هل سينهار الكيان الصهيوني من الداخل؟
عميرة أيسر

العديد من المؤشرات داخل الكيان المحتل باتت تؤرق صناع القرار الاستراتيجي في تل أبيب، الذين دقوا ناقوس الخطر بشأن بقاء كيانهم المزعوم واستمراريته، حيث أن عدم الاستقرار وازدياد معدلات العنف والجريمة المنظمة والهجرة العكسية، بالإضافة لظهور حركات راديكالية يهودية تريد طرد كل من ليس يهودياً من إسرائيل، والصراع الدائر داخل الطبقة السّياسية من التكنوقراط والثيوقراطيين المعتمدين على الروايات التوراتية في حكمهم لإسرائيل، فيما بعرف بالثالوث المقدس الحافظ للتوازنات بين القوى المختلفة، والذي ينظر إليه منذ عهد بن غوريون بأنه صمام الأمان للدولة على وشك الانهيار كلها عوامل تنذر بالانهيار الوشيك لإسرائيل، فالمعروف في الأبجديات السّياسية والقانونية للممارسة الديمقراطية الإسرائيلية أنها تقوم على ثلاث أعمدة أساسية وهي الكنيست والمحكمة العليا والحكومة، وكل هذه المؤسسات تعمل معاً منذ نشأة هذا الكيان المقيت، وذلك بغية معالجة كل الاضطرابات والاختلالات التي يعرفها النظام السّياسي في تل أبيب، باعتبار أن إسرائيل لا تمتلك دستوراً مكتوباً يحدد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وحدودها، وصلاحيات مختلف المسؤولين والعلاقة التي تحكم وتنظم العلاقات بين مختلف الأجهزة الأمنية في هذا الكيان، فالحكومة الإسرائيلية المتطرفة بقيادة حزب الليكود والتي يرأسها نتنياهو المتورط في عدة قضايا فساد الذي يسيطر تحالفه الحزبي على الكنيست يريد أعضاءها تحجيم دور ومكانة المحكمة العليا وجعل قراراتها غير ملزمة لمختلف المؤسسات الرئيسة في إسرائيل، بما يسمح لنتنياهو بتعيين المقربين منه في مناصب حساسة دون الرجوع لتوصيات وقرارات المحكمة العليا، بما يضمن بسط نفوذه الكامل على كل مفاصل الكيان، وهذا الأمر يعتبر من بين أهم الأسباب لاندلاع موجة الاحتجاجات التي يعرفها الكيان الصهيوني بين الفينة والأخرى، فإسرائيل لم تعد كما كانت قبل عقد من الزمن، إذ لأول مرة في تاريخها يتم تشكيل عدّة حكومات في ظرف 5 سنوات بوتيرة متسارعة حيرت كل المراقبين داخل إسرائيل وخارجها، وهذا مؤشر خطير على قرب انهيار هذا الكيان المصطنع، كما صرح بذلك وزير الدفاع الأسبق وعضو الكنيست موشي يعلون للقناة7 العبرية، واصفاً الحكومة الإسرائيلية بأنها حكومة اجرامية يقودها زعيم عصابة في إشارة واضحة لنتنياهو، وأضاف بأنه شخص غارق في التحقيقات والقضايا الجنائية، لا يمكن أن يكون رئيساً للوزراء ولا تهمه إلاّ مصلحته الشخصية على حساب المصالح الأمنية. كما ذكر موقع sputnik بتاريخ 2أوت/ أغسطس 2021م، في مقال بعنوان (” يتزعمها نتنياهو” وزير الدفاع السّابق بلادنا تحكمها عصابة إجرامية).
القيادات السّياسية والأمنية و العسكرية في إسرائيل باتت على يقين تام بأن الجبهة الداخلية لم تعد متماسكة وصلبة كما كانت قبل عقد من الزمن، إذ أن استطلاعات الرأي قد أظهرت بأن أغلب الإسرائيليين يشعرون بالخوف من المجهول، و بعدم الثقة في قيادتهم السّياسية، ولم تعد المؤسسة العسكرية تحظى بذلك الإجماع وتلك الهالة الأسطورية التي حظيت بها في الماضي، لذلك فإن الجبهة الداخلية ستكون مستهدفة في أية حرب مستقبلية كما يرى الرئيس السّابق لقسم التاريخ في الجيش الاسرائيلي الجنرال شاؤول شاي مؤلف كتاب ” الحرب تحت الأرضية والتحديات الهامة لقواتنا”.
