العالم الروسي:

وثيقة السياسة الإنسانية.. كيف تفكر روسيا بالقوة الناعمة؟

حاتم أبوالنجا 

أصدرت وزارة الخارجية الروسية في الـ 5 من سبتمبر وثيقة جديدة تحت عنوان “مفهوم السياسة الخارجية الإنسانية لروسيا الاتحادية”  والتي تحدد إطار الدبلوماسية الشعبية الروسية، وترسخ أسس ممارساتها في مجال القوة الناعمة من خلال 117 نقطة نصت عليهم الوثيقة.

 

ولم يكن إصدار مفهوم متخصص في السياسة الإنسانية في العلاقات الخارجية الروسية مفاجئاً؛ حيث أعلنت الوزارة في الأول من يناير 2022 استحداث وحدة في وزارة الخارجية معنية بشؤون استراتيجية موسكو فيما يخص ممارستها لأدوات قوتها الناعمة من علوم، وفنون، وتعليم، ورياضة. وتعتبر الوثيقة برنامج عمل للدبلوماسية الشعبية الروسية يجيب عن كل أو بعض الأسئلة التي تدور حول روسيا كمفهوم شمولي وإنساني، وتحدد القيم الإنسانية التي تدعمها روسيا حول العالم. ويبدو أن روسيا وضعت أولوية وجهداً كبيراً لتلك الوثيقة؛ بعد أن تغيرت الأوضاع الجيوسياسية بصورة كبيرة التي وضعت على أساسها وثيقة 2016. 

الصعود الروسي “الثقافي”:

تأتي هذه الوثيقة ضمن جهود روسيا لإعادة تحسين صورتها بعد الحرب الروسية الأوكرانية، والحفاظ على الجهود التي بذلتها لسنوات طويلة في دعم قوتها الناعمة دولياً، حيث صعدت الجاذبية الروسية  قبل الأزمة الأخيرة بصورة واضحة، وساهم في ذلك نجاحها في تنظيم كأس العالم لكرة القدم عام 2018،  وهو الأمر الذي انعكس في زيادة أعداد السائحين، والطلاب الأجانب، واحتلالها المرتبة الـ10 عالمياً في مؤشر القوة الناعمة العالمي عام 2020، وكانت قد وصلت في عام 2022 للمرتبة الـ9 إلا أن العاملين على المؤشر العالمي أعادوا تقييمها وجمدوا ترتيبها نتيجة بدء عمليتها العسكرية في الشرق الأوكراني. وأشاروا إلى انخفاض شعبية روسيا دولياً بنسبة 19%، وهو ما يؤكد ضرورة تركيز روسيا على قوتها الناعمة في المستقبل القريب.  وفي هذا الإطار، نصت الوثيقة على أن الهدف من نشرها هو تأسيس وجهة نظر موضوعية عن مقومات روسيا الثقافية واسهاماتها في الثقافة الإنسانية العالمية، ومن ملامح تلك المقومات طبقاً للوثيقة ما يلي:

1- إعادة إحياء “العالم الروسي”:

ركزت الوثيقة على مفهوم جديد أطلقت عليه “العالم الروسي” باعتباره أساس القوة الناعمة الروسية، ووضعت الحفاظ على عادات، وتقاليد، ومقومات العالم الروسي في مركز السياسة الخارجية الروسية. فقد وضع المفكرون والسياسيون الروس، من يطلق عليهم الغرب “التيار المحافظ الروسي”، المقومات الوطنية لروسيا كأساس لتعامل موسكو مع العالم الخارجي؛ وبذل كل جهودها للحفاظ على مقوماتها الاقتصادية والإنسانية، والثقافية بما يتضمنه ذلك من أدب وقيم دينية وتقاليد شعبية، ودعم هذا الثراء الثقافي من دون وضع أي قيود تحد من الإبداع الفني والثقافي الروسي. مع التركيز على أهمية الحفاظ على تقاليد “العالم الروسي” التي توارثتها المجتمعات والدول التي تتشارك مع روسيا المقومات التاريخية والإنسانية ذاتها.

