انقلاب المانيا بين الحقيقة والوقائع ‎‎!

يونس عودة

رغم تناقل وسائل الاعلام الدولية ما أعلن عن محاولة انقلاب في المانيا، إلا أن الاهتمام الدولي والإعلامي ضمنًا ــ رغم النفخ في خبر الاعتقالات ذات الصلة بحد ذاته ــ لم يكن على قدر حدث حقيقي مرماه الأساسي الاستيلاء على السلطة.

 

المتهم في العملية حركة سياسية أطلقت على نفسها اسم “حركة مواطني الرايخ” وهي حركة تشكلت مُنذ ثمانينيات القرن الماضي في ألمانيا، والمنتمون اليها لا يعترفون بالدولة الألمانية الحديثة ولا بقوانينها، ويمتنعون عن دفع الضرائب والمخصصات الاجتماعية، ولا يحملون هويات أو جوازات سفر ألمانية، ولديهم هويات خاصة بهم، كما أنهم يطالبون بأن تعود حدود الدولة الألمانية إلى عهد الإمبراطورية الألمانية الثالثة.

 

ألقت السلطات القبض على 25 شخصًا من أصل 51 خلال عمليات دهم واسعة شملت 11 ولاية ألمانية من أصل 16 ولاية تتكون منها المانيا، وبين هؤلاء عسكريون وسياسيون سابقون ومحامون وشارك فيها 3 آلاف من أفراد وحدات النخبة في جهاز مكافحة الإرهاب. واستهدفت عمليات الدهم “الذين يخططون لاقتحام البرلمان والاستيلاء على السلطة، وتنفيذ هجمات مسلحة على مؤسسات تشريعية ألمانية أخرى” وفقًا لبيان المدعي العام الألماني، الذي قال أيضًا إن هؤلاء كانوا يتشاورون ويحاولون تنظيم عمليات اقتحام لمؤسسات الدولة الألمانية، والتخطيط لقلب نظام الحكم فيما يُشبه الانقلاب واعادة الملكية من خلال تنصيب ملك لا يعترف بالنظم الحالية في أوروبا ولا سيما في المانيا القائمة على انقاض المانيا الهتلرية النازية.

 

إن الرأس المتهم حتى الآن في محاولة عملية الانقلاب المفترضة رجل في الـ71 من العمر يوصف بـ “الأمير” ويُدعى هاينريش الثالث عشر، كان له دور محوري في ما يتعلق بالمخطط الانقلابي. ووفقًا للمدعين الفيدراليين، فإن هاينريش “هو واحد من اثنين من زعماء العصابة المزعومين، وإن من يستخدم لقب الأمير وينتمي إلى البيت الملكي (رويس)، الذي حكم أجزاء من ألمانيا الشرقية، تواصل مع ممثلي روسيا، الذين اعتبرتهم المجموعة جهة الاتصال المركزية لتأسيس نظامها الجديد بمجرد الإطاحة بالحكومة الألمانية.

 

وقالت وزارة الداخلية الألمانية إن التحقيقات مع العناصر التي جرى اعتقالها كشفت عمق التهديد الإرهابي في الداخل وإن القانون سيطبق بحزم ضد العناصر المتطرفة. وأعلنت اعتقال ضابط سابق في الجيش الألماني يبلغ من العمر 64 عاما تربطه صلات بجماعة يمينية متطرفة مشتبه في أنها كانت تستعد للإطاحة بالدولة في ألمانيا بصورة عنيفة.

 

من بين المعتقلين الـ25 بيرجيت مالزاك وينكمان عضو البوندستاغ (البرلمان الاتحادي) السابقة عن حزب البديل من أجل ألمانيا، وهي محامية وقاضية وسياسية. كان من المفترض بعد الاستيلاء على السلطة أن تصبح بيرجيت مالزاك وينكمان وزيرة للعدل، كما أُلقيَ القبض على مواطنة روسية تُدعى “فيتاليا. ب”. ومن خلال هذا التوقيف غير الواضح الأسباب حاولت وسائل اعلام غربية كالعادة أن تأخذ الأمور إلى غير حقيقتها من خلال الإيحاء بأن هناك تورطًا روسيًا في تدبير المحاولة الفاشلة.

 

وبحسب البيان، فإن الزعيم المفترض للمجموعة المتهمة، تواصل مع ممثلي السفارة الروسية في ألمانيا، لكن الادعاء العام لا يمتلك أدلة تشير إلى استجابتهم لطلبه ولا تتوفر أدلة تثبت ضلوع أي من المسؤولين الروس في دعم مخطط الانقلاب المزعوم في ألمانيا. 

