في الخطاب السياسي الفلسطيني!

محمود فنون

أنا اتابع تصريحات وبيانات القيادات الفلسطينية وادقق في الخطاب السياسي الفلسطيني على ألسنة الفصائل وقادة الفصائل والناطقين باسمها كما بيانات منظمة التحرير الفلسطينية.

أدقق في تشخيص الأزمة التي تعيشها الحالة الفلسطينية والردود عليها.

والتشخيص به جانبان:

الأول : يتعلق بالعدو وسلوكه . وفي كثير من الأحيان يكون التشخيص ملتبسا ولا يبدأ من الأول ومن العام والأساسي والرئيسي.

وهو يجب ان يبدأ من حقيقة أن بلادنا كلها مغتصبة وقيد التهويد اليومي والتدريجي ، تطبيقا للمشروع الصهيوني الأساس ، كما وضعه الغرب الإستعماري، والذي استهدف اغتصاب فلسطين وإقامة وطن قومي لليهود عليها ، عليها كلها. وعليه فأن ناظم المواقف هو شعار تحرير فلسطين كلها ودون انتقاص بناء على ذلك .أي رفض وجود الإحتلال الإستيطاني الإقتلاعي من أساسه.

وكل شعار وكل طرح وكل صيغة تتجاهل هذه الحقيقة إنما تضر ولا تنفع وليس كما يعتقد البعض.

بعد ذلك هناك سلوك الإحتلال في محطات ومراحل وهناك السلوك اليومي.

إن النظرة الأساس أعلاه هي التي تفسر الإستيلاء على الأراضي وإقامة المستوطنات وتوسيع مستوطنات واقتلاع القرى وتهويد الجليل وتهويد النقب وتهويد الخان الأحمر وخلع الأشجار وإغلاق الطرق والقمع والإعتقالات والإغلاقات والمعاملة القاسية وحصار قطاع غزة وغيره.

بمعنى أن رفع الشعارات الجزئية مثل مقاومة تشريد الفلسطينيين من الخان الأحمر ، أو مقاومة الإستيلاء على أرض معينة ، ومقاومة شق طريق استيطانية … لا يكون مفهوما بمعزل عن رفض السياق العام لتهويد فلسطين الذي تقوم به اسرائيل ومجمل سلوكها في قمع الشعب الفلسطيني .

إن سلوك القمع والتضييق الإسرائيلي علينا هو ضمن سياق ممتد منذ البداية وحتى اليوم بما مهد ويمهد لتهويد فلسطين.

انه يتوجب علينا دوما إعلان رفضنا لكل الجزئيات في الحياة اليومية ،والسياسات اليومية والسلوك اليومي للاحتلال ودون توقف. وذلك بالضبط لأن السياق العام يتعلق بوجودنا في وطننا ولا يقتصر على مضايقة من اجل استغلال في عمل في مصنع أو قطع طريق بشكل مؤقت من أجل تسهيل مرور قافلة او رد على عمل نضالي أو من أجل انتزاع مكسب أو ضريبة وينتهي الأمر…

نحن نرفض الإحتلال وجودا وممارسات ، ونعبر عن رفضنا للاحتلال وجودا وممارسات ، مجتمعة ومتفرقة.

نعبر عن ذلك أولا وقبل كل شيء بالموقف. بموقف منسجم مع الرؤيا العامة السياسية والوجودية على قاعدة أن الصراع مع العدو هو صراع وجود وأن الوطن “فلسطين” هو كله وطننا.

ونعبر عن ذلك بالنضالات المتيسرة وبكل اشكال النضال.

إن طرح الحلول والمبادرات للتسوية مع هذا لإحتلال هي تعبير عن استسلام له وتعبير عن أفكار وآراء مهزومة

ثانيا : الجانب الفلسطيني:

في الآن الحاضر فإن الحالة الفلسطينية تعيش أزمة عميقة والقوى المحركة للنضال والمقاومة في أزمة عميقة سياسيا وتنظيميا وكفاحيا وثقافيا ، بل أنها في حالة تتطلب موقفا انتقاديا ذاتيا . نقدا يطال الحالة الوطنية كلها وتبدأ من نقد الطليعة والفصائل والنخب السياسية والإجتماعية وليس الطبطبة عليها.

