استرداد الطاقة من المستبد الفاسد وعائلته!

جمال الطاهات

في الوقت الذي يتجه العالم -بفضل التطورات التقنية المعاصرة- إلى تخفيض كلفة الطاقة نحو الصفر، باعتبار ذلك أساس للمضي في مسيرة التقدم الإنساني، يعاني الأردن من ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة، بسبب احتكار المستبد الفاسد وعائلته لهذا القطاع، الذي يؤدي للارتفاع الجنوني لأسعار الطاقة في الأردن.

والعديد من التجارب تثبت أن الأردن -وإن لم يكن دولة نفطية- فإن موقعه الجغرافي يمكنه من أن يتمتع بكافة مزايا الدول المنتجة للنفط، بما فيها عائدات ضخمة من اقتصاديات الطاقة، وأسعار منخفضة جداً لها، وتمويل فاتورة الطاقة بالعملة المحلية.

إن نقطة البداية هي كف يد المستبد الفاسد وعائلته عن كافة قطاعات الدولة بما فيها قطاع الطاقة، وتفكيك بنيته الاحتكارية. فهولندا على سبيل المثال، مساحتها أقل من نصف مساحة الأردن، تحوي 15 مصفاة نفط -ولأنها ملكية دستورية- لا تستطيع العائلة المالكة فيها نهب المنح النفطية أو تسيطر على احتكارات قطاع الطاقة لنهب الشعب. فقد تمكنت هولندا من الحصول على كل مزايا الدولة النفطية، وأهمها على الإطلاق تمويل استهلاك السوق الهولندي من النفط بالعملة المحلية، وحصول خزينتها على عائدات هائلة من مصافي النفط، تزيد عن حاجتها لتمويل استهلاكها من الطاقة، وتحول الفائض لتمويل رفاه الشعب الهولندي.

في الوقت الذي قدرت فيه عائدات الخزينة الهولندية من مصفاة النفط التي تملكها شركة نفط الكويت، في ميناء روتردام الهولندي، بأكثر من 5 مليارات دولار سنوياً، سرق الملك المستبد الفاسد في الأردن المنحة النفطية الكويتية في عهد حكومة فيصل الفايز، ومنعت عائلته الفاسدة الكويت -وغيرها من الدول النفطية على مدى عقود- من بناء مصفاة نفط في الأردن، لينفردوا في احتكار قطاع الطاقة.

وعند تحرير قطاع النفط الأردني من احتكارات المستبد الفاسد وعائلته، سيكون بالإمكان بناء العديد من مصافي النفط في الأردن، وستكون عائدات تصدير المشتقات النفطية من هذه المصافي، كافية لتغطية فاتورة الأردن من الطاقة. إن نشوء صناعة تكرير النفط في الأردن -لا يحتاج إلى استثمارات من قبل الدولة-. فعند إلغاء الاحتكارات في قطاع النفط والطاقة في الأردن، ستحصل الخزينة الأردنية على عائدات فورية من ترخيص أي مصفاة نفط، وستحصل عائدات من تصدير المستقات النفطية، وضريبة معقولة على المستهلك الأردني.

كما أن تطوير وتعدد صناعة تكرير النفط في الأردن، يترافق مع عشرات آلاف فرص العمل، أكان العمل المباشر في محطات تكرير النفط، أو من خلال العمل في الصناعات التكميلية، التي سيكون إنشاؤها مجدياً مالياً واقتصادياً، إضافة إلى الصناعات التي يمكن لها أن تنشأ من تصنيع المنتجات الثانوية، التي ستنخفض كلفة مدخلاتها وكلف الطاقة الضرورية لإنتاجها.