 

بين المعتقلين شخصان احدهما أوقف في النمسا والآخر في إيطاليا وأعلنت السلطات الإيطالية ان المعتقل ضابط سابق في الجيش الألماني يبلغ من العمر 64 عامًا تربطه صلات بجماعة يمينية متطرفة مشتبه في أنها كانت تستعد للإطاحة بالدولة في ألمانيا بصورة عنيفة.

 

كل تلك التهويلات التي لا تبدو قوية من حيث تشخيص مراميها لم تلق التفاعل الدولي المطلوب والذي يرتقي الى سيل من ردود الفعل، أكان في الإدانة أو وضع الإمكانات في الخدمة حتى أن الولايات المتحدة المعروفة بأنها الجهة رقم واحد في تدبير الانقلابات في العالم لم ينبس مسؤولوها ببنت شفة باستثناء بيان مجاملة قالت فيه المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان: “نحن على اتصال بزملائنا في ألمانيا ومستعدون للمساعدة إن طلب منا ذلك”.

 

لم يكن أحد في العالم حتى في الخيال يتوقع أن تعود الانقلابات إلى دول تسمي نفسها العالم الأول باعتبار أن الانتظام العام غير مهدد إلا أن التجارب في الحكم والاقتصاد على الطريقة الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أثبتت فقدان تلك الأنظمة ذات الروح الاستعمارية والديمقراطية الوهمية مبررات استمراريتها، ولا سيما في السياسية، بعدما كشفت عن نفسها بأنها مجرد بيادق صغيرة في يد اميركا. وليس التظاهرات التي تعم الدول الأوروبية دون أن تنال اهتمام الصحافة الغربية والقنوات المؤلفة إلا حالات تمرد تساهم في اهتزاز أعمدة بقاء السلطات التي فقدت خاصّيتها الشعبية.

 

إن محاولة الإضاءة على حركة تستمد أفكارها من النازية من خلال نفخها بأن لديها 52 مطلوبًا في 16 ولاية لا يعدو كونه محاولة جذب الانتباه إلى أمكنة أخرى مع الغضب الشعبي المتعاظم من سياسة الحكام، خصوصًا أن الاحتجاجات التي تشهدها القارة الأوروبية وليس المانيا فحسب تؤكد على مناهضة الناتو وافعاله القذرة ورفض القواعد الأميركية في بلادهم كما رفض عودة العسكرة وسباق التسلح ووضع أوروبا بمواجهة القوى والدول التي كانت تساعدها وفتحت لها أذرعها سواء ايران أو روسيا أو الصين.

 

في الجوهر فقد الأوربيون المبادرة وزمامها منذ زمن، وأظهرت الحرب في أوكرانيا مدى التبعية لواشنطن، ولذلك فإن الغبار يمكن ان يحجب الوقائع، لكنه سينقشع ولو بعد حين، وعندها ستظهر نتائج فقدان زمام المبادرة.

 

السياسة الأميركية هي التي تسببت بهذه “الفوضى”، فواشنطن وعدت أوكرانيا بالانضمام إلى الناتو، مدركة أن ذلك يهدد الأمن الروسي بشكل مباشر. وأرادت واشنطن إضعاف ليس فقط روسيا بل وألمانيا أيضًا، وذلك من خلال إجبار برلين على شراء الغاز الأمريكي باهظ الثمن بدلا من الغاز الروسي الرخيص.

 

ليس ما قاله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن المستهلكين في دول الاتحاد الأوروبي يضطرون لدفع أسعار عالية لموارد الطاقة المستوردة من الولايات المتحدة كلامًا عابرًا، إلا اذا كان للاستهلاك وتمرير الوقت.

 

لقد أعلن الرئيس الفرنسي أنه يوجد خلل في الوضع السائد اليوم بين الولايات المتحدة وأوروبا، ويبدو واضحًا حدوث ارتباك في التناغم الذي كان قائمًا بينهما. والسبب يكمن في الطاقة، فأوروبا تشتري الغاز والنفط من الولايات المتحدة، وهناك فرق في أسعار موارد الطاقة، وهذه الفجوة الكبيرة تؤثر على القوة الشرائية والقدرة التنافسية لسكاننا.

 

في الواقع هنا بيت القصيد، وليس زوبعة الانقلاب في المانيا إلا من أدوات الزينة للهروب من مواجهة الواقع.

‎2022-‎12-‎10