تعبيرات الخروج من الأزمة:

إننا نجد في محاولات الخروج من الأزمة تعبيرات مريضة من نوع : إنهاء الإنقسام بالمصالحة ، وإعادة بناء منظمة التحرير بالتوافق ومن خلال ذات المكونات ، وتشكيل قيادة من ذات النخب الممسكة بالوضع القيادي المأزومة ، علما أن بعضها متهالك بل إن بعضها معادي للقوى والنضال . والوحدة الوطنية من ذات القوى المأزومة والمتناقضة وطنيا . ووحدة قوى اليسار ووحدة القوى الديموقراطية …الخ.

ودعوة الجماهير للانتفاض ، الدعوة لمظاهرات عارمة واشعال النار تحت اقدام العدو.

أليس هذا تكرارا لما حصل في بداية الإنتداب حيث تم التوافق على التشكيل القيادي من أنصار المهادنة مع الإحتلال البريطاني وأنصار الإحتلال وأدواته المرتبطة معه والمعادية للنضال ومن الشخصيات الزعامية التقليدية والتي تسنمت القيادة وعكست نفسها على شعارات النضال الفلسطيني واهدافه النهائية وكلها لم تكن أبدا منسجمة مع الحالة الكفاحية الفلسطينية ولم تطرح جلاء الإحتلال على أجندتها.

في المؤتمر الفلسطيني الأول كان ما يقرب من نصف الحاضرين مرتبطين ببريطانيا وفرنسا ومنه تشكلت اللجنة التنفيذية العربية.

وعام 1936م قال أحد الشخصيات “إن لم نتداعى لتشكيل القيادة سوف لن تقوم لنا قائمة ” قال بعد اندلاع إضراب 1936 م الذي لم يكن لهم أي فضل في اندلاعه ولا إدارته ولا قيادته بأي شكل من الأشكال ، بل فقط هم الذين دعوا لحله.

الدعوة لتشكيل قيادة موحدة للانتفاضة

قبل ثلاث سنوات اندلعت نضالات فلسطينية عفوية كانت شرارتها من القدس.

كان الخطاب القيادي الفلسطيني يشخص انتفاضة ثالثة ، وهي لم تكن انتفاضة مع ان بعضهم أصدر لها البيان الأول وكثير من الفصائل والقيادات دعت لتشكيل قيادة موحدة للانتفاضة المندلعة.

لمن كان هؤلاء يوجهون خطابهم لتشكيل قيادة موحدة للانتفاضة سوى لمحمود عباس وفتح؟

ولماذا لم يشكلوا القيادة الموحدة التي دعوا لها بشكل متكرر.

مع انه كان واضحا ودون أي لبس ان سلطة الحكم الذاتي ليس مع أي نضال ضد العدو وكانت ولا زالت مستعدة لقمعه وفقا لمبدأ تشكيلها ووجودها . الله اكبر على كل هؤلاء المرضى سياسيا!!!

إصلاح المنظمة

لمن توجه الدعوة لإصلاح المنظمة سوى لرئيس اللجنة التنفيذية . وهل سبق ان استجابت القيادة المتنفذة لأية إصلاحات ؟ لقد قدمت الجبهة الشعبية والديموقراطية ما عرف ببرنامج الإصلاح الديموقراطي منذ نهاية سبعينات القرن الماضي واقرت جوانبه الأساسية في دورة المجلس الوطني . وهل رأى النور أو أي جزئية منه؟ واليوم وبعد أربعين عاما وفي وضع القوى المتهالك تكرز عقلية النخب السياسية بطرح إصلاح المنظمة ويضيفون من أجل أن تُفعّل النضال وتقود النضال و و و !!! كيف!!!

