هل بدأت ملحمة الاسكندرية الكبرى؟
عميرة أيسر
التحركات الغربية في شرق البحر الأبيض المتوسط بمحاذاة السواحل المصرية، والتي يقول الإعلام الأمريكي والغربي بأنها من أجل دعم الكيان الصهيوني الذي يعيش، حالة من الصدمة والرعب وتخبط غير مسبوقة بعد عملية طوفان الأقصى، هي رسالة واضحة للدولة المصرية، بأن واشنطن مصرة على دعم الكيان الصهيوني الذي يعتبر بمثابة كيان استيطاني استعماري يحمي المصالح الاستراتيجية لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فإن الولايات المتحدة الأمريكية ليس من مصلحتها أن ينهار هذا الكيان أو أن يتعرض لهزيمة عسكرية تجعله عاجزاً عن القيام بدوره الوظيفي الذي وجد من أجله، فهذا الكيان السرطانية القائم على أسس أساطير دينية توراتية، والذي يؤمن مؤسسوه بأن عليهم إنشاء إسرائيل الكبرى التي تشمل حدود الدولة المصرية، لن يستطيع الاستمرار دون حماية غربية في محيط عدواني كاره لهذا الكيان، رغم كل عمليات التطبيع التي ترعاها واشنطن منذ اتفاقيات كامب ديفيد سنة 1978م، فأمريكا ملزمة تاريخياً بضمان تفوق هذا الكيان المحتل على جيرانه العرب، فدعم أمريكا لإسرائيل صلب كالصخر وراسخ، كما أكد على ذلك الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن في أحد خطاباته، بالإضافة لوزير دفاعه لويد أوستن، الذي قال : ” بأن الجيش الأمريكي سيضمن حصول إسرائيل على ما تحتاجه للدفاع عن نفسها”، وبلغت قيمة المساعدات الأمريكية لإسرائيل منذ 1948م، لغاية سنة 2013م، ما قيمته 280 مليار دولار. كما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2023م، في مقال بعنوان ( بلغت 260 مليار دولار…..مساعدات أمريكا العسكرية لإسرائيل لا مثيل لها).
فواشنطن الضامن الرئيسي والأساسي لبقاء الكيان الصهيوني تحاول معاقبة أية منظمة أو دولة تعادي تل أبيب أو تتبنى سياسات ومواقف معادية للمصالح الصهيونية، لذلك عملت الإدارات الأمريكية منذ عهد جيرالد فورد على فرض عقوبات سياسية واقتصادية بل والتدخل عسكرياً ان لزم الأمر كما فعلت في لبنان ضدّ حزب الله اللبناني وفصائل المقاومة الفلسطينية التي كانت تخوض حرباً ضروس ضدّ الجيش الاسرائيلي الذي قام باجتياح جنوب لبنان وحاول تصفية منظمة التحرير الفلسطينية أنذاك، وعملت الولايات المتحدة الأمريكية على مدار عقود على دعم الرؤية الإسرائيلية الدينية الرامية لترسيخ إسرائيل كدولة يهودية أرثودوكسية، وطرد كل سكانها العرب الذين تراهم واشنطن كدخلاء على أرض الميعاد اليهودية، فالرواية السردية التاريخية لليهود دعمتها الدول الغربية لأسباب سياسية وتاريخية واستراتيجية رغبة منها في الاستفادة القصوى من إسرائيل كقاعدة تكنولوجية وصناعية ولوجستية وعسكرية تخدم مشاريعهم الامبريالية، وهذا ما أشار إليه جوزيف بايدن عندما كان سيناتور في مجلس الشيوخ في ثمانينات القرن المنصرم، حيث قال: “بأنه لو لم تكن هناك إسرائيل لكان لزاماً علينا أن نوجدها في الشرق الأوسط لحماية مصالحنا”، ولكن حتى وان نجحوا في ايجادها في منطقة جغرافية متجانسة ومتمازجة لغوياً و ثقافياً ودينياً وأيديولوجياً وتاريخياً، ولكن شعوب هذه المنطقة ودولها عملت على التصدي لهذه المشاريع الصهيوأمريكية ولمحاولة الاستيطان والتوسع الصهيوني، وكانت مصر من أهم الدول العربية التي خاضت حروباً طاحنة مع الكيان الصهيوني، ومن أهم المدافعين عن القضية الفلسطينية، وقدمت قوافل من الشهداء في سبيل إفشال مخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، نحو سيناء والقضاء نهائياً على جوهر القضية التاريخية للأمة جمعاء وهي فلسطين، فعملت إسرائيل على إيجاد سرديات ونصوص تاريخية دينية مزيفة من أجل محاولة ضرب الدولة المصرية داخلياً، ومن ثم نسب معظمها لأئمة أل البيت عليهم السّلام، ومنهم الإمام علي كرم الله وجهه، ومن هذه النصوص المنسوبة لكتاب الجفر، تلك التي تتحدث عن حرب ستكون في نهاية الزمان بين عدد من الدول الغربية، وبين مصر حيث ستجتمع 700 سفينة قبالة السواحل المصرية، وستقوم بشنّ هجوم على مدينة الأسكندرية، ثم سيخرج رجل أطلقوا عليه لقب صاحب مصر سيتولى حكم أرض الكنانة، وسيطهرها من الخونة والعملاء ويقضي على اليهود وسيحرر المسجد الأقصى.
