مذكرة “سرية”.. هكذا تهرّب بوش من المسؤولية عن أحداث 11 سبتمبر!

الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن في فيلاديلفيا عند إطلاقه "تحرير  العراق" في مارس 2003 (أرشيف)

كشفت مذكرة “سرية” حول أحداث 11 سبتمبر/أيلول عمّا دار وراء الكواليس في اجتماع “غير اعتيادي” على الإطلاق عام 2004، عندما كانت لجنة التحقيقات الخاصة بالحدث الذي هز العالم آنذاك تُسائل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، الذي امتنع عن الإقرار بتلقي تحذيرات من حكومته قبل الهجوم، بحسب موقع Business Insider الأمريكي.

 

وظل الحديث الذي دار في ذلك الاجتماع سراً لنحو عقدين من الزمن، قبل أن ترفع الحكومة الأمريكية السرية عن “مذكرةٍ للتدوين” تضم الملاحظات التي دوّنها أعضاء لجنة التحقيق خلال ذلك الاجتماع، الذي كان يحضره بوش ونائبه ديك تشيني.

 

كان بوش يستضيف لجنة التحقيقات بالبيت الأبيض في الـ29 من أبريل/نيسان عام 2004، ضمن اجتماع استثنائي أتاح الفرصة لأعضاء لجنة العشرة من أجل طرح أي أسئلةٍ يريدونها عن الأحداث على بوش ونائبه.

بوش تهرَّب من المسؤولية

تُظهِر الوثيقة محاولة أعضاء اللجنة منح بوش عدة فرص للإقرار بالتحذيرات الموثقة المتعددة التي تلقاها من حكومته. إذ أخطرته الحكومة في أكثر من مناسبة باحتمالية شن تنظيم القاعدة هجوماً وشيك. لكن بوش عزف عن الإقرار بتلقيه تلك التحذيرات، واختار تمرير المسؤولية بدلاً من ذلك.

 

ولا شك في أن أكبر “مراوغات” بوش في ذلك اليوم كانت تتعلق بمدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق، جورج تينيت. إذ قال بوش: “كان التهديد خارج البلاد.. هذا ما قاله تينيت”. لكن أشهر تحذيرٍ تلقاه بوش جاء خلال تقرير إحاطة من وكالة الاستخبارات المركزية بعنوان: “بن لادن عازمٌ على ضرب الولايات المتحدة”.

 

ومع ذلك، سنجد أن محاولات بوش “الخرقاء” تقديم الأعذار وإعادة كتابة التاريخ لم ترد في تقرير لجنة 11 سبتمبر/أيلول. ولا عجب في تصريح عضو اللجنة ريتشارد بن فينيست لموقع “بيزنس إنسايدر” الأمريكي بأنه ما تزال لديه أسئلة حول ما كان بوش يعرفه تحديداً، وتوقيت معرفته بتلك المعلومات.

 

ولم يكن اجتماع المكتب البيضاوي مجرد محادثةٍ شديدة الحساسية، بل كان يُعقد في توقيتٍ محفوف بالمخاطر بالنسبة لبوش قُبيل ترشحه لولايةٍ ثانية. وربما كان هذا هو السبب وراء تجاهل بوش أي اقتراح بالحاجة لاختتام الاجتماع سريعاً، حيث استمر في الإجابة عن أسئلة اللجنة لأكثر من ثلاث ساعات.

 

يُذكر أن البيت الأبيض تفاوض لإجراء الاجتماع المشترك بحضور بوش وتشيني، من أجل الإجابة عن الأسئلة معاً. لكن بوش لم يكُن مرحباً بذلك الترتيب.

 

بينما قال حاكم نيوجيرسي السابق توماس كين، أحد أعضاء اللجنة، للموقع الأمريكي: “كان الرئيس على اطلاعٍ جيّد وأجاب عن أسئلتنا بالكامل. وكان سلوك الرئيس هادئاً طوال الاجتماع، ورد على جميع الأسئلة دون النظر في الملاحظات”.

“تلقى تحذيرات 40 مرة”

واستمعت اللجنة إلى تصريحات مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق، تينيت، قبل اجتماع المكتب البيضاوي بأسبوعين. لكن شهادة تينيت العامة أثارت التساؤلات بدلاً من تقديم الإجابات، حيث إنه حذّر بوش في ما لا يقل عن 40 مناسبة منفصلة، من احتمالية شنّ القاعدة لهجومٍ كبيرٍ وشيك، وذلك خلال ربيع وصيف عام 2001.