الوحدة الوطنية

والوحدة الوطنية والمقصود هنا وحدة حماس مع فتح مع الجبهة الشعبية وبقية القوى أي الديموقراطية وفدا وحزب الشعب والمبادرة وجبهة النضال…!

وذلك من أجل مجابهة صفقة العصر ومجابهة كذا وكذا.

أي الوحدة مع فريق أوسلو . علما أن الوحدة الوطنية هذه غير ممكنة أبدا وطرحها من قبل الرفض يؤدي الى طمس الفوارق بين فريق اوسلو وأخصام فريق أوسلو . وعلما ان فريق اوسلو منسجم مع فكرة المفاوضات والتسويات والتنسيق الأمني ولا يستهدف العودة الى ساحة النضال ضد الوجود الصهيوني على ارض فلسطين كما يصرحوا هم بانفسهم دائما .

وتكرر طرح هذا الشعار منذ ظهور حماس عام 1987م .وتعقد الإجتماعات والوساطات من الفصائل والدول العربية ولم يتحقق اندراج حماس في منظمة التحرير ، وكانت القوى أكثر تأثيرا وحضورا وفعلا من الآن وكانت الإنتفاضة المجيدة ، أي لم تكن الأوضاع قد تآكلت الى هذه الدرجة ولم يكن هناك اوسلو ، ومع ذلك لم يتحقق شيء من هذا . وبعد أوسلو فإن طرح شعار الوحدة الوطنية مع فريق أوسلو ليس أكثر من أن يلوك المرأ مادة كريهة .

وحدة اليسار ووحدة القوى الديموقراطية

أليس الأفضا أن أعفي نفسي من التعليق على هاتين المقولتين.؟

ولكن بكلمتين : الجزء الأكبر منها خيطه بيد قيادو أوسلو ولا تستطيع الفكاك منه والجزء الآخر لا يستطيع اجتذاب أحد .

وعليه فإن هذه الدعوات هي تمرغ في رغوة الصابون الممزوجة بالتراب ومن أجل النظافة غير الممكنة.

هذه الدعوات تتجاهل تمويل الفصائل المدعوة لوحدة اليسار ووحدة القوى الديموقراطية كما انها تتجاهل أن فتح لا تسمح بذلك وتنجح تماما وكانت من البداية تنجح وفي ظروف اخرى اكثر مواتاة والباقي معروف وغني عن القول .

طلب أحدهم من أمين عام فصيل أن يتخذ موقف كذا وكذا …

أجابه الأمين العامة :هذه شعارات جميلة وربما مواقف محقة ولكن بعدها من أين أدفع مخصصات المتفرغين وأجور المكاتب وثمن السيارات وكل نفقاتها و و و ؟ !!!!

هو طرح مضلل ومتهالك .

أما أن تكون المنظمة وعاء جامعا لقوى الشعب الفلسطيني ، فهذا طرح يثير تساؤلات خطيرة .

لقد تم انتزاع المنظمة من الشعب الفلسطيني وأصبحت جزءا مذيلا من النظام العربي الرسمي الرجعي المعادي للنضال الفلسطيني وأداة من أدواته ولا يمكن استرجاعها بعد ذلك ،وتجربة أربعين عاما كافية لمعرفة الحقيقة .

إنه لم يسبق في يوم من الأيام أن كانت المنظمة قائدة للنضال الفلسطيني بل كانت الفصائل تقوم بالنضال وتتخذ المواقف بمعزل عن المنظمة ، وزيادة ، كانت الفصائل مجتمعة في الأصل خارج المنظمة وتتعارض معها .

