ماذا وراء تحدي كوريا الشمالية لواشنطن؟


عميرة أيسر
التجارب الصاروخية التي تقوم كوريا الشمالية بإجرائها حالياً دون أن تأخذ في الحسبان التحذيرات الأمريكية وحتى حلفاءها في شرق وجنوب شرق أسيا بما فيهم اليابان الحليف التقليدي لواشنطن منذ الخمسينيات من القرن الماضي على محمل الجد، وهذا ما يعكس توجهاً جديداً في السّياسة الخارجية لبيونغ يانغ التي صعّدت من لهجتها ضدّ المنظومة الغربية، وذلك بعد قيامها بإجراء سلسلة من التجارب لصواريخها الباليستية العابرة للقارات، والقادرة على حمل رؤوس نووية، وهو ما اعتبرته واشنطن وسيول استفزازاً سافراً لها، خاصة وأن أحدها قد سقط على إحدى المناطق الاقتصادية الحرة في كوريا الجنوبية، وهو ما اعتبرته عملاً عداءياً وتعدي صارخ على أراضيها وسيادتها الوطنية، ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل لطالما سخر كيم جونغ أون من كل التصريحات التي يطلقها زعماء كوريا الجنوبية التي باتت تهدد بفرض عقوبات اقتصادية صارمة ضد جارتها الشمالية، أو التلويح بالقيام بعمل عسكري لردعها عن إجراء مزيد من التجارب الصاروخية اعتماداً على الحليف الأمريكي وعلى جيوش منظمة جنوب شرق أسيا كسنغافورة والفلبين، التي تعتبر حالياً بديلاً محتملاً للكثير من الشركات الأمريكية والغربية خاصة بعد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها الصين التي أصبحت منافساً قوياً للولايات المتحدة الأمريكية في المجال الصناعي والاقتصادي والتجاري، فالعقوبات التي فرضتها الإدارة الأمريكية السّابقة في عهد ترامب قد أثرت بشكل كبير على حجم التبادلات التجارية والصناعية البينية بين البلدين، وأدت لهروب المستثمرين الأجانب من الأسواق الصينية باتجاه أسواق دول جنوب شرق أسيا الواعدة.
فكوريا الشمالية قد تعدت مرحلة إجراء التجارب الصاروخية الباليستية لصواريخ يتراوح مداها بين 130 كلم إلى تلك التي تصل مدياتها لحوالي 10 آلاف كلم، والقادرة على بلوغ البر الرئيسي للولايات المتحدة الأمريكية المتهمة من طرف كوريا الشمالية، بالسعي لغزوها عسكرياً وقلب نظام الحكم فيها تماماً كما فعلت في العراق، فرئيس كوريا الشمالية الذي أطلقت بلاده 34 صاروخاً باليستياً منذ مطلع العام الجاري كما ذكرت وكالة فرانس براس غير أبه بقرارات الامم المتحدة التي تمنع كوريا الشمالية من إجراء تجارب صاروخية باليستية سواء كانت قصيرة أو طويلة المدى، بل أصبح يتفاخر بأن بلاده ستجري المزيد من التجارب على صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية كصاروخ هاوسونغ 17، وذلك رداً منه على استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع كوريا الجنوبية بالقرب من شواطئ بلاده، والتي يمكن أن تتوسع لتشمل دولاً أخرى في جنوب شرق أسيا وغرب المحيط الهادي كأستراليا. كما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022م، في مقال بعنوان ( كوريا الشمالية تطلق صاروخاً يصل مداه أمريكا وواشنطن تعلق).