وقد رأينا عدداً من القنوات والصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي المدعومة من جهاز الموساد، والمنظمات الماسونية الصهيونية بدأت تروج لهذه الأفكار الضالة المضلة، وتحاول إسكات كل من يفضح دجلهم وأكاذيبهم، لأن ما يروجون له يصب في صالح الكيان المحتل الذي يريد صناعة شخصيات دينية بمواصفات معينة تخدم أجنداته في تدمير مصر والسيطرة عليها من الداخل، بعدما عجزوا عن احتلالها وتفتيتها، هذه المخططات المخابراتية تتلاءم مع مخطط الشرق الأوسط الكبير، الذي يعتبر تدمير الجيش المصري من أهم أهدافه، لأن الحركة الصهيونية العالمية قد عجزت عن توريط الجيش المصري في المستنقع الليبي والسوداني، وفشلت في دفعه لغزو أثيوبيا التي تعتبر الحليف الاستراتيجي الموثوق لإسرائيل في منطقة القرن الأفريقي، لأن الموساد له دور فعال في دفع أثيوبيا لبناء سد النهضة الذي يهدف من وراءه للتأثير على الأمن القومي المائي، واحداث ثورة جياع في مصر، عن طريق تقليل حصص مصر المائية، ما سيؤدي للتأثير سلباً على القطاع الزراعي، وبالتالي حدوث أزمة غذائية داخل المجتمع المصري، فالكيان الصهيوني يريد استغلال هذه الأزمة الذي يعتبر من أهم مهندسيها في توطيد أواصر التعاون مع مصر، حيث يقول عيران ليبرمان، الباحث في مركز القدس الاستراتيجيات والأمن: ” ان إسرائيل تستطيع في ظل الأزمات المحيطة بمصر مد يد العون للقاهرة لرفع أسهمها من جديد، وذلك من خلال منحها دوراً أكبر في الوساطة بين الاسرائيليين والامريكيين من جهة، والفلسطينيين من جهة أخرى من أجل تنفيذ صفقة القرن”. كما ذكر موقع TRTعربي، بتاريخ 16 جويلية/ يوليو 2020م، في مقتل بعنوان ( سد النهضة، كيف تعبث إسرائيل بمياه النيل وما مصلحتها في دعم إثيوبيا ؟).
إسرائيل تستعد لمواجهة غزة برياً، رغم أن هناك تمرد عند عدد كبير من الجنود الصهاينة الرافضين لفكرة غزو غزة عسكرياً لأنهم يعلمون بأن حجم الخسائر البشرية والمادية ستكون كارثية على الجيش الاسرائيلي الذي بات يخشى من امتدادات هذه الحرب، خاصة بعد تحرك سفن تركية باتجاه سواحل الكيان الصهيوني، وتهديد إيران بأنها ستشارك في هذه الخرب إلى جانب قوى المقاومة، إن أقدمت إسرائيل على اجتياح قطاع غزة براً وبحراً وجواً، رغم التحذيرات الأمريكية للجيش الصهيوني بأن هذه العملية العسكرية ستكون خطرة ومكلفة للاقتصاد الاسرائيلي الذي يعيش أزمة ثقة بين المستثمرين أدت لحدوث هجرة عكسية لرؤوس الأموال الأجنبية نحو وجهات اقتصادية أكثر آمناً واستقراراً، خاصة بعد اعلان بنك جي بي أس مورغان عن اغلاق فرعه في تل أبيب، إلى جانب عدد كبير من الشركات العالمية، بالإضافة إلى أن الجيش الاسرائيلي مجبر على أنفاق أكثر من 100 مليار دولار لتغطية نفقات اجتياح قطاع غزة، والتي قد تطول لحوالي شهرين أو ثلاثة أشهر.
فالجيش المصري الذي سهل دخول الأسلحة والمعدات العسكرية لقطاع غزة عبر صحراء سيناء، لن يسمح للإسرائيليين بإبادة سكان قطاع غزة، عن طريق الاستفراد بهم وترحيلهم من الشمال نحو جنوب القطاع واجبارهم على اقتحام مدينة رفح المصرية، فمصر مستعدة للحرب منذ سنوات من خلال تحديث وتطوير أسلحة الجيش المصري ولن تقف مكتوفة الأيدي وستفشل كل مخططات الصهاينة في نهاية المطاف.
- كاتب جزائري
2023-10-16
