لآلئ غائبة عن وعينا الوطنى!
د. محمد السعيد إدريس
تتكشف مدى فداحة قصور مؤسسات التنشئة العربية فى أداء وظائفها المحورية فى تشكيل الهوية الوطنية أولاً والحضارية للأمة كلها ثانياً بكثافة حالة الاغتراب التى تجتاح أجيالاً متعددة من مواطنينا، وعلى الأخص الأجيال الجديدة التى وقعت ضحية هذا القصور أمام تغول الاجتياح الثقافى الغربى لمجتمعاتنا مستفيداً بثورة الاتصالات التى يسرت وصول رسائل هذا الاجتياح إلى كل شاب بل وكل طفل عربى، فحدث الاغتراب فى الوعى وفى الهوية لدى هذه الأجيال التى اضطربت لديها معايير تعريف نفسها، وتفسير وجودها، وتحديد إنتماءاتها، فكان اغتراب اللغة بأن توارت اللغة العربية أمام اللغات الأجنبية الأخرى وفى مقدمتها بالطبع اللغة الإنجليزية، وحدث اغتراب الثقافة، واغتراب القيم، وأضحت إجابة سؤال: لماذا نحب وطننا إجابة مائعة أحياناً ومضطربة فى معظم الأحيان، فى ظل سؤال أسوأ هو: هل نحب وطننا؟
لم نعد نكترث كثيراً أمام سؤال: من يربى أبناءنا؟ مع تراجع وانحسار دور الأسرة فى التنشئة، وغياب دور المدرسة، فى ظل غياب المدرسة نفسها مع حالة اجتياح ظاهرة الدروس الخصوصية، وتراجع دراسة التاريخ والجغرافيا والفلسفة وغيرها من علوم التنشئة والتربية الوطنية، وأضحى التعليم ومؤسساته مجرد ممر للحصول على شهادة تؤهل لدخول الجامعة، التى لم تعد تقتصر على التعليم الحكومى بل تعدد التعليم من حكومى إلى خاص إلى أجنبى، وغابت المساواة فى التعليم وغاب تكافؤ الفرص، وتنوعت المناهج وتباينت، خاصة بالنسبة لمواد التنشئة الوطنية، فكانت النتيجة هى تفشي ما بات يُعرف بـ “طبقية التعليم” أى تحكم الانتماء الطبقى والمستوى الاجتماعى بنوع التعليم الذى يتلقاه الطالب ومستواه، وغاب التكافؤ فى الفرص بين خريجى الجامعات لصالح الجامعات الأجنبية والخاصة على حساب خريجى الجامعات الحكومية، وأصبح التمييز بين الخريجين قائماً على مدى تحصيله اللغوى أكثر من قدراته العلمية ودون أى اعتبار للانتماء الوطنى.
وسط كل هذا الاضطراب لم يعد الكثير من الشباب يجد ما يفاخر به لكونه “مصرياً” أو “عربياً”، ولم يعد لديه ما يمنعه للسعى نحو ما يراه “حلاً سحرياً” للخلاص من كل انتكاساته المعنوية وتشرذم انتماءاته غير الهجرة إلى الخارج، إذا كانت ميسرة، أو النزوح إلى الخارج إذا كانت الهجرة غير ميسرة حتى لو كلفه ذلك حياته على نحو ما تكشفه ظاهرة ركوب البحر فى حالات “هجرة غير شرعية”.
سؤال هل لدينا ما نفاخر به كمصريين أولاً وكعرب ثانياً يكتسب أهمية محورية فى ظل كل هذا الاغتراب الذى يجتاح أجيالاً من الشباب، وهنا يجدر التساؤل عن أسباب تجاهل كل مؤسسات التنشئة من أسرة إلى مدرسة إلى جامعة إلى إعلام إلى مؤسسات ثقافية وأخرى شبابية لمكونات أساسية فى البناء الثقافى الوطنى التى من شأنها تعزيز الارتباط بالهوية والوعى الوطنى وتعميق الاعتزاز بالوطن والافتخار به. وهنا بالتحديد سقطت عن الوعى محطات وأحداث وتطورات مهمة بعضها يتفرد بها وطننا عن غيره من الأوطان . من أبرز تلك المحطات المميزة التى تتفرد بها مصر وحدها هى أن الله سبحانه وتعالى اختار مصر ليتجلى من خلالها على الكون كله.
