هل ستستفيد الصين من أخطاء الروس في أوكرانيا؟

عميرة أيسر

كل التقديرات والتحليلات الاستخباراتية الغربية وخاصة الأمريكية باتت عن يقين تام بأن القيادة السّياسية والعسكرية الصينية ستقوم بتنفيذ  عملية عسكرية ضدّ تايوان،  وذلك في إطار استراتيجيتها المتكاملة  لبناء  إمبراطورية عظمى، تكون إحدى القوى الفاعلة المشكلة للنظام الدولي الجديد الذي سيخلق عالماً متعدد الأقطاب حسب رؤية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وذلك في رسالته التي بعثها للقادة العرب الذين شاركوا في اجتماع قمة الجامعة العربية التي عقدت في الجزائر، وهي النقطة المشتركة التي تجمع العديد من قادة الدول الإقليمية الكبرى بما فيها الصين، التي تحاول إيجاد موطىء قدم لها ضمن الخارطة الجيواستراتيجية الدولية وذلك منذ بداية القرن 21م، حيث أن تلك الدولة التي عانت من الاستعمار الغربي لأراضيها، والتي فقدت الكثير من المناطق التابعة لها خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأوشكت على اشعال فتيل الحرب العالمية الثالثة في صراعها الحدودي مع الهند في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم وفي أوج الحرب الباردة، والمحاطة جغرافياً بحوالي 13 دولة، والكثير من هذه الدول الحدودية قد دخلت في حروب عدة مع الصين طوال قرون من أجل اخضاعها والسيطرة على مواردها الطبيعية والتوسع على حسابها، وخاصة خلال القرنين 17و 18م.

هذا بالإضافة لمعاناتها من مشاكل وحروب  انفصالية داخلية  في فترات متقطعة من تاريخها، كان أخرها تلك التي انتهت سنة 1950م، وجرت على مرحلتين الأولى امتدت من سنة 1926 إلى غاية 1937م، والثانية من سنة 1946م لغاية 1950م، وذلك بعد سقوط النظام الامبراطوري في الصين، و  تركزت أساساً بين حزب الكوميتنانغ بقيادة شان كاي تشيك والحزب الشيوعي الصيني المدعوم من طرف الاتحاد السوفياتي بقيادة ماوتسي تونغ، والنتيجة النهائية للحرب الأهلية الصينية كانت انفصال جزيرة فرموزا ” تايوان”  عن الصين. كما ذكر موقع ATOMIYME في مقال بعنوان ( الحرب الأهلية في الصين : تسبب نتائج).

 جزيرة تايوان  التي تعتبر نفسها جمهورية مستقلة لا تزال تعتبرها بكين جزءاً لا يتجزأ  من أمنها القومي، وترفض التسليم بالأمر الواقع الذي فرضته عليها واشنطن التي تعتبر الداعم الأساسي لتايوان في المحافل الدولية،  والشريك  الاقتصادي  والسّياسي لها في غرب أسيا ، وأيضاً  باعتبارها  كانت ولا تزال تشكل  سداً منيعاً في وجه المحاولات الصينية لاسترجاعها عن طريق الضغط الدبلوماسي، فبكين لطالما اعتبرت منذ عهد الرئيس جيمي كارتر من الدول الأسياوية التي شكلت بفضل موقعها الجيوسياسي ومواردها الطبيعية والبشرية الضخمة التهديد الأكبر للمصالح الغربية في أسيا، وهي التي تتبنى ثقافة كونفوشيوسية مختلفة في مبادئها ومعتقداتها عن الثقافة الغربية المتوحشة ذات التوجه الفلسفي الصراعي في علاقة الإنسان مع مختلف مكونات  الطبيعة، فاحتلال الشعوب والدول والسيطرة على مواردها هو حق شرعي مكتسب لهذه الدول الاستعمارية الامبريالية  بحسب الفلسفة الغربية،   ما دام أنها تمتلك القوة والمعرفة والحق الإلهي كما يرى هوبز ونتشه وميكيا فيلي وكل الفلاسفة الغربيين من أنصار  مدرسة التفوق الأوروبي الحضاري العرقي، وهي المدرسة الفلسفية التي لا تزال سائدة لدى مختلف النخب الأكاديمية والعلمية الغربية بما فيها الأمريكية، فهؤلاء قد  سمحوا لأنفسهم  بأن يكونوا أوصياء على أفكار الشعوب والمجتمعات في الدول المستعمرة، وعليهم بالتالي  العمل على تمدينها وعصرنتها عن طريق نشر قيم  الثقافة الليبرالية الغربية في هذه الدول  التي تعتبر ذات أنظمة دكتاتورية قمعية في نظر الغرب كروسيا والصين ودول أمريكا اللاتينية، فحكام الدول النامية  ينظر إليهم  من طرف المفكرين الغربيين كخارجين عن القانون وأنظمتهم لا تتمتع بمعايير الحكم الراشد، حتى ولو كان هؤلاء الزعماء والرؤساء يحظون باجماع وتأييد شعبي واسع، ويحملون قيماً ثورية بروليتارية ويربط مفكرو  الغرب دوماً  التقدم والازدهار بانتشار القيم الديمقراطية الليبرالية التشاركية التي يرونها الحل السحري لكل المشاكل التي تعاني منها الدول والمجتمعات في ظل النظام العولمي الرأسمالي الذي ساد بعد نهاية الحرب الباردة، وفي هذا الصدد يقول المفكر السّياسي الأمريكي فوكوياما في كتابه الأشهر “نهاية التاريخ والانسان الأخير”،  ص 64” علينا أن نكون حذرين في تمييز شروط الانتقال عن الشروط الدائمة، يمكننا أن نتوقع استبدال الماركسي- اللينيني في بعض أجزاء الاتحاد السوفياتي وفي أوروبا الشرقية بدكتاتورين وقوميين وكولونيالات، حتى الشيوعيون يمكنهم العودة إلى مراكزهم في بعض المناطق، لكن التسلطية التي يمثلونها تبقى مركزة في مناطق معينة، ولن تصبح منهجية عامة، فهم مثل الديكتاتوريين العسكريين في أمريكا اللاتينية، سيكون عليهم في النهاية أن يواجهوا واقع أنه لن يكون لهم إلى أمد طويل أي مصدر للشرعية، ولن يمتلكوا أية صيغة سحرية لحل المشاكل الاقتصادية والسّياسية التي ستواجههم، فالايدلوجيا الوحيدة التي تتمتع بشرعية واسعة في ذلك الجزء من العالم تبقى الديمقراطية الليبرالية “.

