الناتو الأسيوي درع أمريكا الجديد لتطويق التنين الصيني؟
عميرة أيسر
فرضت الحرب الروسية الأوكرانية على الولايات المتحدة الأمريكية أن تغير من استراتيجيتها الجيوسياسية في منطقة وسط وجنوب وغرب أسيا بعد أن أدركت بأن اليقين الاستراتيجي الذي كانت تتعامل به مع أعداء ها قد أصبح ضعيفاً وهشاً، وبأن مقدار القوة الذي تمتعت به بصفتها قوة عظمى في ظلّ التحالفات الإقليمية والدولية المتزايدة بين هؤلاء الأعداء لم يعد كافياً، وبالأخص بعد زيادة حجم التعاون العسكري والاستراتيجي والتقني واللوجستي بين دول تعتبرها خطراً يهدد أمنها القومي على المدى القريب كالصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران وحتىّ تركيا التي أدركت بأن مصالحها الحيوية ضمن نطاق نفوذها في منطقة الشرق الأوسط ومنطقة القوقاز قد تغيرت، إذ أن أنقرة بعد رفض الولايات المتحدة الأمريكية بيعها لطائرات F35الشبحية بالرغم من أنها قد شاركت في إنتاجها وكذا دعمها اللامحدود لوحدات حماية الشعب الكردستانية وقوات سوريا الديمقراطية التي تعتبرها أنقرة تنظيمات إرهابية تشكل خطراً وجودياً على وحداتها العسكرية وسلامة أراضيها باتت على يقين تام بأن مستقبلها وأمنها مرتبط بانضمامها للحلف الروسي الصيني الإيراني، وبالمحصلة مع كوريا الشمالية أيضاً، حتى وإن عملت على المحافظة على سياسة التوازنات الهشة مع حلف شمال الأطلسي وبقية حلفاءها الغربيين.
وبالمقابل فإن واشنطن ولمنع تكرار سيناريو الحرب الأوكرانية الروسية في منطقة غرب أسيا فإنها سعت جاهدة لتوطيد علاقاتها الاستراتيجية مع دول كالفلبين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان لمواجهة التنين الصيني الذي أصبح العدو الأول لأمريكا اقتصادياً وتقنياً وتكنولوجياً في أسيا، فواشنطن تعتبر بكين المهدد الرئيسي لمصالحها في بحر الصين الجنوبي ولحلفائها هناك كأستراليا واليابان التي تعتبرها الإدارة الأمريكية محمية أمريكية ونقطة الارتكاز الأساسية لأساطيلها البحرية في بحر اليابان الذي يقع شرق المحيط الهادي، بالإضافة لبحر كورال وبحر سنمان ومضيق تورز وبحر تيمور، وهي التي تعتبر بمثابة ممرات مائية استراتيجية وحيوية لتأمين القواعد العسكرية الأمريكية، وخاصة البحرية منها وتلك المخصصة لصيانة السفن والغواصات الأمريكية، وذلك في إطار التعاون العسكري الأمريكي الأسترالي الوثيق بينهما، وهذا ما أكده عليه وزير الدفاع الأسترالي الأسبق بيتر داتون في تصريحات صحفية أدلى بها لقناة News9 إذ قال: بأن بلاده تقوم بإنشاء قواعد عسكرية بحرية وجوية جديدة في المناطق الجنوبية من استراليا وأضاف بأن ” التعاون العسكري بين بلاده والولايات المتحدة الأمريكية يتسع بفضل انشاء البنية التحتية لخدمة السفن والغواصات الأمريكية في استراليا…..وتنظيم لوجستيات العمليات العسكرية المشتركة في المنطقة”. كما ذكر الموقع الرسمي لوكالة الأنباء العراقية، بتاريخ 17سبتمبر/أيلول 2021م، في مقال بعنوان (استراليا تعلن بناء قواعد عسكرية أمريكية جديدة جنوبها).
