حسين الرحال وجماعة الصحيفة 1924 – 1932

 

ا.د. إبراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث – العراق

ا

لعل الراحل الزميل الأستاذ الدكتور عبد اللطيف الراوي، أول من تنبه إلى أهمية ودور (جماعة الصحيفة) في العراق، عندما كتب عن نشأتها، وأهدافها وتأثيراتها ليس على صعيد الأدب وحسب بل وعلى صعيد الحركة الثقافية العراقية المعاصرة ..


وأتذكر انه عندما كان يعد العدة لمناقشة أطروحته للدكتوراه الموسومة: (الفكر الاشتراكي في الأدب العراقي المعاصر 1918 – 1958 )، والمقدمة إلى مجلس كلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1974، كتب مقالة في مجلة الثقافة الجديدة (البغدادية)، بعددها (59) الصادر في آذار 1974 بعنوان: (المكونات الأولى للفكر الاشتراكي في العراق) وأثناء زيارتي لدمشق ( نيسان 2007) عثرت بطريق الصدفة على كتاب صغير بحجمه كبير بمضمونه في دمشق ، ونشرته دار الجليل للطباعة والنشر سنة 1985 بعنوان : (مقالات في تاريخ العراق المعاصر) وقد وجدت بأن في هذا الكتاب فصل مستقل وبعنوان المقال المشار إليه نفسه لكنه أكثر تفصيلا عن جماعة الصحيفة في الكتاب منه في المقال .. المهم أن الدكتور الراوي يركز على دور «جماعة الصحيفة « في نشر المفاهيم الاشتراكية والتقدمية في العراق والذي يهمنا هنا معرفة موقعهم في حركة الفكر والثقافة العراقية المعاصرة.


جماعة الصحيفة، هم مجموعة من الشباب العراقي المتنور، كانوا يتمتعون بقدر عال من الوعي وبرغبة جامحة في تحديث المجتمع العراقي وفق أسس وطنية تقدمية .. ويعد حسين الرحال (1902 -1971) من ابرز قادة هذه الجماعة، وكان إلى جانبه كل من (عبد الله جدوع) و(محمود احمد السيد) و(سليم فتاح) و(مصطفى علي) و(إبراهيم عبد الجبار القزاز) و(عوني بكر صدقي) و(وعبد الحميد رفعت) و(عبد الكريم محمود) و(محمود شوقي الأيوبي)وغيرهم من المؤمنين بفكرتي (التقدم) و(الاشتراكية) وقد ارتأوا إصدار جريدة تنطق بلسانهم أسموها (الصحيفة).


وقد برز عددها الأول في بغداد يوم 28 كانون الأول / ديسمبر سنة 1924، وجاء في ترويستها أنها « صحيفة سياسية نصف شهرية صاحبها ومديرها المسؤول حسين الرحال «. ولم يكن لهم مقر ثابت، بل كانوا يتنقلون في أماكن مختلفة، فضلا عن الغرفة التي كانوا يلتقون بها في جامع الحيدرخانة، فقد اعتادوا على الجلوس في عدد من مقاهي بغداد وأبرزها مقاهي قنبر علي والباب الشرقي أو مقهى الشرق. وقد تردد على هذه المقاهي شباب كثيرون آمن معظمهم فيما بعد بالفكر اليساري التقدمي وكان من أبرزهم عبد الفتاح إبراهيم وعبد القادر إسماعيل وعزيز شريف وحسين جميل ومحمد حديد وزكي خيري وجميل توما وعاصم فليح ونوري روفائيل ويوسف إسماعيل ورشيد مطلك وغيرهم.


تحدث الشاعر الكبير الأستاذ محمد مهدي الجواهري عن جماعة الصحيفة فقال : « كانوا معروفين في بغداد بأنهم حملة الأفكار الاشتراكية، وكانت هذه الجماعة .. في نقاش مستمر حول ما يقرأ أعضاؤها .. لقد كانت لهذه الحلقة الأدبية الفكرية اسم قوي في البلد «. ويعقب الدكتور عبد اللطيف الراوي على ذلك فيقول : « إن حسين الرحال كان شابا متحمسا للفكر التقدمي، درس في ألمانيا وظل فيها أيام الحرب العالمية الأولى، واسهم في بعض الفعاليات السياسية هناك، ثم عاد إلى العراق ولم يكمل دراسته، وكان يجيد أكثر من لغة أجنبية يقرأ بها ما يصل إليه من صحف ومجلات يستوعبها ويلخصها لأصدقائه وسائليه «.


