!

ونحن نتحدى أي مسؤول، مهما علا أو هبط، أن يخضع نفسه لقانون ( من أين لك هذا ؟) ، فعند الإمتحان يكرم المرء أو يهان. 

 


2015/1/6