وبالتالي فإن حالة الانقسام والتشرذم في المجتمع الاسرائيلي والضبابية التي باتت السمة الغالبة التي يتعامل بها الإعلام العبري مع القضايا المصيرية للكيان الصهيوني، وفشل الجيش الاسرائيلي في القضاء على التهديد العسكري لفصائل المقاومة الفلسطينية والخسائر الكبرى التي بات يتكبدها في كل حرب مع هذه الفصائل، وازدياد عدد الحركات اليسارية والدينية التي تنادي بضرورة الانسحاب من كافة الأراضي العربية المحتلة، وتطبيق قرارات الشرعية الدولية، وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967م، وتراجع مستوى القدرة الشرائية للمواطن الاسرائيلي، وتنامي الشعور بعدم الانتماء وخاصة لدى الإسرائيليين الذين لا يتكلمون اللغة العبرية ولا يدينون باليهودية، والهاجس التوراتي الذي بات يشغل الكثير من المثقفين والأكاديميين والحاخامات الذين باتوا متخوفين من تكرار سيناريو أخر مملكة يهودية قامت على أرض فلسطين المحتلة والتي لم تستمر سوى 80 سنة، باعتبار أن الله قد حرم عليهن انشاء دولة لهم وكتب عليهم الشتات الأبدي لمخالفتهم أوامره ونواهيه، كما تؤكد على ذلك حركة ناطوري كارتا العبرية التي تجاوز عدد المنتسبين إليها 1 مليون يهودي، وتعتبر من الحركات الدينية الرافضة بشدّة لفكرة قيام دولة لليهود على أراضي مغتصبة، لأن في ذلك مخالفة صريحة وواضحة لكل ما جاء في الكتب الدينية لديهم، والتي تعني بالآرامية ” حارس المدينة”، فاليهود حسب رؤيتهم قد ضيعوا شريعتهم فكتبت الله عليهم الشتات في الأرض،
بسبب ذلك. فأسوء شيء حصل لهم هو قيام الكيان الصهيوني، وهم الذين تقدموا وثيقة للأمم المتحدة سنة 1947م، يؤكدون فيها على رفضهم القاطع لقيام دولة لليهود على أرض فلسطين، وفيها توقيع حاخامات القدس باسم الحاخامات الأخرين، وهم يتعرضون للاضطهاد والمضايقات من قبل اللوبي اليهودي في أمريكا، كما تم استخدام السّياسيين الأمريكيين ضدهم. كما صرح بذلك مسؤول المنظمة الرابي يسرول ديفيد ويس لبريدة القبس الكويتية. وكان يضع علم فلسطين على قميصه مع عبارة ” لا للصهيونية”. كما ذكر موقع القبس ،بتاريخ 8 أفريل/ نيسان 2006م، في مقال بعنوان ( مسؤول منظمة ناطوري كارتا ل “القبس” قيام دولة إسرائيل أسوء ما حصل لنا).
تؤكد بأن إسرائيل تنهار داخلياً وهي تحمل بذور فناءها في مكوناتها كما ذكر ذلك الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في موسوعته عن الصهيونية، وما نشهده من مظاهر الانحطاط والانحلال الأخلاقي والقيمي والمجتمعي، الذي وصلت إليه إسرائيل والتسيب الذي تغلغل ليصل حتى للمؤسسة العسكرية، فهي تعيش حالة من الفوضى والإهمال ترجمتها العملية الاستشهادية التي قام بتنفيذها الجندي المصري البطل محمد صلاح رحمه الله، الذي أكد مقولة رئيس الموساد السّابق اللواء تامير فاردو في حواره مع القناة 12 الإسرائيلية حول حالة الانقسام الذي تشهده إسرائيل عندما قال: بأنهم في مصيبة إذ لا حاجة لإيران لتقوم بتفكيك إسرائيل المتورطة بكارثة، وأضاف في ذات السياق رداً على سؤال عن وصفه للوضع الراهن في إسرائيل بقوله” نحن في مصيبة تحدث وهي في حالة تكوّن، عما قريب سأبلغ السبعين من عمري ولوكان أحدهم سألني قبل سنة أو سنتين أو ثلاث أن هذه ستكون صورة إسرائيل الحالية لقلت له: أنت تهذي لأن إسرائيل لن تبلغ أبداً هذه النقطة، فهذا غير ممكن. ولكن نحن نقف أمام الخطر الوجودي الأكبر منذ 1948م. كما ذكر موقع نبض، بتاريخ 1 مارس/ أذار 2023م، في مقال بعنوان ( رئيس الموساد السّابق، نحن في مصيبة ستؤدي لتفكيك إسرائيل).
فالأوضاع في الكيان الصهيوني أصبحت خطيرة جداً وستؤدي لا محالة وقبل سنة 2028 م لحدوث أزمة كبرى ستكون النواة لبداية عملية تفكيك هذا الكيان ذاتياً دون تدخل خارجي أو حدوث حرب كبرى في المنطقة، لأن هذا الكيان المصطنع قد وصل لنهاية دوره الوظيفي في منطقة الشرق الأوسط، وكل الأساطير والأكاذيب التي قام عليها تتهاوى الواحدة تلوى الأخرى، فالأجيال الجديدة من الشباب في هذا الكيان لم تعد ترى في إسرائيل وطناً للأجداد بل جحيماً وسجناً كبيراً في محيط عدواني، يراه عبارة عن غزاة محتلين، فالقناعة الراسخة لدى معظم هؤلاء بأن بقاءهم في إسرائيل يعني نهايتهم الحتمية، لذلك فإن البحث عن مكان أخر للعيش بعيداً عن الصراعات الداخلية والانقسامات الحادة في مختلف أطياف المجتمع الاسرائيلي، وعن عمليات المقاومة الفلسطينية، هو ما بات يشغل تفكيرهم، لذلك فإن كل المحاولات التي يقوم بها قادة الكيان الغاصب لمنع انهياره هي محاولات يائسة بائسة ستكون لها نتائج عكسية كارثية وخيمة على المدى المنظور بكل تأكيد.
– كاتب جزائري
2023-06-21