 كان حسين الرحال، بحق ، قدوة فكرية للجماعة، خاصة وانه كان يركز في أحاديثه ومقالاته على قضايا الاستغلال والاستعباد ويدعو باستمرار إلى أهمية تعميق مفاهيم الحرية والتقدم لكن فهمه للاشتراكية، حسبما ينقل كثيرون ممن عرفوه، كان سطحيا شأنه في ذلك شأن زملائه.


 رفع جماعة الصحيفة شعار (الله – الخبز – الوطن) وكانوا يجتمعون داخل غرفة إمام جامع الحيدر خانة ببغداد وهو والد محمود احمد السيد، ولم يكن جماعة الصحيفة بعيدين عن ما كان يجري في الوطن العربي والعالم. فعلى سبيل المثال طلب محمود احمد السيد، وقد عرف بثقافته الواسعة وعمق تفكيره وإرادته القوية وقدرته على إشغال الآخرين والحوار معهم من نيقولا حداد، وهو احد المفكرين التقدميين المصرين، سنة 1923، أن يرسل إلى الجماعة كتابه الموسوم: (الاشتراكية)، واخبره بأنهم اتصلوا بمحرري اللومانتيه (العالم) الباريسية المعروفة بتوجهاتها الاشتراكية، ودعاه لأن يترجم إلى اللغة العربية «شيئا من كتب الاشتراكية-العصرية، وتبين لنا أنظمتها وأساليبها بالحكم والإدارة ونبذة عن تاريخها … أو هل يمكن أن تعلمنا عن أسماء كل الكتب التي كتبت بشأنها أو ترجمت إلى العربية؟ «. وأضاف الرحال يقول لحداد : « سألنا عن اشتراكية سلامة موسى، فلم نجدها كافية، ثم سألنا عن غير ذلك في مكتباتنا العامرة فما ظفرنا بشيء «. ثم يقول له بأن قراء العربية في العراق بقوا فاتحين أفواههم إلى الهواء !! مساكين لا الوقت مساعد لنا على ترجمتها ونشرها لهم، ولا العربية، واعني بها عربية مصر مطمح أنظار القوم، تجود عليهم بشيء من هذا القبيل، إذن فما العمل ؟ .. «. 


في كتابه الموسوم: « بدايات الفكر الاشتراكي في العراق سنة 1917 – 1936 « والمطبوع في بغداد سنة 2002 كتب صديقنا الأستاذ الدكتور عبد الرزاق مطلك الفهد عن جماعة الصحيفة، وأكد بان محمود احمد السيد والذي يعد من رواد القصة الحديثة في العراق، كان وحسين الرحال، من الرواد الأوائل الذين نشروا الفكر الاشتراكي التقدمي في العراق، وقد ظهر ذلك واضحا اشد الوضوح في قصص محمود احمد السيد وخاصة قصته الرائدة (جلال خالد) التي نشرها في بغداد، وتولت مطبعة دار السلام طبعها سنة 1928، وقد تطرق فيها إلى مفاهيم لم تكن مألوفة في الفكر والأدب العراقيين آنذاك من قبيل ((العلاقة بين الإنسانية والقومية)) و ((مساواة المرأة والرجل)) و ((والاشتراك معه في العمل والإنتاج )) و ((العلاقة بين الإنسانية والقومية والدين )) و((حقوق المرأة)) و ((طرد المستعمرين من الشرق)) و ((تأسيس مدنية إنسانية جديدة قوامها العدل)) و ((فكر الجمهورية)) و ((فصل الدين عن الدولة)) و ((نهضة الأدب التركي بعد الدستور)) ومكسيم غوركي كاتب العمال ومقالاته التصويرية البارعة التي هزأ فيها بقيصر ألمانيا)) الرجعي و ((نهضة الصين على يد الزعيم صن يات صن)). أما مصطفى علي، والذي برز بعد ثورة 14 تموز 1958 كشخصية وطنية وتقدمية حيث احتل منصب وزير العدل في حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم 1958، فكان متحمسا للأفكار التقدمية ومؤمنا بضرورتها الشديدة في بناء الوطن. وفي السياق نفسه كان إبراهيم عبد الجبار القزاز معروفا بتدينه وبأيمانه بمفاهيم العدالة وفق منظور إسلامي ويقترب من فهمه هذا سليم فتاح الذي انطلق من فكرة إصلاحية إسلامية العدالة.