2- حماية الجاليات الروسية:

كما يبدو من الوثيقة، لا ترى موسكو أن خروج الفرد من روسيا ومعيشته وسط ثقافة مغايرة لعدد طويل من السنوات يقلل من تعلقه بثقافته الأم، ولا ترى تناقضاً بين وجوده خارج حدودها وواجبها في حماية حقوقه “الثقافية والإنسانية”. وتشير روسيا إلى جالياتها بالخارج بعدة مصطلحات قد تدل ضمنياً على أبعد من المواطنين الروس بالخارج، منها “الروس الموجودون بالخارج”، و”المتحدثون بالروسية”، و” الروس في جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفييتي.. حيث تؤكد الوثيقة بصورة أو بأخرى ارتباط “الروس كافة” بوطنهم الأصلي، متضمناً الروس بالعرق “روسكي”، والروس بالميلاد أو بالتطبيع الثقافي “روسيانين”، وهو المفهوم الأعم الذي تتضمنه المستندات والوثائق الروسية كافة لتؤكد تفردها الثقافي المتنوع إثنياً، ودينياً، وجغرافياً.

 

ويعتبر الجزء الأهم من الجاليات الروسية في الخارج هؤلاء الذين وجدوا في دول أخرى قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي ويقدر عددهم بـ25 مليون نسمة، وهذا من أهم أسباب اعتبار روسيا دول ما بعد الاتحاد السوفيتي من البلطيق إلى آسيا الوسطى كدول تقع تحت النفوذ الشرعي لها.  وبذلك تمهد الوثيقة لروسيا بالقيام بتدخلات في الدول التي تطبق سياسات غير ودودة للمواطنين من ذوي الأصول الروسية، وحقها في تقديم الدعم اللازم لمساعدتهم في الحفاظ على هويتهم ولدعم حقهم في التحدث باللغة الروسية.

3- دعم القيم الروسية:

تؤسس الوثيقة لوضع نقاط مهمة لتعريف ماهية القيم التي يجب أن تتبعها روسيا أثناء استخدامها أدوات قواها الناعمة، وقد وضعت اللغة الروسية على رأس تلك القائمة، فاللغة الروسية بجانب كونها اللغة الأولى أو الثانية لعدد كبير من الدول، إلا إنها لغة رسمية لأهم المنظمات والتجمعات الدولية والإقليمية، ولذلك تعتبر حماية ودعم اللغة الروسية أولوية للسياسة الخارجية الإنسانية لروسيا.

 

على الجانب الآخر ركزت الوثيقة على تعزيز الثقافة الروسية الشمولية، حيث أشارت إلى ضرورة العمل على الحفاظ على المقومات الثقافية الروسية، وبالأخص في مواجهة ما أسمته الوثيقة بـ”محاولات إلغاء الثقافات الأخرى”؛ حيث أكدت الوثيقة أن العالم يواجه موجة من صدام الثقافات التي تريد أن تفرض سيطرتها على العالم. ولذلك، لابد أن يثبت “الكود” الثقافي الروسي مكانته دولياً –ومكونات هذا الكود طبقاً لتلك الوثيقة: اللغة، والتاريخ، والفن، والتعليم، والرياضة، وكذا توطين العمل بـ”دبلوماسية الإرث” لتصحيح الحقائق التاريخية المغلوطة في تاريخ العلاقات الدولية، ولنشر معلومات موضوعية عن تاريخ روسيا القيصرية وتاريخ الاتحاد السوفييتي، خصوصاً، مواجهة تزوير أحداث الحرب العالمية الثانية.

 

تسلط الوثيقة الضوء على التنوع الثقافي، والديني، والقومي لروسيا الإتحادية، والحفاظ على تلك المقومات من العولمة “الأحادية” التي تقضي على الاختلاف، ولا ترحب بالتنوع وتعمل على تنميط نوع معين من الثقافات. بالإضافة إلى الترويج لتقاليد المجتمع الروسي المتعلقة بقيم الأسرة التقليدية ضد ما أسمته الوثيقة بوجهات النظر النيو ليبرالية فيما يخص الأسرة النووية.