فالصراع المحتدم اقتصادياً وسياسياً وأمنياً بين الصين وحلفاء أمريكا في تلك المنطقة، قد يتحول لصراع مسلح خاصة بين الصين واليابان التي تريد إعادة إحياء أمجاد امبراطورية عصر الميجي من خلال اتباع سياسة أمنية ودفاعية جديدة، وذلك في ظلّ الأخطار التي باتت تهددها إقليمياً، خاصة بعد قيام كوريا الشمالية ولأول مرة منذ سنوات بإجراء تجارب إطلاق لصواريخ باليستية مرت فوق الأراضي اليابانية في رسالة استفزاز واضحة لطوكيو التي طالبت واشنطن باتخاذ اجراءات ردعية فورية ضدّ بيونغ يونغ وامدادها بأسلحة متطورة ومنظومات دفاعية صاروخية لحماية محيطها الجغرافي، كما قامت على صعيد أخر بتوسعة قواعدها العسكرية القديمة وبناء قواعد عسكرية جديدة بالجزر الغير مأهولة من أجل استخدامها كمخزون استراتيجي للمؤن والأسلحة الحربية للجيش الياباني في حال اندلاع حرب شاملة مع الصين أو كوريا الشمالية، وكذا استعمالها كنقاط مراقبة متقدمة لتأمين حدودها البحرية، لمنع الصين من تجاوز تلك الحدود الدولية المعترف بها أممياً، بالإضافة لزيادة اليابان لحجم ميزانيتها الدفاعية للعام الجاري، والتي تجاوزت 5594،7مليار ين، وهي الميزانية الأعلى على الإطلاق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتأتي هذه الزيادات في إطار جهودها الرامية لتعزيز القدرات الدفاعية للبلاد في ظرف 5 سنوات القادمة. كما ذكر موقع اليابان بالعربي، بتاريخ 30نوفمبر/ تشرين الثاني 2022م، في مقال بعنوان (زيادة ميزانية الدفاع……. اليابان تعزز قدراتها العسكرية لمواجهة التهديدات).
كل هذه الإجراءات المتخذة من طرف طوكيو كانت بعلم ومباركة من واشنطن، التي من مصلحتها أن تعزز دول حليفة لها في أسيا كاليابان وكوريا الجنوبية وكل تلك الدول المحسوبة عليها في جنوب شرق أسيا من قدراتها العسكرية، لأن ذلك يصب كله في خدمة استراتيجيتها الرامية لتطويق الصين وحصارها وخنقها اقتصادياً وجغرافياً من خلال احاطتها بالقواعد العسكرية تماماً كما فعلت مع الاتحاد السوفياتي سابقاً أو مع روسيا حالياً، فأمريكا التي تعاني مع شركاءها الأوروبيين خاصة بعد خروج أصوات من داخل حلف الناتو تدعو بصراحة لتشكيل جيش أوروبي موحد يكون بديلاً عن الناتو، فواشنطن حسب ماكرون قد عجزت عن حمايتهم من خطرة التهديدات الإرهابية أو ازدياد معدلات الهجرة الغير شرعية بما فيها تلك القادمة من دول جنوب البحر الأبيض المتوسط أو أفغانستان، بالإضافة لعجزها عن إيقاف الحرب في أوكرانيا التي أثرت بشكل كبير على اقتصاديات دول القارة الأوروبية، فالخلاف الأمريكي الأوروبي الذي تعمق بعد انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان بشكل أحادي الجانب، ودون استشارة بقية دول الحلف الأطلسي عدته هذه الدول بمثابة محاولة أمريكية لفرض سياسة الأمر الواقع عليها باعتبار أن تواجد القوات الأمريكية الأوروبية المشتركة في إطار هذا الحلف العسكري، والتي تجاوز تعدادها 10ألاف جندي 3 آلاف منهم تابعين للجيش الأمريكي والبقية موزعين بين مختلف جيوش دول حلف الناتو كان يشكل خط الدفاع الاستراتيجي الأول الذي يحول دون دخول كميات مهولة من مختلف أنواع المخدرات المصنعة محلياً، ناهيك عن عشرات الآلاف من المهاجرين الأفغان الذين يصلون لتلك الدول بطريقة غير شرعية، لذلك فواشنطن لا تريد لمشاكلها مع حلفاءها الغربيين أن تؤثر سلباً على علاقاتها مع دول حلف الناتو الأسيوي.