 كان جماعة الصحيفة يقرؤون ما يقع بأيديهم من كتب وصحف ومجلات بإقبال كبير.. أعادوا قراءة كتب الأدب العربي القديمة، وقرأوا كتابات قاسم أمين.. وواظبوا على اقتناء مجلدات مجلتي الهلال والمقتطف المصريتين فضلا عن مؤلفات الدكتور شبلي شميل. والى شيء من هذا القبيل يشير احد أعضاء الجماعة في مقابلة خاصة معه أجراها الدكتور الراوي مطلع السبعينيات من القرن الماضي، حين قال: « إن المقتطف المصرية كانت تصل بانتظام إلى العراق وكنا جماعة مشتركين فيها وفي مجلة الهلال وكنا نقرأ المجلتين، ثم تطورت الأمور وجاءت صحف السياسة والسياسة الأسبوعية والبلاغ و البلاغ الأسبوعي، وكنا نلتهمها التهاما وخاصة ما يكتبه الأدباء والأساتذة الدكتور طه حسين ومصطفى لطفي المنفلوطي وعبد القادر المازني وعباس محمود العقاد ومحمد حسين هيكل وسلامة موسى وغيرهم «. وتنبع أهمية (المقتطف) في أنها أسهمت في خلق وعي فكري تقدمي لدى الشباب والقراء بسبب ما كانت تنشره من مقالات تدعو إلى الحرية والتقدم العلمي والبحث عن حلول لمشاكل المجتمع العربي الكثيرة.


 يقول محمود احمد السيد في قصته الموسومة: ((النكبات)) والتي نشرت في كتاب طبع في القاهرة سنة   1922 «إن قوة الثقافة القديمة الكامنة في وجدانه الباطن، ظهرت حالة تكافح طلائع الفكر الجديد، فكانت المعركة خفية غامضة بينهما، تغلب هذه تلك تارة ، ثم تغلب هذه تارة أخرى وهي شاعرة بالضعف، تتوقع الهزيمة بين حين وحين». ويعقب الدكتور الفهد على حالة الصراع الفكري بين القديم والجديد التي اعتملت في ذهن محمود احمد السيد بقوله أن السيد حاول أن يعبر عن هذا الصراع بالانحياز إلى الفكر الجديد، واخذ يظهر وجهة نظره الإصلاحية التي تخدم المجتمع عن طريق الكتابة، وكانت القصة هي الأداة التي اكتشفت فاعليتها، فعن طريقها أراد أن يحارب ما في المجتمع العراقي من تقاليد بالية ونظم تبقي عليه متأخرا .. كان يدعو إلى رفع شأن المرأة ودفع الشباب للتحرر من التواكل والسلبية والكسل و الجمود. وقد ذكر في مقدمة القصة: «إن نداء الوطن قد رن في آذاننا .. فيجب علينا أن نلبي دعواه بأسرع من لمح البصر، إذ نجد ونجتهد بما فيه نفعه، ونثابر على مداواته فالدواء الناجح الموصوف لعلاجه وتقويمه « لا يكون إلا بارتياد طرق التحرر والتقدم وتذكير الشباب بأمجاد الأمة العربية، وبما قدمته هذه الأمة للعالم من خدمة في تطوير العلوم والفنون. ولا يجد السيد إلا طريق التمرد على القديم أسلوبا ناجعا للنهوض.