لماذا غاب التركيز فى التنشئة وفى الوعى الوطنى المصرى لمحطات وأحداث مهمة بمستوى ذلك الحدث الجلل الذى ليس له نظير فى الكون كله ؟ لماذا غاب الافتخار بأن مصر هى البلد الوحيد على سطح الأرض الذى تجلى الله سبحانه وتعالى فيه لهذا الكون؟ لماذا مصر وحدها دون غيرها التى حدث بها ذلك. التجلى الأعظم حدث فى مصر وحدها من بين كل بلاد العالم فهل يتحدث أحد عن ذلك وهل يفاخر أحد بذلك؟ وهل جندت مؤسسات التنشئة قدراتها للدفع بأجيال أبنائنا لزيارة مكان التجلى الأعظم وزيارة “الوادى المقدس” الذى خاطب منه ربنا جل فى علاه لعبد من عباده المؤمنين هو سيدنا موسى عليه السلام عندما كان سيدنا موسى عائداً من مدين فى طريقه إلى مصر بعد غربة امتدت لعشر سنوات . فعندما وصل سيدنا موسى إلى تلك البقعة المباركة، وبسبب برودة الطقس الشديدة فى تلك المنطقة أخذ يبحث عن جذوة من النار للتدفئة، وإذ به يرى عن بعد ناراً مشتعلة، فأتجه إليها ليحصل على ما يريد ، وعندما وصل وجد المفاجأة أن تلك النار منبعثة من شجرة فى تلك البقعة، وأن الشجرة غير مشتعلة بل باقية بخضرتها دون أن تحترق رغم كل ما ينبعث منها من نيران، وفى تلك اللحظة سمع ما لم يخطر بباله. سمع القول: “إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى ، وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ، إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ، إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ، فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ” (سورة طه – الآيات من 9-16).
الشجرة المباركة مازالت مكانها بخضرتها المستمرة منذ أكثر من 4000 سنة حتى الآن داخل دير مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء. وبالقرب منها فى نهاية الوادى المقدس يقع مباشرة “جبل التجلى الأعظم” الذى كان رمزاً للتفرد الإلهى بالقدرة والعظمة. عندما ذهب سيدنا موسى بعد خروجه الثانى من مصر ليكلم الله تعالى وطلب أن يرى الله وخاطب ربه: “وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِين” (سورة الأعراف الآية 143).
لقد أكرمنى الله مع أخوة أعزاء منذ أيام بزيارة “الوادى المقدس” و”جبل التجلى الأعظم” ورأينا الشجرة المباركة الكائنة الآن داخل الدير فى قلب الوادى المقدس. وعلى امتداد الوادى كانت رؤيتنا لجبل “التجلى الأعظم” ووجدنا كيف أن الجبل تهدم واحترق عندما تجلى له الله سبحانه وتعالى .. ورأينا بجواره “جبل المناجاة” الذى كان يناجى منه سيدنا موسى ربه ويتلقى “الألواح والوصايا” التى هى مكونات التوراة. فى هذا المكان المقدس لا توجد غير السكينة والتجلى الإلهى فى كل شئ، وخاصة التجلى الإلهى على مصر وشعبها الكريم، فأين شعب مصر من هذا الاصطفاء الإلهى وأين مصر من كل هذا التكريم ، وأين مؤسسات التنشئة من هذا كله والتأكيد أن مصر لها مكانة خاصة ومتفردة عند الله سبحانه وتعالى ، فهى البلد الوحيد الذى اختاره الله سبحانه وتعالى ليتجلى على عباده على هذه الأرض .
هذا الحدث لم ولن يتكرر، لكنه ليس الوحيد الذى تتميز وتتفرد به مصر بين كل البلدان الإسلامية والعربية. ففى مصر يوجد أيضاً ما يمكن اعتباره “بقيعاً مصرياً” ، فهو الأقرب إلى “بقيع الغرقد” الذى هو المقبرة الرئيسية بالمدينة المنورة منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث توجد مراقد كبار الصحابة وآل البيت الكرام.