فالتطورات الحاصلة في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية و كل من روسيا والصين وهي من الدول التي تعتبر من أهم حلفاء كوريا الشمالية، وتحول كوريا الشمالية إلى أهم لاعب إقليمي في شبه الجزيرة الكورية بل أصبحت الصين تعتبر هذه الدولة أحد أدواتها الوظيفية في صراعها الجيواستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة لفشل اللقاء الذي جمع بين الرئيس الصيني تشي جين بينغ والأمريكي جوزيف بايدن في التوصل لتسوية شاملة في إيجاد تسوية شاملة لجميع الملفات العالقة بين بكين وواشنطن، بما فيها تلك المتعلقة بكوريا الشمالية وجزيرة تايوان على وجه الخصوص ، وهو ما أكد للمسؤولين في كوريا الشمالية بأن الإدارة الأمريكية الحالية لا تفهم لغة الدبلوماسية، فواشنطن تعتبر بكين بمثابة الحليف الاستراتيجي الأهم بالنسبة لكوريا الشمالية، وبالتالي فعليها العمل على الحد من سلوك بيونغ يانغ العدواني اتجاه المجتمع الدولي وخرقها المتكرر لالتزاماتها اتجاه شركاءها الاقليميين، حسب زعم جوزيف بايدن، وهو الذي كان من أبرز السّاسة في الحزب الديمقراطي الذين باركوا تصنيفها ضمن دول محور الشر في عهد إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، ومنذ ذلك التاريخ يتعرض نظام كوريا الشمالية لهجوم اعلامي وسياسي واقتصادي من واشنطن وكل الدول في المنطقة التي تقاطع مصالحها مع المصالح الأمريكية في تحييد كوريا الشمالية التي يبدو بأنها قد أصبحت دولة مارقة حسب أدبيات السّياسة الغربية، ويجب استعمال كل الوسائل المتاحة، بما في ذلك استخدام وسائل الضغط العسكري من أجل ثنيها عن طموحاتها التي تعتبر توسعية في نظر سيول التي حاولت مراراً وتكراراً شراء ولاءها للمنظومة الغربية وادخالها ضمن نطاق مجموعة أسيان التي تضم كل الدول الصناعية الرأسمالية التي تقع جنوب شرق أسيا والخاضعة بشكل كلي لأمريكا.
فالرئيس الكوري الشمالي الذي يعتبر نفسه العدو الأول لواشنطن والمدافع عن حق بلاده في تطوير أسلحة باليستية ونووية من أجل حماية نفسها من التهديدات والأخطار المحيطة بها، والذي تعاني بلاده من مشاكل اقتصادية عويصة، وتعيش في عزلة إجبارية على المجتمع الدولي بسبب سلوكها السّياسي والعسكري وايديولوجيتها الشيوعية الماركسية التي لا تزال تعتبر نفسها في حرب باردة جديدة مع المعسكر الغربي من أجل المحافظة على أمنها القومي وسيادتها الوطنية، حيث عمل كيم جون أون منذ توليه سدة الحكم خلفاً لوالده الزعيم الراحل كيم جونغ ال الذي توفي بتاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول 2011م، على تقوية بلاده عسكرياً بعد أن وصل لقناعة راسخة بأن واشنطن تسعى بكل الطرق لتكريس هيمنتها المطلقة وبسط سيطرتها على مقدرات الدول والشعوب واحتواء الدول الواقعة في شرق وجنوب ووسط أسيا بما في ذلك الصين، فالهدف من كل الضغوطات التي تمارسها الإدارة الأمريكية على نظام كوريا الشمالية هو محاولتها الدائمة والمستمرة تقويض العلاقات الاستراتيجية بين بيونغ يانغ وبكين، التي أصبحت القوة العظمى التي تستطيع الحد من النفوذ والغطرسة الأمريكية وازاحتها من عرش السّيادة العالمية، وذلك نظراً للإمكانيات المادية والبشرية والعسكرية والتكنولوجية والثقل الاقتصادي والتأثير السّياسي المتزايد لها عالمياً، خاصة بعد أن أصبحت الشريك الاقتصادي الموثوق لعدد من حلفاء واشنطن حتى داخل منظومة حلف الناتو كألمانيا، التي ضاعت ذرعاً بالممارسات الأمريكية ضدّ دول الاتحاد الأوروبي، وخاصة بعد اشتعال فتيل الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تخلت أمريكا عن التزاماتها الدولية اتجاه حلفاءها الأوروبيين، وحاولت الاستفادة القصوى من هذه الحرب وهذا ما تعيه القيادة الكورية جيداً، فهي تعمل في الوقت الراهن على استغلال الأوضاع الدولية من أجل زيادة حجم نفوذها في منطقة شرق أسيا اعتماداً على الحليفين الروسي والصيني و وفق التقديرات الغربية فإن كوريا الشمالية باتت على استعداد تام لاستعمال قوتها العسكرية بما فيها ترسانتها النووية من أجل تغيير موازين القوى في المنطقة لصالحها.
فكل المؤشرات تدل على أن كوريا الشمالية لن تبقى مكتوبة الأيدي في ظل تزايد التنسيق العسكري بين واشنطن وسيول وطوكيو، فالتهديدات الأمريكية المتزايدة لبيونغ يانغ والاستفزازات العسكرية المستمرة، قد تدفعها لقصف جارتها الجنوبية أو حتى أراضي الولايات المتحدة الأمريكية كما هدد رئيسها أكثر من مرة، وبالتالي هذا ما سيؤدي لتحويل المنطقة لساحة حرب نووية مفتوحة لن تنتهي إلا بانتصار أحد المحاور المتحاربة.
-كاتب جزائري
‎2022-‎11-‎22