الحرب الروسية الأوكرانية.. تعقيدات والتواءات وغموض مآلات!
حماد صبح
تشتد الحرب الروسية _ الأوكرانية تعقيدات والتواءات ، وتتكاثف غموض مآلات ؛ فقد شجعت المكاسب العسكرية الأوكرانية في خاركيف التي أفضت إلى طرد القوات الروسية من شمال شرقي البلاد ؛ الرئيس زيلينسكي على التشدد في موقفه من روسيا ، وصار يستبعد المفاوضات معها على أي حل وسط ، ويصر على تحرير كل ما يعده أرضا أوكرانية احتلتها روسيا ، وتعزز موقفه المتشدد كثيرا لما يراه من قوة تأييد أميركا والناتو له بالسلاح والمال والعقوبات على روسيا ، وتوقف عن الشكوى مما كان يعده ضعفا في ذلك التأييد ، وإن كان يطالب بالمزيد من الأسلحة ذات النوعية العالية الفعالية مثل صواريخ أتاكمز البعيدة المدى . وفي الجانب الروسي ، لا تبدو الصورة وردية للقيادة ، سياسية وعسكرية ، التي تفاجأت بسوء أداء جيشها ، وتفاجأ معها العالم .
كانت تظن ما سمته العملية العسكرية سيحسم كل شيء في أيام أو أسابيع محدودة بانهيار الجيش الأوكراني، أو بتنحي زيلينسكي أو بانقلاب داخلي عليه ، وانتهاء رعبها من انضمام أوكرانيا للناتو.
وقول الرئيس الأميركي بايدن : ” واضح أن روسيا ليست بالكفاءة والقدرة اللتين ظن كثير من الناس أنها ستكون عليهما … ” صحيح مائة بالمائة ، وهو يقصد الأداء العسكري للجيش الروسي ، وقيل مثله عن أداء الجيش السوفيتي في أفغانستان . وكان فرار آلاف الجنود الروس من خاركيف أمام القوات الأوكرانية وتركهم دباباتهم وأسلحتهم صادما بأي مقياس عسكري ، وبعضهم خلع ثيابه العسكرية ولبس ثيابا مدنية . وراقب عسكريو الناتو وعسكريو أميركا أداء القوات الروسية في أوكرانيا مراقبة دقيقة لصيقة ، وهذا طبيعي ، وفعلته دول كثيرة منها إسرائيل ، ولاحظنا أن وزارة الدفاع ، والمخابرات البريطانيتين هما أكثر من تحدث عن سوء الأداء القتالي للجيش الروسي ، وكثرة القتلى من جنوده . وتفاءل الضابط البريطاني المتقاعد ريتشارد كيمب منذ يومين في مقال في ” التلجراف ” ب ” انهيار ” الامبراطورية الروسية ، وهذا هدف استراتيجي لأميركا والناتو .
ويُظهر الرئيس الروسي بوتين التجلد والتفاؤل من مآلات الحرب لصالح بلاده . قال مبتسما في قمة سمرقند لمجموعة شنغهاي : ” أعلنت سلطات كييف أنها تنفذ عملية هجوم مضاد فعال ، حسنا ! دعونا ننظر كيف سيتطور وكيف سينتهي ! ” . ومن المتوقع بعد عبور القوات الأوكرانية نهر أوسكيل يوم الأحد وسيطرتها على ضفته الشرقية واقترابها من لوجانسك منطقة الحكم الذاتي التابع لروسيا ؛ أن يشتد القتال بين الجانبين ، وأن تدفع روسيا بقوات إضافية في الحرب ، وهي حتى الآن لم تستعن بسلاحها الجوي إلا في نطاق محدود جدا ، وهذا سلوك محير من دولة تمتلك أكثر من 20 ألف طائرة من مختلف الأصناف ولمختلف المهمات الحربية ، واعتمدت كثيرا على القصف بالصواريخ الدقيقة . والحديث عن نظرها في إعلان التعبئة العامة ينبىء عن حرج موقفها عسكريا ، وخطير ما قاله رئيس تحرير شبكة ” روسيا اليوم ” : ” هذا الأسبوع إما عشية انتصارنا الوشيك ، أو عشية حرب نووية . ” . الانتصار الروسي ليس وشيكا ، فهل الحرب النووية هي الوشيكة ؟! هذا سؤال يقلق أطراف الحرب المباشرين وغير المباشرين ، وشعوب العالم كله .
وأميركا حذرت روسيا من اللجوء للأسلحة النووية الموضعية المحددة التأثير ، وروسيا في موقف عسكري استراتيجي خطير : لا هي قادرة على الانتصار بالسلاح التقليدي ، وحذرة جدا من اللجوء للأسلحة النووية الموضعية التي قد تتطور بالرد الأميركي ، وربما الرد البريطاني والفرنسي ، إلى حرب نووية شاملة ، وهي لا تريد هذا التطور ، وكذلك أميركا .
والغرب ، أميركا والناتو ، يرى المأزق أو المحنة الروسية في أوكرانيا سانحة تاريخية كبرى للقضاء على روسيا بصفتها دولة عظمى مناكفة له ، ويتلهف على انتزاع القسم الآسيوي من جغرافيتها الذي يقارب ثلاثة أرباعها ، ويراه مناطق محتلة ، ويثير الخلافات والحروب بين الدول المستقلة التي كانت جزءا من جمهوريات الاتحاد السوفيتي الست عشرة ، والمعارك الأخيرة بين قرغيزستان وطاجكستان ، وتجددها بين أذربيجان وأرمينيا شاهد على تلك الإثارة. ولا بد من نهاية ما للحرب التي تتعقد مجرياتها وتلتوي ، ويتكاثف غموض مآلاتها ، وبنهايتها ستكون أوضاع وحقائق وعلاقات كثيرة في العالم قد تغيرت ، والحروب دائما أقوى وأوسع وأسرع مسببات التغيير في التاريخ .
‎2022-‎09-‎22