 

ومع ذلك، اختار بوش قضاء غالبية أيام أغسطس/آب من ذلك العام داخل مزرعته في كراوفورد بولاية تكساس، لقضاء “عطلة عمل”. وبعد فترةٍ وجيزة من وصوله إلى المزرعة، تلقى بوش تقرير الإحاطة اليومي الخاص بالرئيس من وكالة الاستخبارات المركزية، في 6 أغسطس/آب.

 

وحملت الإحاطة تحذيراً مباشراً من نية بن لادن شن هجوم داخل الولايات المتحدة. وبعد نشر تقرير الإحاطة في عام 2004، بدأ العديد من المعلقين التفكير في احتمالية أن بوش فشل في المهمة الموكولة إليه: ألا وهي الحفاظ على سلامة البلاد.

 

لحسن حظ بوش أن التقرير الصادر عن لجنة تحقيقات 11 سبتمبر/أيلول لم يوجه أصابع الاتهام إليه بطريقةٍ مباشرة. حيث تطرّق التقرير إلى وثيقة الإحاطة التي تسلمها بوش بعنوان “بن لادن عازم على ضرب الولايات المتحدة” في 6 أغسطس/آب، لكنه نص صراحةً على “عدم وجود أدلة تشير إلى إجراء أي نقاشات إضافية” من قبل فريق بوش وفريقه بشأن هجوم إرهابي محلي.

سرد الحقائق

يُمكن القول إن لجنة التحقيق اختارت عدم التشكيك في كفاءة بوش. حيث قال بن فينيست: “اخترنا عدم تحميل المسؤولية عن الفشل في منع أحداث 11 سبتمبر/أيلول لشخصٍ بعينه. لكننا قررنا سرد الحقائق التي اكتشفناها، والسماح للعامة والتاريخ بأن يصدروا أحكامهم بناءً على هذا السجل الذي يستعرض الحقائق”.

 

وإذا وضعنا ذلك التقرير بجوار المذكرة التي رُفِعَت عنها السرية مؤخراً، فسنشعر بأن الرواية الرسمية للتاريخ في تقرير اللجنة تبدو منقوصةً ومُنقّحةً لمحو الجزئيات الحساسة. ولا خلاف على أن التقرير تجاهل موقف بوش الدفاعي الذي يتجلّى في المذكرة الجديدة، فضلاً عن محاولاته المستمرة للتقليل من أهمية التحذيرات التي وصلته من تينيت ووكالة الاستخبارات المركزية، بحسب الموقع.

 

وبسؤاله عن التحذيرات التي وصلته قبل الـ11 من سبتمبر/أيلول، التزم بوش بالحديث عن نقاطٍ بعينها في إجاباته. إذ أفاد أولاً بأن تهديد القاعدة الذي عُرِضَ عليه كان “خارج البلاد” بشكلٍ شبه حصري.

 

حيث نصت المذكرة على التالي: “أوضح (بوش) كيف جرت تلك المحادثات. إذ كان تينيت يأتي ليقول: سيدي الرئيس، لدينا تهديد خطير. ثم يبدأ في وصف التهديد. فيلتفت إليه الرئيس ويسأله هو والبقية: ماذا تفعلون حيال الأمر؟ لم يحدث ذلك مطلقاً (أي وجود تهديد داخل أمريكا). لم يقل أي شخصٍ إن لدينا مشكلةً محلية. كان التهديد خارج البلاد -هذا ما قاله تينيت”.

معلومات “ليست كافية” للتدخل

أما عن النقطة الثانية المتعلقة بتهديد القاعدة داخل الحدود الأمريكية، فقد قال بوش إن أحداً لم يخبره بكيفية هجوم القاعدة أو موعد الهجوم ومكانه. وكان بوش يؤمن بعدم وجود “معلومات استخباراتية كافية للتدخل”، سواءً في ما يخص بن لادن أو أفراد القاعدة الموجودين داخل الولايات المتحدة.

 

وأوضح بوش أن تقرير إحاطة السادس من أغسطس/آب “كان مبنياً على السوابق التاريخية بطبيعته”. لكنه زعم أنه لم يتلق أي إخطار باحتمالية شن هجوم على الولايات المتحدة، بخلاف تقرير الإحاطة المذكور.

 

وثالثاً، كان بوش يرى أن تحميل مسؤولية إخفاقات ما قبل 11 سبتمبر/أيلول لأفرادٍ بعينهم لن يكون خطوةً مثمرة. إذ قال: “لا يجب أن يتعلق الأمر بتوجيه اللوم لأشخاص”.

 

بينما نصت المذكرة على التالي: “لقد تضررت البلاد من لعبة توجيه اللوم… ولم ير الرئيس كثيراً من الجدوى في توجيه اللوم الشخصي عن أحداث 11 سبتمبر/أيلول… إذ لم يرغب أحدٌ في حدوث شيء كهذا”.

