في “الإنزواء الأمريكي”!

معن بشور

(مداخلة ألقيت في مؤتمر علمي بعنوان “ملامح النظام العالمي الجديد” بدعوة من المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان بتاريخ 7/12/2022)

بداية لا بدّ من شكر خاص للأخوة في المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان، ولسماحة المستشار الثقافي السيد كميل باقر على تنظيم هذا المؤتمر العلمي الهام حول ملامح النظام الدولي القادم، لاسيّما من حيث زمان هذا اللقاء ومكانه.

فزمان هذا المؤتمر يأتي فيما

العالم كله يدرك أنه يعيش مرحلة انتقالية كبرى، يخرج فيها من حال إلى حال، وهو يسعى لأن يتلمس طبيعة الحال التي سيقوم عليها في قادم الأيام.

أما المكان فهو لبنان الذي يسجّل له العالم أيضاً، أنه رغم صغره ومحدودية إمكانياته قد ساهم عبر مقاومته الباسلة الممتدة على مدى عقود، في إرباك مشروع استعماري خطير كان قائماً يسعى إلى الهيمنة على العالم كله، وعلى منطقتنا بشكل خاص.

أما أن تبدأ هذا المؤتمر بمناقشة محور “الانزواء الأمريكي” فهو نابع من إدراك المنظمين أن أبرز ملامح النظام العالمي الجديد هو في انزواء الهيمنة الأمريكية على العالم التي كانت سائدة على مدى ثلاثة عقود، وبالتالي فأن  النظام الجديد على المستوى العالمي سيقوم على علاقات من نوع جديد، أولها و باختصار تعددية قطبية على المستوى العالمي بدلاً من نظام القطب الواحد، كما على تعددية قطبية على المستوى الإقليمي حيث لم يعد ممكناً تجاهل قوى إقليمية في قارات العالم كله لدى أي حديث عن نظام عالمي جديد.

واعتقد أن القيمين على التحضير لهذه الحلقة قد تريثوا بعض الشيء قبل أن يختاروا “الانزواء الأمريكي” مصطلحاً لتوصيف حال النفوذ الأمريكي المتراجع، بعيداً عن مصطلحات شائعة  كسقوط وانهيار وغيرهما، مما قد يتجاهل معادلة ما زالت قائمة وهي أن الولايات المتحدة لم تعد قوية لتهيمن، ولكنها لم تصبح ضعيفة إلى حدّ السقوط والانهيار.

ولعل اختيار هذا المصطلح يفتح المجال لمناقشة حال الولايات المتحدة وأسباب تراجعها، وهي أسباب داخلية وخارجية في آن معاً، وللتاريخ كنّا في المؤتمر القومي العربي قد أشرنا في عدّة أوراق وتقارير، ومنذ بداية هذا القرن وتحديداً بعد احتلال العراق عام 2003، وفي ظلّ انبهار العالم بالقوة الأمريكية، لاسيّما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي إلى خلل بنيوي عميق في النظام الأمريكي سيؤدي إلى تراجعه، لاسيّما إذا واجه مقاومة جادة من قوى التحرر والمقاومة في المنطقة والعالم.

ولقد وصف التقرير السياسي للدورة الثلاثين للمؤتمر القومي العربي المنعقدة عام 2019، والذي أعدّه بعناية الأمين العام السابق للمؤتمر والمحلل البارز الدكتور زياد حافظ بأن أمّتنا العربية والإسلامية تشهد تقدماّ استراتيجياً مع تراجعات تكتيكية، فيما أعداؤها يشهدون تقدماً تكتيكياً في بعض المواقع فيما يشهدون تراجعات استراتيجية على المستوى العالمي، ولعل في هذه الملاحظة ما يعزّز الانطباع بأن الدولة الأقوى في العالم، وهي الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تمرير سياساتها في كل مكان في العالم،

 أن ما يجري داخل الولايات المتحدة نفسها من أزمات اقتصادية واجتماعية وانقسامات سياسية عمودية حادة، وما يجري في أمريكا اللاتينية من خروج دول سبع حتى الآن من فلك السياسة الأمريكية، كما في إفريقيا وآسيا، ناهيك عن التململ الأوروبي الحاصل بسبب تداعيات الحرب في أوكرانيا، ثم في تنامي نفوذ محور الصمود والمقاومة في الأمّة، وتنامي الحركة الشعبية العربية لمناهضة التطبيع و “صفقة القرن” وهو ما ظهر بمونديال الدوحة، تجعلنا ندرك حجم التراجع الذي مني فيه النفوذ الأمريكي في العالم، وبالتالي حجم التراجع الذي أصاب بالخيبة كل من تصرف على أساس أن 99 % من أوراق اللعبة بيد واشنطن، وهي معادلة قادت العديد من حكوماتنا العربية والإسلامية إلى سياسات الخنوع والاستسلام للمشيئة الأمريكية والصهيونية، وهو ما زاد في نفوذ واشنطن وتل أبيب في العقود الماضية.