إن نشأة المنظمة عام 1964م كانت مستقلة تماما عن نشأة الفصائل وظلت الفصائل خارج المنظمة حتى عام 1969 م حينما توافقت النظم العربية على تسليم المنظمة للفصائل ، وحملت الفصائل خلافاتها وتناقضاتها معها بحيث لم تنجح المنظمة بأن تتحول إلى قيادة موحدة توحد الفصائل في جبهة واحدة وتقود نضالاتها وظلت الفصائل مستقلة بقراراتها ومواقفها . واليوم استردتها الأنظمة .

وكانت القوى قد انقسمت إلى منظمة ورفض عام 1974م لمدة طويلة ومرات عديدة وكان آخرها بعد عام 1991 وتعمق الأمر بعد انكشاف مفاوضات أوسلو ، وتشكل تحالف الفصائل العشرة خارج المنظمة التي لم تستطع زجر مسار المنظمة وعجزت عن وقف تدهورها وبذلك ذهبت المنظمة وقيادتها المتنفذة مذهبا آخر لا عودة عنه ووصلت بالتالي إلى حالها الآن حيث بقي منها بصمة في يد شخص أو أشخاص تستعمل لمزيد من التفريط . ومن يومها تزداد الفجوات .ومن يومها انتقلت المنظمة وقيادتها المتنفذة إلى جزء ملحق للنظام العربي الرجعي بشكل حاسم .وقيادة المنظمة قيادة طاردة وليست لامّة وهذه القيادة لا تفضل بقاء الجبهة الشعبية في إطار المنظمة ولا حماس. وفي احسن الأحوال تقبل بها تحت العباءة الموصوفة أعلاه.

إن مفهوم الوحدة الوطنية المستخدم هو ليس وحدة الكفاح مهما زين بعبارات الكفاح . ومن غير الممكن أن تكون وحدة مع فصائل التنسيق الأمني مع العدو وفي نفس الوقت من أجل مجابهة العدو . إن الترجمة الحقيقية لهذا الشعار عمليا هي اقتراب رافضي أوسلو من أنصار أوسلو وبدون كفاح في مجابهة العدو كما يدعون .

المصالحة :

أما “المصالحة” فهي تعبير مأخوذ من القاموس العشائري للتعبير عن تآلف فتح وحماس في ميدان السلطة أي تقاسم المناصب والمغانم ،وما يتبع ذلك من تآلف في التنسيق الأمني وكل ما يتعلق بالواجبات الرسمية المنصوص عليها لوظائف السلطة .وليس من أجل النضال بل من أجل وقف النضال .

ويقوم طارحي شعار وحدة هؤلاء بتقديمه على شكل “مصالحة ” لتزيينه والتغطي وراءه تعبيرا عن العجز .

ويستهدفون بذلك أيضا القفز عن المحاسبة على الإنقسام وفصل الضفة عن القطاع بالأيدي الفلسطينية كما هو ظاهريا، وبدوافع لا بد من فحصها لمعرفة دوافعها وأنصارها ومن خلفها ومن يعمل على تكريسها . ويظل الذنب ذنب الذين اقتسموا الموقعين.

ويستهدف كذلك القفز عن أوسلو وما آلت إليه الأمور .

ظهور جبهة الرفض

لقد كان ظهور جبهة الرفض الفلسطينية عام 1974م ظاهرة صحية في الثورة الفلسطينية ، وكان الإنشداد للوحدة الوطنية في حينه كذلك موقفا ثوريا ووطنيا وحريصا على النضال وعلى القضية الفلسطينية أيضا كما كانت تصرح الجبهة وعلى لسان الرفيق الحكيم في حينه.وكانت الدعوة للحفاط على منظمة التحرير مقرونة دوما باصلاحها لتكون جامعا وطنيا وجبهة موحدة للفلسطينيين سياسيا وتنظيميا .

كان هذا الموقف نضاليا كذلك ، وذلك لأن الأمر كان يتعلق بان يتمسك الجميع بأهداف ومنطلقات الثورة الفلسطينية ومواقف ومنطلقات الفصائل الوطنية في حينه .