الغموض لا يزال حاضراً

ويُمكن القول إن قصة بوش تبدو متماسكةً في حد ذاتها، لكن ما تزال هناك بعض الأسئلة المطروحة حول التفاصيل التي ليست متاحةً للعامة. إذ جرى إعداد تقرير من 7000 كلمة لعرضه على أعضاء لجنة تحقيقات 11 سبتمبر/أيلول، لكنه ما يزال سرياً لسببٍ غير مفهوم.

 

ويصف ذلك التقرير تفاصيل جميع التحذيرات المرتبطة بالقاعدة قبيل شن الهجمات، والتي وصلت إلى إدارتي كلينتون وبوش.

 

أما تقرير إحاطة السادس من أغسطس/آب، فشهد إخطار بوش بوجود ما لا يقل عن 70 تحقيقاً جارياً حول بن لادن داخل الولايات المتحدة.

 

بينما قال بوش لأعضاء اللجنة داخل المكتب البيضاوي، إنه تعامل مع تلك التحذيرات بجدية، وطلب من مكتب التحقيقات الفيدرالي إخطاره في حال “وجدوا أي شيء” له علاقة بتلك التحقيقات.

رواية أخرى!

لكن هناك رواية أخرى ظهرت من جانب وكالة الاستخبارات المركزية في هذا الصدد تحديداً بمرور السنوات. وهي التصريحات التي أدلى بها مايكل موريل، مسؤول إحاطة الرئيس بوكالة الاستخبارات المركزية، في عام 2021. ويُذكر أن موريل أصبح نائباً لرئيس الوكالة بعدها.

 

حيث قال موريل: “قدمت وكالة الاستخبارات المركزية تحذيراً استراتيجياً من تهديد القاعدة. وأستطيع القول إنه كان أعلى التحذيرات وأكثرها استمراريةً في تاريخ الوكالة، وحيال أي قضية…”.

 

يضيف: “انتابني شعورٌ قوي في ربيع وصيف عام 2001 بأن تينيت بدأ يُصاب بخيبة أملٍ عميقة في البيت الأبيض. واستشعرت إحساس تينيت بأن البيت الأبيض لم يفهم الأمر. وأعتقد أن خيبة أمله كانت السبب وراء بذله جهوداً إضافية، مثل تولي مسؤولية جلسات إحاطة بوش نيابةً عني، واصطحاب فريق مكافحة الإرهاب للقاء كونداليزا رايس مرتين. وأعتقد أنه كان يبذل ما بوسعه للفت انتباههم”.

ما الذي لم يقله تينيت لبوش عن القاعدة تحديداً؟

تُوضح المراجعة الظاهرية لتصريحات تينيت العامة أن بوش ربما أساء تفسير موقف تينيت من تنظيم القاعدة أمام لجنة التحقيقات، أو ربما فشل في الاستماع إلى تحذيراته بكل بساطة. إذ قال تينيت خلال شهادته أمام مجلس الشيوخ عام 1999، إن “منظمة بن لادن لديها علاقات في جميع أنحاء العالم تقريباً، وحتى داخل الولايات المتحدة”.

 

وأردف تينيت أن “جميع الأمريكيين مستهدفون”، وأن بن لادن “سيضرب في أي مكانٍ بالعالم إذا رأى فيه نقطة ضعفنا”. ثم كرّر تينيت تحذيراته مطلع عام 2001، قائلاً: “أعلن بن لادن أن جميع المواطنين الأمريكيين أصبحوا أهدافاً مشروعة للهجوم منذ عام 1998”.

 

ومن الواضح أن تهديد القاعدة لم يكُن خارج البلاد فقط بالنسبة لتينيت، بل كان تهديداً قائماً في أي زمانٍ ومكان. ومن الصعب التعامل بجدية مع إصرار بوش المتكرر على أنه لم يتلق إخطاراً بتهديدٍ محدد على الأراضي الأمريكية، خاصةً بعد أن يقرأ المرء تقرير إحاطة السادس من أغسطس/آب، بحسب الموقع الأمريكي.

 

ولا خلاف على أن تقرير الإحاطة تطرق إلى هجمات القاعدة السابقة لرسم السياق، لكنه تضمن عدداً من التحذيرات التنبؤية أيضاً ومنها: “يُقيم أعضاء القاعدة داخل الولايات المتحدة أو سافروا إليها منذ سنوات -وبعضهم من المواطنين الأمريكيين- ومن الواضح أن الجماعة لديها هيكل دعمٍ قادر على تقديم المساعدة في الهجمات”.