فالاستراتيجية الأمريكية المتبعة منذ الحرب الباردة والقائمة على استنزاف خصومها قبل تدميرهم، تريد تطبيقها على الصين من خلال ارهابها عسكرياً واجبارها على زيادة حجم قواتها المسلحة باستمرار ، وهذا ما سيخلق مشاكل اقتصادية عديدة للقيادة السّياسية في بكين، والتي تعيش وضعاً صعباً للغاية نتيجة الأزمة الصحية التي يعرفها المجتمع الصيني بسبب تفشي وباء كورونا وانخفاض أسهم كبريات شركاتها الاقتصادية في الأسواق الدولية.
وذلك بالرغم من التداخل المصلحي والاقتصادي بين الغرب والصين، كما يرى ثعلب السّياسة الخارجية الأمريكية هنري كسينجر الذي يعتبر الصين بلداً منافساً، وفي نفس الوقت مكمل اقتصادي لا غنى عنه للولايات المتحدة الأمريكية التي ليس من مصلحتها حسب المنظور الادراكي النسقي الهارموني أن تدخل في صراع مع قوة عظمى مثل الصين التي تتفوق على خصمها السّابق الاتحاد السوفياتي تكنولوجياً واقتصادياً ومعرفياً باعتبار أن المارد السوفياتي الأحمر لم يكن نداً لأمريكا سوى في المجال العسكري.
وبالتالي فبلاد العم سام حتىّ وإن استطاعت تطويق الصين عن طريق تشكيل حلف ناتو أسيوي، فإن ذلك سيؤدي لالحاق الضرر بالاقتصاد الأمريكي في المقام الأول، وهو الذي بات يعتمد في المجمل على صادرات الصين من المواد الأولية والتقنيات التكنولوجية المتطورة التي تستعمل في الصناعات التحويلية، لأن سياسة الاستحواذ الصينية المطبقة بنجاح طوال عقود، قد سمحت لها بالسيطرة على الكثير من الشركات الاقتصادية الأمريكية المهمة كجنرال الكتريك وليجندري أنتر يمنت….الخ. وهذا ما ركز عليه هنري كسنجر في تصريحاته التي أدلى بها في الندوة الفكرية المنظمة من طرف مؤسسة ماكين، فواشنطن حسب وجهة نظره عليها الانتقال من سياسة الاحتواء لتبني استراتيجية سياسية توافقية مع الصين التي أصبحت واقعاً دولياً في لعبة التوازنات الدولية لا مناص من التعامل معه. كما ذكر موقع Independent عربي، بتاريخ 16ماي/أيار 2021م، في مقال بعنوان ( كسينجر ورؤيته حول الصين).
وبالنظر إلى ما سبق فإن نفوذ أمريكا كدولة عظمى قد بدأ في التأكل تدريجياً ، وفي العديد من المناطق الجيواستراتيجية المهمة وعليها تبني استراتيجية مختلفة كلية عن السّابق وبناء أليات وميكانيزمات وتحالفات تبني على المصالح المتبادلة واحترام ثقافات الدول والشعوب والحضارات الأخرى بدل التحالفات الحالية المبنية على الخضوع والسيطرة والتحكم والاستغلال، إن أرادت البقاء كلاعب مهم على السّاحة الدولية، التي تشهد تغيرات متسارعة بدأت الكفة فيها تميل لصالح بكين وموسكو وبيونغ يونغ ولكل الدول التي تدور في فلك هذا المحور الشرقي المشكّل حديثاً والمعول عليه كثيراً لحل الكثير من الملفات الدولية العالقة بعيداً عن الهيمنة والاملاءات الأمريكية الغربية.
عميرة أيسر _ كاتب جزائري
2023-01-14