وبعد أن ثبت بالملموس وبشكل حاسم أن القيادة المتنفذة في المنظمة وقيادة فتح قد اختاروا بشكل نهائي وحاسم طريق التنازلات وأخذت المنظمة تعيد تأهيل نفسها ومواقفها ومبناها بما يؤكد المنهج الجديد ، أصبح مفهوم الوحدة الوطنية معهم يمثل وقد مثل فعلا اقترابا من منهجهم وليس استعادتهم لموقف المنطلقات ، موقف الرفض.

وكانت صيغة الرفض من خلال شعار يربط بين الموقف التكتيكي والهدف الإستراتيجي ، بمعنى أن إقامة الدولة الفلسطينية على جزء من فلسطين في سياق التحرير مع بقاء هدف تحرير فلسطين كاملة من النهر إلى البحر .

راجع التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر الوطني الرابع نيسان 1981م الصادر عن اوراق حمراء:

http://pflp-documents.org/documents/FourthConf-Arabic.pdf

من ثالثا ص243 في الفصل السادس برنامج المهمات الاستراتيجية

وبالمناسب في هذا الفصل رد على من يقولون بامكانية التعايش مع اسرائيل بلا صهيونية وفيه ان هدف النضال هو اقتلاع الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين من وجوده وتحرير الأرض من الإستيطان .

تسليم الملف الفلسطيني للامم المتحدة او مؤتمر دولي

علمت في حينه ان هذا شعارا اعتراضيا على تسليم الملف للأمريكان . طيب .

كانت هذه دعوة موجهة لياسر عرفات ، ولم يستجب لها إطلاقا متسلحا وتابعا لموقف السادات ومعه النظام الرجعي العربي الذي قال إن 99% من اوراق الحل هي بيد امريكا ولم يتزحزح عن هذا الموقف هو ومن ورثوه حتى يومنا هذا.

واليوم يتكرر هذا الطرح منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي وكأن كل ما جرى لم يجري .

لم تستجب قيادة المنظمة لهذا الإعتراض . وفي نفس الوقت تغيرت موازين القوى في العالم وانتهت المنظومة الإشتراكية ومنظمة دول عدم الإنحياز وغابت الدول العربية الوطنية التي كانت اميل إلى الرفض وفي مواجهة امريكا كما كان الحال زمن الناصرية وإرثها وزمن الدول العربية الأخرى العراق وسوريا والجزائر وليبيا واليمن الديموقراطي . لقد كان اجتماع هيئة الأمم مع كل ما فيها يتخذ القرارات تلو القرارات حول العودة وتأييد الحقوق الفلسطينية بشكل أو بآخر .

هذا كله ذهب مع الريح وأصبحت امريكا مهيمنة على المنظمة الدولية أكثر وأكثر وعلى الدول العربية أكثر فأكثر . فلم يعد أي معنى لتسليم ملف القضية للامم المتحدة ولا قيمة اعتراضية لذلك كما رأينا من التجربة الطويلة الممتدة حتى يومنا هذا .

إن طرح هذا الشعار اليوم ليس من أجل الإعتراض ولا يمكن أن يفيد الإعتراض على سلوك قيادة المنظمة بل هو هروب الطارحين من استحقاقات النضال . وهو تصرف معارضة تقليدية في أي حكومة تقليدية .” قل كلمتك وامشي”

وهذه المعارضة كذلك لا تمتلك أدوات فعل تستطيع أن تقف في وجه توجهات المنظمة الإنحرافية والهابطة ولجمها .

وكرر عرفات قولته المشهورة من زمان ” دعهم يقولون ما يشاءون وأنا أفعل ما أشاء”

الهدنة طويلة الأجل

أولا من وجهة نظر إسرائيل فإن الهدنة هي توقف النضال الفلسطيني ولا تعني أبدا امتناع إسرائيل عن تنفيذ مهماتها الأمنية كما تراها .

