أوروبا… بين محدّدات الصمود والغموض!

فاديا مطر

بعد تصاعد حدة المواجهة الروسية مع الناتو الى الحدود الخطرة في بقعة مركزية بحدودها ومحدّداتها، يبدو في المشهد العالمي أنّ الرئيس الأميركي جو بايدن ما زال يتمتع بالعقلية العسكرية التي سادت في الحرب الفيتنامية من القرن المنصرم، حيث يعتبر أنّ قيادة جبهتين ساخنتين ما زالت ممكنة في الوقت الحاضر على غرار حرب فيتنام التي مضت على أضرارها عقود طويلة، لكن المثير في الزمان والمكان هو ليس فقط القوة التي بدّلت الكمّ والنوع العسكري وطبيعة المعارك، بل مستلزمات الصمود التي تحتاجها جبهتين عسكريتين والتي قد أُشبعت بتخوم القوة من الصين الى روسيا وكوريا الشمالية وغيرها، حيث يقف ضعف القارة العجوز بمكانين أولهم كونه حاجة أميركية تستلزم الدفع باتجاه إطالة أمد الحرب مع روسيا من جهة، والاستفادة القصوى من منتجات تلك الحرب التي تعتبرها الولايات المتحدة بمثابة تغيّرات هامة في الخارطة الجيوسياسية للدولة العميقة، إلا أنّ فشل قيادة الثورات الملونة والحرب بالوكالة وتفتيت الأنظمة المناوئة على غرار انهيار الاتحاد السوفياتي في تسعينيات القرن المنصرم قد أصبحت حجر قديم في اللعبة الاستراتيجية الحديثة، لا بل باتت منعكساتها أخطر بكثير بعد العام 2000 وتغيّرات موازين القوة الدولية، فالعامل الاقتصادي بعيداً عن الاقتصاد المنفق على تطوير القوة العسكرية قد أصبح العامل الأهمّ لأنه يقوم بغلي الطبقة الشعبية التي تدفع عجلة ذلك الاقتصاد المنتج، وهو ما جعل الاحتجاجات التي تعمّ دول أوروبية تبتعد عن عدسات الإعلام بعد تصريح صحيفة «واشنطن بوست» بأن عمليات السرقة التي تتمّ في المانيا لمنتجات الحطب والفحم وغيرها من متطلبات الطاقة قد أنشأت سوقاً سوداء مستغلة تساعد في تنامي الاحتجاجات التي تعم البلاد، وهو عامل مضاف للركود والتضخم وفقدان الاستقرار الاجتماعي الذي شهد منعطفات كبيرة بعد الثورات الملونة التي تدخّل فيها ما يُسمّى الربيع العربي في العام 2011 وتراكم الهجرة من الدول العربية والآسيوية والأفريقية نحو أوروبا، مما ساعد في تحميل أعباء جديدة على عاتق الاقتصاد الأوروبي وبسعي ودراية أميركية بحتة، فكيف إذا كان ذلك الاقتصاد الغربي معتمد على بقعة أوكرانيا في ما وصلت إليه النتائج من اختلافات محدّداتها من سوق المال إلى سوق الطاقة الى سوق الإنفاق العسكري إلى سوق الهجرة السكانية والتداخل الديموغرافي، وهو ما زال مرتبطاً بالتطورات التي قد تحصل في ما بعد إذا ما أصبح هناك هجرة مضادة من أوروبا نحو أميركا أو الاقتصادات التي لا تزال تقف على قدميها في آسيا، عندها ستكون أوروبا ساحة لمتغيرات كبرى على كل الصُعّد بكل الطبقة السياسية والشعبية التي تجوب المرحلة، وذلك لأنّ تنامي الضغط الشعبي من جراء الاقتصاد يعمل على انهيار منظومات حاكمة وهو مرتبط بالحجم والشكل الأميركي الذي سيقوم على حساب الاقتصاد الشعبي وفقدان دفة التحكم فيه وتحميل المسؤولية من الطبقة الشعبية للحوكمة السياسية…

 

وقد صرّحت عدة مراكز دراسات غربية عن وجود شعور متنام لدى الكثير من شعوب الدول الأوروبية عن فائدة الصراع مع روسيا أو الصين أو كوريا وطريقة التدخل في حروب خارج الحدود على حساب الإنفاق العسكري الذي لم يوازِه إنفاق مجتمعي في الصحة والتعليم والاستقرار الاجتماعي ولم يُبقِ مدخلاً للإصلاح تجاه هذه المجالات، والسبب هو بالرأي الشعبي يقع في التبعية المستميتة للأجندة الأميركية التي تمتطي موجة فقدان المركزية في الدول الأوروبية، فهي المستفيد الأكبر في خُطى الأحداث العسكرية على مستوى العالم وهي المنتج لكل تلك السياسات التي أفقدت الشعب الأوروبي مكانة العيش بالمستوى الذي صنعه بعد الحرب العالمية الثانية، وهي التي تدير القرار السياسي والعسكري عبر الناتو ومنتجاته السياسية لدول مركزية في أوروبا، بحيث لم يعد للطبقة الحاكمة القرار المنفرد بالمصلحة الوطنية أو الأمن القومي الأوروبي، فقد بات معيار التراجع هو في تأمين البديل الاقتصادي لاقتصاد أوروبا عن فقدان سوق الطاقة لأكثر من النصف من دعمها، وحلول بدائل مخزية لا تكفي لبقاء الطبقة الشعبية في أدنى مستويات العيش، هذا وإذا لم تتقدّم التداعيات نحو حرب نووية تهدّد حياة الملايين من تلك الشعوب التي نعمت بالاستقرار منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتنامت عجلة اقتصادها واقتصادها الموازي، فكيف سيكون شكل الصراع الذي لم تدخل فيه الطبقة الشعبية حتى اللحظة في تكوين نتائجه القادمة؟ وهل تأمين البدل الكافي من الاقتصاد المفقود في أوروبا سيكون متاحاً في ظل الوقت المتبقي؟

 

هذا هو ما ستحدّده نتائج الدفع بأوكرانيا نحو إما التهدئة أو التصعيد الغير محسوب على حساب الطبقة الأوروبية العجوز…

‎2022-‎10-‎04