وهذا ربما يفسر لماذا رفض كل زعماء أوروبا الغربية الحرب الروسية على أوكرانيا، فهذه الحرب بالنسبة لهم حرب يشنها نظام ديكتاتوري قمعي تسلطي ضدّ دولة أوروبية ديمقراطية تتبنى قيم الغرب ونفس تركيبته الحضارية  والأخلاقية، فكل الحجج التي قدمتها روسيا للأمم المتحدة ولمجلس الأمن  الدولي التي تبين من خلالها للمؤسسات الدولية والفاعلين  في المجتمع الدولي، بأنها تعيش تهديداً وجودياً نتيجة التوسع الغربي اللامسؤول عن طريق حلف الناتو من أجل محاصرتها اقتصادياً وعسكرياً تمهيداً لاستعمارها لم تجدي نفعاً، بل قامت الدول الغربية عوض ذلك بتقديم دعم مالي ومادي وعسكري واعلامي واقتصادي كبير لأوكرانيا في مقابل فرضها لعقوبات اقتصادية مجحفة أرهقت الاقتصاد الروسي وأثرت على الكثير من الشركات الروسية العملاقة العاملة في قطاعات هامة كقطاع البنوك أو التكنولوجيا أو البتروكيماويات.

فكلما طال أمد الحرب الروسية على أوكرانيا كلما ضاعفت تلك الدول من دعمها للنظام الأوكراني الذي استطاع بفضل الدعم الأمريكي والغربي تحقيق انتصارات استراتيجية عدّة مكنته من استعادة الكثير من المناطق الحساسة كمدينة خيرسون التي ضمتها روسيا لأراضيها، فالروس الذين ارتبكوا أخطاء  استراتيجية فادحة جداً في بداية الحرب بحسب الخبراء العسكريين كلفتهم خسارة أرواح آلاف الجنود، بالإضافة لعشرات الآلاف من الذخائر والمعدات العسكرية والأسلحة المتطورة،  كان أبرزها هو  عدم الاستعداد والتخطيط المسبق، وعدم الدفع بعدد كافي من الجنود في هذه الحرب،  وهذا ما كان من شأنه احداث فارق كبير على أرض المعركة، وبالتالي تقليص مدة الحرب والحفاظ على أرواح الآلاف من الجنود الروس، فالجيش الروسي الذي سيطر على مساحات شاسعة من الأراضي الأوكرانية أضطر للانسحاب منها لأنه لا يمتلك العدد الكافي من القوات لتأمينها والسيطرة عليها بشكل كامل، وهي النقطة التي استغلتها كييف واستطاعت توظيفها لصالحها لتغيير موازين القوى على الأرض.

فالصين التي تراقب عن كثب تطور أحداث الحرب الروسية على أوكرانيا لن تقدم على غزو تايوان، إلاّ بعد الاستعداد التام لهذه الحرب مستفيدة من الأخطاء الروسية في أوكرانيا فهي تريد لحربها على تايوان أن تكون خاطفة وسريعة، وهذا ما سيمكنها  من حسمها لصالحها قبل أن تتدخل القوات الأمريكية بشكل غير مباشر كما فعلت مع أوكرانيا، وتقلب الموازين لصالح الجيش التايواني، فالصين التي تحشد من سنوات لاستعادة هذه الجزيرة الصينية ستضع بالحسبان كل السيناريوهات المحتملة لعملية الغزو البري، قبل أن  تخطو خطوة واحدة في هذا الاتجاه لأنها لن تتحمل خسارة حربها على تايوان، لأن تلك الخسارة ستكون لها تداعيات  سلبية على أمنها القومي.

– كاتب جزائري

‎2022-‎11-‎29