الأمر ليس كما مع حزب الله والمقاومة اللبنانية حيث كانت إسرائيل في حرب عام 2006م تريد وقف مهمتها الأمنية والحربية بعد وقت من بدايتها على قاعدة الفشل بالرغم من انجازها لمهمة التدمير على نطاق واسع ومشهود . أي انها نجحت في تحقيق هدفها بالحاق الدمار الكبير ولم تنجح في مهمتها الأمنية بضرب واجتثاث حزب الله وكانت تعاني من الخسائر ومن قلقلة الوضع المجتمعي عندهم وبسبب رحيل السكان من كل شمال فلسطين .

وكانت أمريكا تطالب إسرائيل بالإستمرار إلى أن رضخ الحلف المعادي يائسا من امكانية الإستمرار . وإذا توقفت المقاومة اللبنانية عن اطلاق الصواريخ والإشتباك فقد ظلت حالة خطيرة على إسرائيل وربما على كل وجودها.

بينما في الجانب الفلسطيني فإن إسرائيل هي الضاغطة بالحصار والقصف والتهديد باغتيال الزعماء والشخصيات النافذة ، كما تطالب حماس بالتعهد بحماية الأمن الإسرائيلي من جهة القطاع ومقابل تسهيلات المعيشة والتي ستظل إسرائيل تتحكم بها من خلال والموافقات التي تعطيها واذونات التصدير والإستيراد وتحكمها المطلق بالمعابر من جهة واحدة .

إن الموافقة على هذه الشروط بمثابة تحول خطير سياسيا وأمنيا وإلى درجة الكارثة . فحماس لتحرير فلسطين هي غير حماس للتهدئة والمعيشة .

وليست حماس وحدها في التهدئة مع الفوارق في الشروط والكيفية .

فك الحصار عن قطاع غزة

أنه حصار مجرم دون أدنى شك .

ولكن ما هو المعنى العملي لفك الحصار والذي لم تنجح وساطات أردوغان وقطر ومصر وغيرها في زحزحته قيد انملة؟

المعنى العملي هو ان تقوم أسرائيل بتغيير سياستها في فتح وإغلاق المعابر أي بفتح المعابر لمدد أطول وفترات متقاربة أو طويلة .

وتغير سياسة الأذونات التي تمنحها للقطاع من أجل الاستيراد والتصدير.

وتغيير سياستها في عبور الأشخاص والبضائع .

إن اسرائيل هي المتحكم من طرف واحد في كل هذه الأمور بما هي السلطة المحتلة والمسيطرة بشكل منفرد على المعابر كما هو الحال في معابر الضفة الغربية ولكن بشكل أكثر احكاما وسيطرة فكل معابر القطاع تحت إشراف إسرائيل. وقد أغلقت مصر جميع الأنفاق ، والحدود لا تسمح بتهريب الأشخاص والبضائع من وإلى إسرائيل وإن وجد فهو على نطاق غير ملموس، ولا من جهة مصر حيث تتحكم إسرائيل بمعبر رفح وتراقب الحدود المصرية بالإضافة إلى رقابة حرس الحدود المصري .

هذه حدود فك الحصار والحصار لم يكن موجودا كسياسة اسرائيلية بهذه الدرجة ولكن التحكم كان وسيظل موجودا بعد الإدعاء بفك الحصار .

إن الضغط والدعوات بفك الحصار لم يجد نفعا طوال المدة التي حكمت فيها حماس قطاع غزة . وقد زادت أحوال القطاع سوءا بعد وقف تمويل الوكالة بما يشكل مزيدا من الضغط على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة .

الدعوات لفك الحصار لا تزيد ولا تنقص من الأمر شيئا وبعضها يأتي على شكل إعادة تسليم القطاع لسلطة الضفة على اعتبار ما كان وما كان من تسهيلات سابقا .

أي هي دعوات تطالب إسرائيل بالتسهيلات لا أكثر ولا أقل .