أما التراجع الأميركي على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي يعود ايضا إلى الخلل البنيوي في النظام السياسي والاقتصادي وإلى الانحدار في مستوى الأداء السياسي والاقتصادي والعسكري في آن واحد.

الخلل البنيوي يعود إلى فقدان التوازن بين السلطات الثلاث التي أصبحت خاضعة لحكم المال.  فالدولة العميقة التي كان عمودها الفقري المجمع العسكري الصناعي أصبحت خاضعا لحكم المال.  وحكم المال هو ما تقرّره زمرة ضيقة مكوّنة من أربع مؤسسات مالية تسيطر على خمس مؤسسات مالية مصرفية تملك 75 بالمائة من الأصول المالية في الولايات المتحدة.  وهذه المؤسسات المالية هي صناديق استثمار لا تستثمر فقط في القطاع المالي ولكن أيضا في جميع القطاعات الاقتصادية. كبيرة هذه المؤسسات هي مؤسسة بلاك روك التي يديرها لاري فينك تدير محفظة استثمارية تقدّر ب 13 تريليون دولار.  مدخولها يقدّر ب 13 مليار دولار سنويا.

التمركز في القطاعات الاقتصادية سهّل السيطرة عليها وبالتالي على مؤسسات الدولة بما فيها القضاء.  المال يحكم الولايات المتحدة وليس الاقتصاد والانفصام بين المال والاقتصاد هو سبب الخلل.  والتراجع الاقتصادي هو نتيجة حكم المال وقوّامة السياسات النقدية على كل شيء آخر.  الاقتصاد الأميركي تحوّل من اقتصاد فعلي إلى اقتصاد افتراضي كشفت جائحة الكورونا الخلل فيه.  فسلسلة التوريد انقطعت وتبيّن أنها تم توطينها في الخارج.

دور المال في الافساد السياسي دور مطلق حيث حتى الضوابط الدستورية أصبحت متآكلة بسببه.

والمال المسيطر أفرز نخبا سياسية موالية لها وخاضعة لأجندتها السياسية وليس للجمهور الأميركي.  لذلك أصبحت السياسات الأميركية داخليا وخارجيا منقطعة عن مصالح الأميركيين.

الأداء العسكري هو أيضا نتيجة الافساد المالي.  فالضباط الكبار يهتمون بمرحلة تقاعدهم ويعملون للحصول على مواقع في مراكز الأبحاث والشركات الصناعية العسكرية المموّلة من قبل الطغمة المالية ما  يجعلها يساهمون في بلورة سياسات خارجية لا تلبّي المصالح الأميركية بل مصالح المجمع العسكري الصناعي والمالي والتكنولوجي.

الترسانة الأمريكية فقدت قدرتها تزويد الجيش الأميركي بالأسلحة بسبب فقدان القاعدة الصناعية التي تستطيع أن تتحوّل إلى قاعدة إنتاج عسكرية كما حصل في الحرب العالمية الثانية. البنية الصناعية اليوم في الولايات المتحدة أصبحت هزيلة مقارنة عما كانت عليه خلال الحرب العالمية الثانية وحتى الثمانينات من القرن الماضي عندما أقدمت على توطين قاعدتها الصناعية في دول الجنوب الإجمالي وتحولها إلى اقتصاد لما بعد الصناعة.

بشكل مختصر التراجع الأميركي يعود إلى فقدان القدرة الإنتاجية وإلى رداءة النخب الحاكمة وذلك يعود إلى الخلل في النظام السياسي والاقتصادي القائم إضافة إلى موجة ثقافية هدفها تدمير أسس التماسك الاجتماعي كالعائلة والدين والقيم.

