الثقافة الرفيعة في الدولة العربية

د.علي محمد فخرو*

 

تحدث الكثيرون مرارا عن سوء استعمال فوائض الثروة البترولية والغازية في أرض العرب، وعلى وجه الخصوص في دول الخليج العربية، وقد أشار بعضهم إلى أهمية الاستفادة من تلك الثروات في بناء تنمية إنسانية مستدامة شاملة، وكان التركيز على الأهمية القصوى لبناء اقتصاد إنتاجي ومعرفي قادر على توليد ثروة دائمة في المستقبل لتحل محل الثروة البترولية – الغازية المؤقتة التي، إن آجلا أم عاجلا، ستصل إلى مرحلة النضوب.

 

كما ركز بعضهم على أهمية بناء إنسان المستقبل من خلال التزام أنظمة الحكم بتوفير خدمات رفيعة المستوى في الصحة والتربية والتعليم والإسكان والخدمات الاجتماعية المتعددة الأشكال والحياة السياسية المدنية الديمقراطية.

 

لكن، في اعتقادي، هناك ضرورة لإبراز أكبر وصوت أعلى لضرورة التزام أنظمة الحكم بتوفر شتى أنواع الوجود الثقافي الرفيع المستوى، الذاتي منه والمنتقى من ثقافات الآخرين، ونحن نعني بالرفيع المستوى ذلك النتاج الثقافي غير السطحي المبتذل وغير العادي العابر، وإنما التعبير الثقافي الذي وراءه جهد هائل ذهني أو عاطفي أو روحي يرنو لصعود وتقوية وتعميق النبل في إنسانية الإنسان.

 

الانفتاح على الثقافة الرفيعة والاستمتاع بها والتفاعل معها يحتاجان إلى التهيئة منذ الصِّغر عن طريق تعليم غير تلقيني ممل مكرر منغلق سطحي، وإنما تعليم تفاعلي إبداعي يغني وينضج ويسمو بذهن ومشاعر وروح الطفل واليافع.

 

في المدرسة والجامعة يجب أن يتم التعرف على الموسيقى الكلاسيكية العالمية، من الشرق والغرب والجنوب، وعلى مسارحهما تشاهد التمثيليات الجادة العميقة المبهرة، وفي قاعات النشاطات يستمع إلى الشعر الجزل المنعش وتشاهد روائع الرسم والنحت ويناقش ما تقوله أحداث الرواية وتعرض براكين وسيول المنجزات العلمية والتكنولوجية الكبرى، مطلوب أن ينبهر الطالب وأن يحلق في السموات العلى.

 

الاهتمام بالثقافة الرفيعة يتطلب إصلاحا جذريا لمكونات ووسائل وأشخاص العملية التربوية برمتها، وهذا سيعني أن لا تسلّم التربية قط إلى كل من هبّ ودبّ سواء في الوزارات أم في المدارس والجامعات.

 

لكن المهمّة الثقافية للدولة لا تقف عند تلك الحدود، فمواطن المستقبل يحتاج أن ينتقل من اتصاله ببدايات الثقافة الرفيعة في المدرسة والجامعة إلى مرحلة الانغماس فيها ومتابعة تطورات إنتاجاتها بقية عمره، وهذا غير ممكن بالاعتماد فقط على إمكانات وجهد الفرد نفسه، هنا يأتي دور الدولة في حمل مسؤولياتها الثقافية ذات المستوى الرفيع، أما الثقافة البليدة المسطحة العابرة المتوجهة إلى أحط ما في الإنسان من فكر ومشاعر وغرائز، من مثل مهرجانات الأغنيات الصاخبة الهابطة أو التمثيليات المستجدية للضحك الاصطناعي، فانها ليست بحاجة لمساعدات الدولة، إذ أن الأمية والجهل والتخلف والعلاقات العامة العولمية كافية لإيقافها على أرجلها.

 

الحاجة للدولة ستكون من قبل فرق الموسيقى والغناء والتمثيل الجادة غير القادرة على منافسة السخف والبلادة والبدائية.ومع ذلك فاسناد مؤسسات الثقافة الرفيعة الجادة سيكون إسنادا لمجموعات صغيرة من الشعب، ممّن يرغبون في مثل تلك الثقافة، هنا نصل إلى طرح السؤال التالي: هل من طرق لنشر الثقافة الرفيعة لتصبح غاية غالبية كبيرة من المواطنين، يتذوقونها ويعشقوها ويسمون معها؟ جزء من الإجابة على هذا السؤال سيعتمد على استجابة الدولة لما أود طرحه باختصار شديد في عمود اليوم.

 

في دول العالم المتقدمة يستمع الإنسان لمحطات إذاعية ويشاهد محطات تلفزيونية متخصّصة في نشر الثقافة الرفيعة المستوى، وهي عادة محطات مسنودة من قبل جهة رسمية في الدولة، والسؤال هو: ما الذي يمنع دول اليسر العربية من استعمال جزء يسير من فوائض الثروات لإقامة مثل تلك المحطات الإذاعية والتلفزيونية، على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، من أجل احتضان ونشر الثقافة الرفيعة المستوى جزءا من تنمية الإنسان العربي التي تدّعي الأنظمة العربية جميعها بأنها في قلب اهتماماتها ؟

 

في تلك المحطات تقدم الموسيقى الكلاسيكية العربية والعالمية، تقرأ القصص القصيرة والمقالات الفكرية الموجزة، تشاهد المسرحيات غير الهابطة العربية منها والعالمية المترجمة، تناقش وتحلل الأفكار الايدولوجية السياسية، تجري المقابلات مع المفكرين والكتّات والعلماء العرب، تطرح التوجّهات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الجديدة التي يموج بها العالم السّريع الحركة والتطوّر وتحلّل وتنقد وتقبل أو ترفض، تناقش طروحات الأديان والمذاهب الفقهية بموضوعية ومن دون تزمت ومن خلال فهم إنساني واع، … إلخ …. من تجلّيات ثقافية لا حصر لها ولا عد.

 

سيقال إن أكثر ذلك مبثوث على شاشات المحطات الوطنية والفضائية العربية، والجواب هو أنه مجزّأ ومتباعد وغير دائم ومحكوم بتوجهات هذا المسؤول أو ذاك.

 

المطلوب برامج مكثّفة ومتكاملة ومتناغمة مع بعضها بعضا، تتوجه إلى مستويات مختلفة من الفكر والروح والمشاعر في الإنسان العربي لبنائه الثقافي المتدرج نحو السمو فالأسمى والعميق فالأعمق. هذا يتطلب العديد من المحطات التي تشرف عليها مؤسسات ثقافية مستقلة يقوم على ادارتها مثقفون حقيقيون ملتزمون قادرون على ابعادها عن الزبونية السياسية والفهلوة الفكرية والفنية.

‏31‏/12‏/2014