هل كان بوش يحاول خداع اللجنة؟

تعتمد إجابة هذا السؤال على حقيقتين مجهولتين. وتكمُن الحقيقة الأولى في محتوى تقرير إحاطة آخر قدمه تينيت لبوش في مزرعته يوم 17 أغسطس/آب عام 2001. وتحدّث تينيت عن تلك الرحلة إلى كراوفورد في مذكراته، لكنه لم يذكر ما دار فيها.

 

وبسؤاله عما إذا كانت مسألة القاعدة قد وردت في تقرير إحاطة الـ17 من أغسطس/آب، أجاب موريل قائلاً إنه لا يذكر ذلك. وإذا كان تينيت قد أخطر بوش بأي تحذيرات إضافية عن القاعدة في كراوفورد، فسيعني ذلك أن بوش روى قصةً منقوصة أمام لجنة التحقيق.

“متشدد إسلامي يتعلم الطيران”

أما الحقيقة المجهولة الأخرى فتتعلق بالمعلومات التي وصلت إلى تينيت بعد رحلته إلى كراوفورد، وذلك في صورة مذكرةٍ بعنوان: “متشدّدٌ إسلامي يتعلم الطيران”. وكانت تلك المذكرة تتحدث عن زكريا موسوي، الذي أُدين لاحقاً بتهم التآمر للمشاركة في الهجمات.

 

وأراد عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي تفتيش غرف موسوي وأمتعته، لكن طلباتهم المتكررة قوبلت بالرفض من مشرفيهم. وقال تينيت في شهادته إنه لم يُحِط بوش بأمر موسوي. بينما قال بوش أمام اللجنة إنه لا يتذكر إخطاره بأمر موسوي قبل الهجوم.

 

ومن المحتمل للغاية ألا يكون تينيت قد أخبر بوش بأمر موسوي. إذ كان موسوي مجرد واحدٍ من الأدلة المحددة المتعددة التي حصل عليها مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية.

 

“شهية بوش لتحذيرات القاعدة كانت ضعيفة”

كانت تلك الأدلة ستكشف مخطط الـ11 من سبتمبر/أيلول لو حظيت بالاهتمام الكافي من الوكالتين. ولهذا كانت لجنة التحقيق على صوابٍ عندما وثّقت المشكلات المؤسسية باعتبارها السبب وراء هذه الإخفاقات، التي كان بالإمكان تفاديها. حيث كانت هناك حاجة لتنسيقٍ أفضل بين مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية، وفق الموقع ذاته.

 

لكن تقرير اللجنة لم يضع في اعتباره موقف بوش الشخصي من القاعدة، وتأثيره بالتبعية على طريقة التعامل مع قضايا مثل قضية موسوي. وإذا لم يكُن بوش قد علم بأمر موسوي مطلقاً، فهل يرجع السبب إلى عدم ذكر تينيت للقضية؟ أم هل تجاهل تينيت ذكر القضية لأنه يعلم بتركيز بوش منذ بداية رئاسته على صدام حسين والعراق، ويُدرك أن شهية بوش لتحذيرات القاعدة كانت ضعيفة؟

 

ومن الواضح أن تينيت حاول على مدار أشهر، أن يفعل كل ما بوسعه لدق أجراس الإنذار، وإقناع بوش بالتركيز على تهديد القاعدة. كما فعل ريتشارد كلارك الأمر ذاته، حيث كان مسؤولاً عن ملف مكافحة الإرهاب الداخلي في البيت الأبيض ويرفع تقاريره إلى مستشارة الأمن القومي كونداليزا مباشرةً.

“انظر في أمر العراق”

وكتب كلارك في مذكراته: “اتفقت مع تينيت على أن نحرص على الاستمرار في ملء تقارير الإحاطة اليومية للرئيس بالمعلومات عن القاعدة”. بينما قال له بوش في اليوم التالي لتنفيذ الهجمات: “ابحث في ما إذا كان صدام له دورٌ في الأمر… انظر في أمر العراق”.

 

وزعم كلارك من قبلُ أنه حاول تجاوز كونداليزا ونقل مخاوفه حيال القاعدة إلى بوش مباشرة، لكنه فشل في ذلك.

 

ولا شك في أن عجز كلارك عن إقناع البيت الأبيض بالتركيز على مكافحة الإرهاب محلياً يُدين كونداليزا، لكنه لا يُعفي بوش من المسؤولية، بحسب الموقع الأمريكي.

 

ومن الواضح أيضاً أن بوش تلقى التحذيرات العاجلة نفسها التي كان كلارك يراها بصفةٍ منتظمة، سواءً من جانب تينيت أو وكالة الاستخبارات المركزية. لكن يبدو أن بوش لم يستجب لتلك التحذيرات بالقدر نفسه من القلق الذي ساور كلارك وتينيت.

الناشر

‎2022-‎12-‎04