 

وتوضح الوثيقة نية روسيا لترسيخ مكانة الثقافة الروسية في العالم من خلال زيادة عدد سنوات برامج التبادل والتعاون الإنساني بين الدول الصديقة، بالإضافة إلى توظيف “المواسم الروسية” من خلال الترويج لها في الدول الأجنبية واستخدامها لرسم صورة جيدة عن الدولة والتعريف بثقافتها لدى دول العالم أجمع، بالإضافة إلى المشاركة في المناسبات الثقافية الأجنبية كمعارض الكتب، والمؤتمرات والندوات الثقافية، والأدبية لزيادة حجم الإنتاج الفكري العالمي باللغة الروسية.

4- جذب الطلاب الأجانب:

يعد العمل على جذب عدد أكبر من الطلاب الأجانب للدراسة في روسيا، وجعلها وجهة جاذبة جدًا للشباب المهتم بالدراسة في كافة المجالات الأكاديمية، أحد أدوات القوة الناعمة التي ركزت عليها الوثيقة، وأعطت الأولوية لطلاب كومونولث الدول المستقلة، والبريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، حيث تحاول روسيا الاستفادة من الإرث السوفييتي فيما يخص التعاون الشبابي، وجعل روسيا مركزاً دولياً للمؤتمرات والتجمعات الشبابية، وتشجيع التبادل الطلابي والعمل على الارتقاء بالخدمات التعليمية المجانية المقدمة للمبعوثين والطلاب الأجانب.

أبعاد اختلاف الوثيقة الجديدة:

من قراءة الوثيقة الجديدة، يبدو أن هناك بعض الاختلافات والمفاهيم الجديدة التي لم تكن مدرجة في مفهوم السياسة الخارجية الروسية المعمول به منذ 2016. وذلك على النحو التالي:

1- تغير أولويات العلاقات الخارجية:

ركزت الوثيقة على الاهتمام بتنمية علاقات موسكو بدول منظمة شنجهاي للتعاون، وكومنولث الدول المستقلة، والدول السلافية، والصين، والهند، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا، كما ركزت الوثيقة على تنمية العلاقة بإقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية اللذين أعلنت انفصالهما عن جورجيا قبيل العملية العسكرية الروسية ضد جورجيا عام 2008، بالإضافة إلى لوجانسك ودونيتسك في الدونباس، بالإضافة إلى التركيز على التجمعات الروسية في دول البلطيق ومولدوفا لحماية حقهم في التحدث بلغتهم الأم.

 

ولم تهمل الوثيقة أهمية الدور الروسي في الثقافة الجمعية الأوروبية؛ بل اعتبرت أن روسيا لها دور مؤثر على الفن الأوروبي بكل أشكاله وأنواعه، وأشارت إلى أهمية الثقافة لإحداث التوازن بين روسيا ودول الغرب ودورها في تحسين العلاقات بين الجانبين. كما أشارت إلى الاهتمام بتعميق الأوصال الثقافية مع دول آسيا- المحيط الهادئ والاستفادة من زيادة جاذبية الثقافة الروسية في الداخل الياباني.

 

وجدير بالذكر أن الوثيقة اختلفت كثيراً عن مفهوم السياسة الخارجية لعام 2016 حينما خصت عدداً من الدول لتركيز الجهود الروسية لتقوية العلاقات الإنسانية الثقافية بها، وكانت هذه الدول هي الجزائر، ومصر، والأردن، وإسرائيل، والإمارات العربية المتحدة، والسعودية، وسوريا، وإيران، وأفغانستان، وفلسطين، والأرجنتين، والبرازيل، وفنزويلا، وكوبا، والمكسيك، ونيكاراجوا، وباراجواي، وأوروجواي، وتشيلي.

 

غير أن الوثيقة الحالية لم تهتم بـ”التكامل الأوراسي” الذي تم ذكره كثيراً في وثيقة 2016 عبر الاتحاد الأوراسي الاقتصادي، كما لم يتم التنويه بأهمية تحسين العلاقات مع الجانب الأوكراني كما جاء في وثيقة 2016، كما أسس مفهوم السياسة الخارجية الروسية 2016 لما يسمى الاحتواء الغربي لروسيا من خلال مؤسسات الاتحاد الأوروبي والناتو، وأكدت أن تلك المحاولات لن تحل أي شيء بين الطرفين، ولكنها ستزيد الصدع بينهم، وفي الوقت نفسه أكدت الوثيقة أن الاتحاد الأوروبي سيبقي شريكاً تجارياً مهماً جداً لروسيا الاتحادية، كما أنه يعتبر شريكاً أساسياً في السياسة الخارجية لروسيا، ولكنها أكدت رفض محاولات توسع الناتو تجاه حدودها. كما أن الوثيقة الإنسانية لم تهتم بالعلاقات “الاستراتيجية لاستقرار العالم” كما فعلت الوثيقة الأقدم.