الدعوة للتظاهر والإنتفاض ومن وراء المكاتب المستقرة

 لتبيان حقيقة هذه الدعوات نسوق تجارب ايضاحية

عام 1980م رتبت أطر الجبهة الشعبية لعقد مؤتمر شعبي على اثر تعرض رؤساء بلديات رام الله والبيرة لاعتداءات صهيونية وتم عقده في جامعة بيت لحم التي كنت طالبا فيها ، ورغم تسكير الطرق ومحاصرة الجامعة ، فقد حضر المؤتمر داخل الجامعة أكثر من أربعة آلاف شخصية اعتبارية ووطنية فلسطينية من كل أنحاء فلسطين المحتلة وممثلة لقواعد الشعب الفلسطيني .

الدعوة وجهت من خلال وفود واتصالات شخصية وبدون أي إعلان في صحف أو إذاعات ومن دون إصدار بيانات تدعو لعقد هذا المؤتمر ولا أوراق دعوة رسمية .

تكفلت أطر وامتدادات الجبهة الشعبية ورموزها الإجتماعيين بعمل كل شيء وبنجاح مذهل للجميع . وصدر عن هذا المؤتمر بيان ختامي ويومها قرر المؤتمر استقالة البلديات ونجح القرار حيث وصلت الإستقالات للمؤتمر واعلنت .وتم ذلك كذلك من خلال التواصل الشخصي مع البلديات ورؤساءها وأعلن بعدها ولأول مرة إضرابا لمدة خمسة أيام متواصلة وتم بنجاح.

تجربة أخرى :

قررت الجبهة إقامة نشاط نضالي يخص الأقصى والقدس ودعت إلى التواجد في الأقصى يوم الجمعة المحدد.وتداعت قوى أخرى لهذا النشاط . ورغم حواجز الإحتلال فقد ذهب الآلاف مساء الخميس مبيتا وصباح الجمعة وتواجدوا في الأقصى ونفذوا الفاعلية . لم تصدر قيادات تاريخية بيانا بهذه الدعوة وربما لم يكونوا يعلموا بها من الأساس ولم يصدر إعلانات في الصحف والراديوهات، بل من خلال التواصل الشخصي أي “التبليغ” كما درج القول ، وكان الإقبال على التجاوب مع هذه الدعوة يصل إلى مئتين وثلاثمئة في المئة وأكثر من الدعوات . أي أنصار الأطر وجماهير أخرى تستجيب ويحضرون من كل انحاء فلسطين . وكان الكثير من الإحتجاجات من رفاق وأنصار لم يشاركوا بدعوى أن الدعوة لم تصلهم .

الوقت الحاضر

نسمع عن دعوات من قبل فصائل وقيادات تدعو لتحويل مواقع الإحتلال في الضفة الغربية إلى ساحات اشتباك مفتوح وتصعيد الرد الشعبي والوطني بالإنتفاضة والمظاهرات العارمة والإعتصامات …

لا أحد يستجيب .

ما الفرق

كانت أطر الجبهة والفصائل كذلك في الداخل تحمل هذه الدعوات على محمل الجد وما ان يصلها التبليغ ” بالوشوشة ” حتى تستجيب .

أولا : كانت هذه الأطر موجودة وكفاحية وكانت تثق بقياداتها ورموزها المحليين السريين وشبه العلنيين.

لنأخذ مثال أطر الجبهة الشعبية : ” جبهة العمل الطلابي التقدمية ،واتحاد لجان الطلاب الثانويين ومعه زهرات ما دون الثانوية ، اتحاد لجان المرأة الفلسطينية ، جبهة العمل النقابي ، وجبهة العمل التمريضي، واتحاد لجان العمل التطوعي، وعدد كبير من الشخصيات الإعتبارية والوازنة المناصرة للجبهة في القطاعات المهنية ، والعديد من المؤسسات الإجتماعية والرياضية التي كان فيها شخصيات مناصرة للجبهة ومجموعات خلايا التخريب الشعبي.وغير ذلك . وكانت هذه الأطر تمتد لتصل أعماق الجماهير في القرى والمخيمات والمدن وتتواصل معها .