كتب السيد عن ظلم المجتمع العراقي للمرأة، ودعا إلى تحقيق المساواة، ومقاومة الاستعباد وكل قوى الظلام، وقد ألف سنة 1922 كتابا بعنوان: « مصير الضعفاء « طبع في القاهرة وعبر فيه عن ظلم المجتمع للفئات الفقيرة واضطهاده لها، وبين حق الفقراء في العيش الكريم وقال أن لهم نصيبا في أموال الأغنياء واستند في ذلك إلى الشريعة الإسلامية التي تفرض الزكاة على المسلم لتعطي هذا النصيب إلى الفقراء، واستشهد بأقوال المفكر عبد الرحمن الكواكبي المتعلقة بمقاومة الظلم والاستبداد، وحث على التعليم وفتح المدارس ونشر العلم وانتقد الأغنياء وأعاب عليهم غطرستهم وتعاليهم.
 كان حسين الرحال، ومحمود احمد السيد، ومصطفى علي، وإبراهيم عبد الجبار القزاز وسليم فتاح أبناء جيل واحد، فحسين الرحال ولد سنة 1902 أما محمود احمد السيد فهو من مواليد 1910 وهكذا بقية الجماعة، فكلهم رأوا النور مع السنوات الأولى من القرن العشرين، وقد عاشوا طفولتهم أيام العثمانيين الأخيرة وشهدوا جميعا المآسي والآلام التي رافقت الحرب العالمية الأولى ومنها الاحتلال البريطاني لبلدهم العراق. أما شبابهم وجزء كبير من رجولتهم فقد تزامن مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة وتنامي الرغبة في وضع الأسس العصرية لهذه الدولة إن كان ذلك على صعيد الإدارة أو الجيش أو التعليم أو القضاء أو المؤسسات البلدية والمدنية والمالية.

 ونستطيع القول بان بعضا منهم قد دخل كلية الحقوق ونال شهادتها كما أن معظمهم مارس الكتابة والتأليف، ولم يكن جماعة الصحيفة بعيدين عن العمل الصحفي – بأي حال من الأحوال، وقد حاولوا بأساليب كثيرة توسيع دائرتهم وجذب الأنصار، ولعل ابرز معركة خاضتها جماعة الصحيفة هي ما سميت في أدبيات العراق المعاصر ووثائقه بـ (معركة السفور والحجاب) والتي شهدها العراق أواسط العشرينيات من القرن الماضي.. وقد تبنت الجماعة الدعوة إلى سفور المرأة، وتحررها، ومساواتها بالرجل. وقد نشرت الصحيفة في عددها الأول (28 كانون الأول 1924) مقالا افتتاحيا أكد ضرورة رفع مكانة المرأة في المجتمع من خلال إعطائها حقوقها ومساواتها بالرجل ومما جاء في المقال: «إن تطور المرأة وإكسابها حقوقها وامتيازاتها المغصوبة لكي تحل محلها المناسب من الجماعة العربية أمر مهم، يحتم على كل وطني السعي في تعجيله وتسهيله، إذ أننا في دور يتطلب من المرأة كالرجل، الاندماج في العملية الاقتصادية، والاستعداد لكفاح الحياة بصورة مستقلة عن الرجل «.


أكدت (جماعة الصحيفة) على أهمية التطور وعدته (ناموسا عاما)، وجاء في العدد الأول من الصحيفة (28 كانون الأول 1924): «إن العناصر الحية وغير الحية متبدلة، متطورة .. الجبال تؤتكل، الأنهار تفجر مجراها، والبحار تتقدم وتتراجع، كل شيء في الكون، الإنسان وأفكاره والعالم الذي يعيش فيه، الشمس التي تدفئه، والكواكب التي تدهشه، وحتى العناصر الكيماوية التي تتركب منها الماكينة التي يسميها الإنسان جسده، كل هذا في تحول مستمر».
ولم تهمل جماعة الصحيفة أهمية تنمية الشعور القومي العربي ومن ذلك على سبيل المثال ما نشرته (الصحيفة) في عددها الثالث الصادر يوم 6 شباط 1925 من تأكيد على أن للأدبيات القومية و « العلوم والفنون والتربية، وغير ذلك، تأثير مهم في إيجاد الشعور القومي لدى أفراد الأمة، فالأدبيات والآثار العلمية والفلسفية التي ألفها مونتيسكو وفولتير وجان جاك رسو، كانت من العوامل المهمة التي قلبت نظام الإقطاعية في فرنسا وأسست نظام الديمقراطية الحاضر». وحاول المقال الربط بين الشعور القومي، والعامل الاقتصادي من خلال القول: «أن تأسيس المعامل والمصانع الكبيرة بتأثير اختراع الآلات البخارية والمكائن العظيمة القوة .. قد قلب النظام الإنتاجي وأوجدت احتياج تغيير شرائط الحياة (القومية) وبذلك قد سببت تطور الأخلاق ووجود الشعور القومي « لدى الطبقة البرجوازية المتوسطة (كلاس بور جواز) بلغة الصحيفة نفسها، الذي بدأ بالإنتاج والعمل الاقتصادي بكل الوسائط و الشرائط الاقتصادية الجديدة «. ويصل المقال إلى نتيجة مفادها أن الضرورة تقتضي تخليص الاقتصاد القومي وتحريره من السيطرة الأجنبية المباشرة ومن سيطرة أصحاب رؤوس الأموال الأجنبية.