2- خطاب مغاير:

لم يتم استخدام لفظ “القوى الناعمة” إلا مرتين عندما تحدثت الوثيقة عن الثقافة الروسية كأداة للقوى الناعمة. والمرة الثانية عندما تحدثت الوثيقة عن وسائل الإعلام وأهمية استخدام قنوات الإعلام الحديث الروسية في سياساتها الخارجية لدفع “القوى الناعمة الروسية” للنجاح في نشر اللغة والثقافة الروسية. كما لم يتم الاهتمام بألفاظ مهمة مثل الدبلوماسية الشعبية أو الاجتماعية، كما لم تتحدث عن المجتمع المدني والمؤسسات غير الربحية في روسيا، ما قد يقلل من فاعلية البرامج والمشاريع التي ستنتج عن تلك الوثيقة ما لم يتم فيها إشراك مؤسسات المجتمع المدني الروسية القادرة على الترويج وإتمام عمليات استقطاب الطلاب الأجانب إلى مؤسسات التعليم الروسية بشكل خاص.

 

 كما تم تجاهل مراكز الفكر في مجالات العلاقات الدولية وتحليل السياسات العامة، الأمر الذي يضيف من الغموض حول أدوار تلك المؤسسات غير الحكومية في برامج ومشروعات تطبيق وثيقة السياسة الإنسانية الروسية. ويغيب عن الوثيقة الحالية أيضاً الجمهور المستهدف من البرامج التطبيقية لتلك السياسة الخارجية.  في حين طرحت وثيقة 2016 صراحة مفهوم القوى الناعمة ليكون في قلب صناعة السياسة الخارجية الروسية وأدواتها الدبلوماسية، كما تم التأكيد على أهمية دور المجتمع المدني في توصيل البرامج الحكومية فيما يخص التحولات التكنولوجية والمساعدات الإنسانية.

3- عالم متعدد الأقطاب:

أكدت الوثيقة الاهتمام بالمساعدات المالية والفنية التي تقدمها روسيا لدول العالم من خلال ترسيخ دور روسيا في التعاون الدولي للإنماء والاستدامة، لبناء نظام دولي متعدد الأقطاب”. وتوظيف العولمة في تكوين مراكز جديدة للقوى الاقتصادية والسياسية. وتنمية فرص اللامركزية الدولية، والتحول التدريجي نحو منطقة آسيا- المحيط الهادئ، ما يقلل من جاذبية الأساليب الغربية التقليدية سياسياً واقتصادياً.

 

وتتشابه تلك الأبعاد مع ما جاء في وثيقة ٢٠١٦، والتي نصت على أهمية توجه رسيا الإتحادية لبناء “نظام دولي عادل ومستدام” من خلال حل المشكلات العالقة في آليات عمل مجلس الأمن ونظام الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، كما ألمحت إلى ضرورة التحكم في آلية العقوبات الاقتصادية وحصرها لتكون تحت مظلة الأمم المتحدة فقط.

 

وفي الختام، يبدو أن روسيا ستكثف جهودها في محاولات تغيير النظام الدولي الأحادي من خلال استخدام كل أدوات سياستها الخارجية، وإعادة رسم علاقاتها الاقتصادية والتجارية، وبناء تحالفات جيوستراتيجية جديدة، وتوظيف أدوات قوتها الناعمة من أجل إعادة ترتيب النظام السياسي الدولي كما تراه مناسباً، ويبقى نجاح تلك الخطوات مرهوناً بعوامل كثيرة أهمها قدرة روسيا على بناء تلك التحالفات الجديدة وقدرة اقتصادها، الذي يعاني بالفعل، تحمل تكلفة التحركات الروسية المأمولة. 

‎2022-‎11-‎20