وما ينطبق على النفط ينطبق على الكهرباء. المطلوب من الحكومة أن ترتاح وتلغي احتكارات انتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية، وأن تقتصر مهمتها فقط على تأمين شبكة التوزيع المركزية للطاقة الكهربائية، عندها سوف تنشأ العديد من محطات انتاج وتوزيع الكهرباء، وستحصل الخزينة على عائدات فورية عند انشاء كل محطة، وهذه المحطات سوف تؤمن حالة أكثر استقراراً لشبكة التوزيع الوطنية، فمعامل استقرار الشبكات الكهربائية يتناسب طردياً مع عدد المصادر التي تزودها بالطاقة الكهربائية، كما أن الفاقد الإجمالي من خلال عمليات نقل الطاقة الكهربائية، يتناسب عكسياً مع زيادة مصادر تزويد الشبكة بالطاقة الكهربائية، فكلما زادت مصادر تزويد الشبكة بالطاقة الكهربائية تقل نسبة الفاقد عبرها. وهذا سيؤمن للخزينة عائدات هائلة (من رسوم الترخيص وبدلات العبور عبر الشبكة الوطنية) دون رفع أثمان الكهرباء.

وإن إلغاء احتكار المستبد الفاسد وعائلته لقطاع الطاقة بما فيها الكهرباء، سيمكن من نشوء صناعة وطنية متطورة، توظف التكنولوجيا المعاصرة، وتزيد مساهمة المصادر المتجددة (شمس ورياح وغاز طبيعي…) للطاقة الكهربائية وتكاملها في خليط الطاقة المستهلكة محلياً، يضاف إلى ذلك استثمار الكميات الهائلة من غاز الميثان الناتج في محطات تكرير المياه العادمة، والتي تذهب هدراً.

إن إلغاء احتكار المستبد الفاسد وعائلته لقطاع الطاقة (النفط والغاز والكهرباء)، يمكّن من زيادة عائدات الخزينة من هذه القطاعات، ويؤدي إلى تخفيض أسعار الطاقة إلى ما دون نصف أسعارها الحالية في ذات القوت، إضافة إلى تعزيز تنافسية القطاعات الحيوية المركزية في الاقتصاد الأردني، ومنها قطاعي النقل والسياحة، ما يؤدي إلى زيادة جاذبية الاقتصاد الوطني للصناعات التي تمثل الطاقة مدخل أساسي في عملها، مع ما يرافق ذلك من فرص عمل ومن زيادة لعائذات الخزينة من الضرائب المباشرة.

فعند إلغاء الاحتكارات يمكن تخفيض أسعار الكهرباء إلى النصف بشكل فوري. إذ أن هناك ثلث انتاج الطاقة الكهربائية لا يتم استثماره، وفي حال تخفيض السعر إلى النصف، من المتوقع أن يتم استهلاك كامل طاقة الإنتاج الحالية، ويرفع الطلب على الطاقة الكهربائية ويتيح المجال لزيادة المصادر المتجددة والتكميلية لإنتاج الكهرباء. ما يعني تعويض الخزينة ثمن الثلث المهدور دون إيذاء الاقتصاد الوطني، وتوفير الوقود المستهلك في الاستعمالات المنزلية، ورفع مستوى الحياة، وتقليل الأمراض الصدرية، وتحسين الأداء المالي للمرافق السياحية التي تبلغ فاتورتها من الكهرباء حوالي ثلث الكلف الشهرية، وتشجيع الاستثمار في العديد من القطاعات.

أخيراً، عند استرداد الدولة سلطة وموارد من المستبد الفاسد وعائلته وبناء الدولة الحقيقية، التي لا احتكارات فيها، ويتم تصفية احتكارات الطاقة، ستنخفض أسعار الطاقة إلى ما يقارب نصف معدلها الحالي، وستزدهر الصناعات وتنخفض البطالة، وتزداد عائدات الخزينة، وتتحرر البلديات والحكومات المحلية من النهب الذي تتعرض له، ما يجعل الأردن نموذجاً للدولة الحقيقية التي تؤمن رفاه شعبها وازدهاره وتخدم مصالحه، وتعبر عن قيمه العليا في ذات الوقت دون مساومات.           

  ‎2022-‎12-‎10