في ضوء هذا التراجع الأمريكي، أو “الانزواء” ،كما يريد القيّمون على هذه الورقة أن يسمونه، لا بدّ من طرح بعض التساؤلات:

أولها: هل كنّا فعلاً أمام نظام عالمي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيين وأدواتها الكيان الصهيوني، أم كنّا أمام “فوضى عالمية منظمة” كنت قد تحدثت عنها في مقال لي في مجلة “المنابر” عام 1991، بعد إعلان جورج بوش الاب لأول مرّة عن نظام عالمي جديد بعد حرب الخليج الأولى إثر غزو الكويت في 2 آب 1990، تلك الفوضى التي نعيشها اليوم في لبنان كما في العديد من بلدان العالم، وهي فوضى منظمة تديرها الإدارة الأمريكية وحلفاؤها في إطار إضعاف هذه البلدان والمجتمعات بهدف إخضاعها.

السؤال الثاني: هو هل لاحظنا أن مواعيد إعلان المسؤولين الأمريكيين عن ولادة نظام عالمي جديد تأتي بعد حروب خاضتها في المنطقة، وأنها جميعها متصل بشكل أو بآخر بمشاريع إقليمية ذات علاقة بفرض علاقات على الدول العربية مع الكيان الصهيوني.

أول تلك الاعلانات كانت عام 1991، بعد حرب الخليج الأولى وقد أعلنها يومها الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب ممهداً بذلك لمؤتمر مدريد وما تلاه من اتفاقيات في أوسلو ووادي عربة.

وثاني تلك الإطلالات جاءت بعد احتلال العراق عام 2003، على لسان بوش الابن الذي رأى في احتلال العراق مقدّمة لزعزعة الاستقرار في سورية ولبنان ومصر وليبيا واليمن والجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولإشعال الانقسامات والتوترات داخل فلسطين والعديد من أقطارنا العربية والإسلامية.

وثالث تلك الإعلانات جاء على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس خلال الحرب الإسرائيلية في تموز – آب 2006، على لبنان، اعتقاداً منها أن بمقدور حليفها الصهيوني القضاء على المقاومة وإزالة عقبة كبيرة من وجه مخططها للسيطرة على المنطقة.

إن الوقوف أمام هذا التساؤل هدفه الإشارة إلى عمق ألترابط بين قيام النظام الدولي الراهن وبين مصير أمّتنا العربية والإسلامية، بل إلى أن قدرة أرباب هذا النظام على فرضه على العالم مرهون بقدرتهم على فرضه على أمّتنا العربية والإسلامية، وبالتالي فأن تراجع هذا النظام الأحادي القطبي مرتبط بما يواجهه من مقاومة وصمود في هذه المنطقة، بدءاّ من العراق حيث انطلقت المقاومة مع الاحتلال عام 2003، إلى لبنان الذي هزم العدو عام 2006، إلى سورية التي صمدت على مدى 11 عاماً بوجه أشرس حرب كونية، إلى اليمن الذي يواجه أيضاً حرباً عليه وفيه منذ سنوات طويلة، ناهيك عن صمود الجمهورية الإسلامية في إيران منذ قيام الثورة عام 1979 وحتى اليوم بوجه الضغوط والتهديدات والمخططات الأمريكية – الغربية – الصهيونية.

يبقى السؤال الأخير والأكثر أهمية وهو كيف نستطيع كأمّة عربية وإسلامية وحركة تحرّر عالمي أن نستفيد من هذا “الانزواء الأمريكي” من أجل أن يكون لنا دور في صياغة النظام العالمي الجديد.

الجواب بسيط جداً هو أن تجري كل قوى الأمّة الحيّة وتيارات الفكرية والسياسية الملتزمة بمشروع تحرر الأمّة ونهضتها مراجعة موضوعية جريئة لتجربتها في أقطارها، وفي علاقاتها مع بعضها البعض فتسعى إلى الخروج من أسر الماضي وأخطائه وأحقاده، إلى الاستفادة من دروسه والدخول إلى رحاب الحاضر والمستقبل بجبهة عربية – إسلامية – عالمية، عمادها المقاومة التي أثبتت أنها ،بكل أشكالها ،السلاح الأمضى في مواجهة أعداء الأمّة.

ولاستكمال هذا الجواب لا بدّ من التذكير الدائم بأن فلسطين هي مركز الصراع، بل هي القضية المركزية لشرفاء الأمّة ولأحرار العالم وأن نجتمع كلنا حولها

لقد اطلقت يوم انتخابي أميناً عاماً للمؤتمر القومي العربي في دورته 13 عام 2003، في صنعاء معادلة اعتقد أنها ما زالت صالحة حتى اليوم، هي معادلة الميمات الأربع: مقاومة، مراجعة، مصالحة، مشاركة، وذلك عبر معادلة التاءات الثلاث هي التواصل والتكامل والتراكم.

‎2022-‎12-‎09