 كان التأكيد على (الحرية الفكرية) واحدا من الأهداف التي سعت إليها جماعة الصحيفة لذلك واجهت الجماعة الكثير من العنت، فلقد اضطرت لإيقاف صحيفتها بسبب العوز المالي ولم يقتصر نشاط الجماعة الصحفي على إصدار( الصحيفة)، فلقد اصدر بعض أعضائها صحفا ومجلات أخرى، فحسين الرحال اصدر عند توقف الصحيفة جريدة اسماها (سينما الحياة) ركزت على فكرة التقدم. أما محمود احمد السيد فاصدر مجلة شهرية باسم (الحديث)، نهجت النهج نفسه الذي انتهجته الصحيفة من حيث الدعوة إلى التطور، والمساواة والعدل. وقد اصدر مصطفى علي مجلة ( المعول) في أيلول 1930 حتى أن الشاعر معروف الرصافي رحب بها بعد أن عرف بأنها جعلت (المعول) شعارا لها بقوله:


حال جدار من تقاليدنا


دون الذي به نعتلي


فنحن نحتاج إلى هدمه


والهدم يحتاج إلى المعول


لم تتعد نشاطات جماعة الصحيفة حدود الدعوة، والكتابة، والنشر، والحديث في المقاهي والدواوين التي كانوا يجتمعون فيها ولم يكن الانسجام الفكري موجودا بينهم كما يقول الدكتور عبد اللطيف الراوي. ويبدو أنهم حاولوا تشكيل ما يشبه التنظيم إلا أن الخلافات الشخصية بينهم حالت دون ذلك. ويمكن أن نشير إلى عاملين آخرين كانا وراء انحسار دور جماعة الصحيفة وخفوت صوتها وهما توجه بعضهم إلى الوظيفة وظهور تجمع جديد استقطب الكثير من الشباب الوطني التقدمي وهو الذي عرف فيما بعد بجماعة الأهالي مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي. ومع كل ما كان عند جماعة الصحيفة من تناقضات، إلا أنهم كانوا بحق متوهجين فكريا يمارسون مختلف الأساليب الأدبية، من قصة، ومقالة، وشعر ورواية، ونقد، منطلقين آنذاك من زاوية فهمهم الجديد للحياة ويقينا أنهم وضعوا الأسس الفكرية لما عرف فيما بعد في العراق بالمدرسة الواقعية في الأدب والفن تلك المدرسة التي خدمت قضايا الشعب، ومطالبه المشروعة في الحياة والحرية والمساواة ومحاربة الاستغلال والاستعمار والدعوة إلى البناء والتقدم والاستقلال والعيش الكريم.



ألاستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف من مواليد الموصل بالعراق 1945. أستاذ التاريخ الحديث في جامعة الموصل ومدير مركز الدراسات الإقليمية بالجامعة المذكورة. طيلة عمله الاكاديمي أشرف الاستاذ العلاف على أكثر من 40 أطروحة ماجستير ودكتوراه، ونشر في المجلات الموصلية والعراقية والعربية قرابة 450 بحثا ودراسة ومقالة.له العديد من الكتب المنشورة من بينها تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني (1982 )، تاريخ العراق المعاصر (1989)،

 تاريخ العراق الثقافي المعاصر ،(2009 ). كما انه عضوا في العديد من الاتحادات من بينها: عضو اتحاد المؤرخين العرب، عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق. وقد اعد هذا المقال خصيصا لمجلة (الثقافة الجديدة) بمناسبة مرور 85 عاما على صدور جريدة (الصحيفة).


* ملاحق جريدة المدى( البغدادية ) -عراقيون 11-05-2011

2015-01-03