وكان للحزب الشيوعي وفتح والجبهة الديموقراطية امتدادات شبيهة .وبعد ذلك جاءت حماس ولها امتداداتها الجماهيرية أيضا .

كانت الجماهير نزاعة إلى التنظيم وشبه منظمة وكفاحية وتواقة للنضال ،وتمثل الجبهة الشعبية حالة طليعية متقدمة في ذلك الوقت .

وتواصلت الأنشطة. وكانت هذه الأطر هي حاملة انتفاضة عام 1987 المجيدة . وكانت لها اثناء الإنتفاضة قيادة موحدة تدعو للنضال ،والقواعد الثورية تستجيب . وبعد ذلك تبادر هذه القواعد بالتنسيق فيما بينها أو منفردة لمزيد من النضال الجماعي والفردي .كانت الجماهير تثق بقيادتها في الداخل .

لم يدع قادة الفصائل في الخارج لتشكيل القيادة الموحدة بل فقط علموا بوجودها من خلال بياناتها فقط ولم يكونوا يعرفوا اسماءهم بفعل السرية التي كان يتصف بها الداخل الفلسطيني. وهذه شهادة .

والآن أين الإستجابة ؟

كل ما ذكر أعلاه غير موجود ولذلك لا استجابة ، ولا يمكن تحميل المظاهر البسيطة في الضفة على انها استجابة أو بدايات بعد كل هذه السنوات والتجارب مع الإعتراف أن جزءا منها أصيل بينما الجزء الآخر ممول من ال NGOs.

كانت تجربة انتفاضة عام 2000م ولمدة حوالي شهرين تقريبا في محاولة الإنتفاض بقوة دفع الماضي واستعدادات الشباب والناس للنضال ، ولم تكن تكرارا لانتفاضة عام 1987 لاختلاف الأحوال . بل كانت محاولات جادة في أوضاع تنظيمية هابطة وظروف مختلفة .

ولم تكن قيادات الفصائل التي أصبحت في الداخل تقود وتوجه وتفعّل هذا الحراك .

وكان أغلب التجمع الجماهيري يحصل في الجنازات ومياتم الشهداء حيث كان ذلك بعشرات الآلاف. أما المسيرات إلى الحواجز والتي يصطف قادة الفصائل في رام الله في أولها فكانت …

والآن هناك فراغ قيادي للحالة النضالية الفلسطينية ويتشبث القادة الحاليون بمواقعهم مع انهم أصبحوا فيما هو اشبه بالزعامات التقليدية المتكلسة والمريضة .وكلما ظهر تيار شبابي ، يتسلل له اعوان السلطة الأمنية ، لسقفه واحباطه كما يتسلل له رجالات غير كفاحيين لإهلاك ثقافتهم الوطنية وبشعارات التسوية والحلول الإستسلامية والدولة الواحدة الديموقراطية العلمانية لليهود.

سقف الطرح القيادي الفلسطيني

سقفه هو الحلول والتسويات وعلى قاعدتها بالرغم من التناقضات والتعارضات في داخلها وضمن سياق أمراض العلنية والخطابات اللاهبة التي لا ترجمة لها . وكلها حاليا تقترب من أوسلو أو تتساوق على القفز عنه بعبارات منمقة .

فالمصالحه هي إذن ليكون أنصار أوسلو وأخصامه اللفظيين على صعيد واحد ولتكون المنظمة جامع الجميع ( ولن يستطيعوا ذلك دون موافقة الذين يعطون الأذونات للاجتماعات العامة ومن يمولها ومن يوافق أن تعقد على أرضه )

وتأتي الهدنة والتهدئة في هذا السياق .

وإلى جولة أخرى في الخطاب الفلسطيني وبشكل موثق وبمرجعيات من القرارات والبيانات وغيرها .

13/2018م