ففى مصر يوجد بقيع آخر مدفون فيه أكثر من 5000 من الصحابة والتابعين، منهم 70 صحابى من الذين شهدوا مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بدر الكبرى. هذا البقيع الآخر موجود فى قرية “البهنسا الغراء” بمحافظة المنيا فى صعيد مصر. استشهد كل هؤلاء فى “معركة البهنسا” ضد جيش الرومان التى انتصر فيها جيش المسلمين وأرتقى فيها 5000 شهيداً من الصحابة الأجلاء منهم زياد بن أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وسليمان بن خالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، والحسن بن زين العابدين بن الحسن بن على بن أبى طالب، ومحمد بن أبى ذر الغفارى، ومحمد بن عقبة بن نافع، وعلى بن عقيل بن أبى طالب، وجعفر بن عقيل بن أبى طالب، وخولة بنت الأذور، والقعقاع بن عمرو الذى قيل فيه “لا يُهزم جيش فيه القعقاع”.
البهنسا قطعة نور على أرض مصر أين هى من وعينا وتاريخنا ومن ثقافتنا وهى التى شهدت واحدة من أهم معارك دخول مصر فى الإسلام. فبمعركة البهنسا اكتمل لجيش الإسلام الانتصار على الرومان لتدخل مصر فى دين الله، والبهنسا هى التى تحتضن بين ترابها كل هؤلاء الأكابر من آل بيت النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته.
لآلئ مصر من جبل التجلى إلى الوادى المقدس إلى البهنسا الغراء لآلئ كامنة فى أحشاء مصر، فى تاريخها وفى جغرافيتها فى انتظار من يغوص لالتقاطها ، وغيابها عن الوعى الثقافى الوطنى يعود بشكل مؤكد لقصور فى مؤسسات التنشئة، وهى وغيرها تؤكد أن بناء نموذجنا الحضارى لا يتحقق فقط بالتصدى لموجات الغزو الثقافى الغربى وحملات “التغريب” بل أيضاً بإحياء الوعى الوطنى والتعمق فى تراثنا لاكتشاف كنزونا الثقافية والتاريخية وبها يتعمق وعينا وتتزين هويتنا ويتعزز افتخارنا بهذه الهوية .
3
[21:17, 2022-09-20] عليه وسلم غزوة بدر الكبرى. هذا البقيع الآخر موجود فى قرية “البهنسا الغراء” بمحافظة المنيا فى صعيد مصر. استشهد كل هؤلاء فى “معركة البهنسا” ضد جيش الرومان التى انتصر فيها جيش المسلمين وأرتقى فيها 5000 شهيداً من الصحابة الأجلاء منهم زياد بن أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وسليمان بن خالد بن الوليد، وعبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، والحسن بن زين العابدين بن الحسن بن على بن أبى طالب، ومحمد بن أبى ذر الغفارى، ومحمد بن عقبة بن نافع، وعلى بن عقيل بن أبى طالب، وجعفر بن عقيل بن أبى طالب، وخولة بنت الأذور، والقعقاع بن عمرو الذى قيل فيه “لا يُهزم جيش فيه القعقاع”.
البهنسا قطعة نور على أرض مصر أين هى من وعينا وتاريخنا ومن ثقافتنا وهى التى شهدت واحدة من أهم معارك دخول مصر فى الإسلام. فبمعركة البهنسا اكتمل لجيش الإسلام الانتصار على الرومان لتدخل مصر فى دين الله، والبهنسا هى التى تحتضن بين ترابها كل هؤلاء الأكابر من آل بيت النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته.
لآلئ مصر من جبل التجلى إلى الوادى المقدس إلى البهنسا الغراء لآلئ كامنة فى أحشاء مصر، فى تاريخها وفى جغرافيتها فى انتظار من يغوص لالتقاطها ، وغيابها عن الوعى الثقافى الوطنى يعود بشكل مؤكد لقصور فى مؤسسات التنشئة، وهى وغيرها تؤكد أن بناء نموذجنا الحضارى لا يتحقق فقط بالتصدى لموجات الغزو الثقافى الغربى وحملات “التغريب” بل أيضاً بإحياء الوعى الوطنى والتعمق فى تراثنا لاكتشاف كنزونا الثقافية والتاريخية وبها يتعمق وعينا وتتزين هويتنا ويتعزز افتخارنا بهذه الهوية .
mohamed.alsaid.idries@gmail.com

الاهرام
20/9/2022