ماذا لو كان سقراط عراقياً ؟!


أ. د عامر حسن فياض
لانعرف عن سقراط اكثر من كونه أثينيا من ابناء إحدى الجزر اليونانية في رواية، ومن ابناء اثينا في رواية اخرى، وانه كان يعمل صانع فخار، فضلا عن تعليمه الفلسفة للناس في اسواق اثينا وشوراعها دون أجر ، وحوكم عام 399 ق.م بتهمة الإساءة لآلهة المدينة وإفساد عقول الشباب، وحكم عليه بالموت وعمره حوالي سبعين عاما، ونُفذ فيه الحكم.
وتتلخص ابرز افكار سقراط السياسية في:
– الاعتقاد بفساد نظام الديمقراطية الإغريقية، وبخاصة في أنموذجها الأثني، وخطأ نظريتها القائمة على مبدأ المساواة بين المواطنين، وأسلوبها القائم على اختيار الموظفين العامين بالقرعة بذريعة المساواة ، لأن المساواة لاتعني العدالة ولاتحققها بالضرورة، لعدم إمكانية المساواة بين من يعلمون ومن لايعلمون ، ومن يعملون ومن لايعملون، ولأن القرعة يمكن ان تتسبب في حرمان المجتمع من خدمات أهل الخبرة وأصحاب المؤهلات عندما توفر للعاجز والكفء، فرصا متساوية من دون أي تمييز بينهما.
– الاعتقاد بفساد الحكم الذي تمارسه جمعية وطنية(مؤتمر عام) ذات سيادة، لأنه نظام يساوي من دون أي تمييز بين أدوار وأصوات الجاهلين بفن السياسة، وادوار وأصوات العارفين بهذا الفن.
– الاعتقاد بأن الفضيلة مصدرها المعرفة التي تقود إلى الفضيلة (الفضيلة هي المعرفة والمعرفة هي الفضيلة)، وأن طبيعة الإنسان خيرة بالفطرة، ولا تأتي بظلم أو شر إلا عن جهل وقصور في معرفة الحق والفضيلة، لذلك فأن التعليم والمعرفة شرط اساس للوصول الى الفضيلة التي هي بدورها شرط صلاح المجتمع ونظام الحكم فيه.
– الاعتقاد بأن الحكماء وأصحاب المعرفة، يجب ان يتولوا شؤون الحكم ومسؤوليات السلطة، لأن فضيلة الحُكم مصدرها فضيلة الحكام التي مصدرها علو معارفهم وعلومهم وليس فوزهم لا بالقرعة ولاحتى بالانتخاب.
– الاعتقاد بأن الفرد القوي المستنير/ الفيلسوف الفاضل يجب ان يتولى السلطة المطلقة ، استنادا الى مبدأ (إن الفضيلة هي المعرفة والمعرفة هي الفضيلة)، لأن الفيلسوف هو الأكثر معرفة، فهو إذا الأكثر فضيلة بما يجعله الاكثر اهلية لتولي الحكم، ولعل في استلهام انظمة الحكم المقتدرة لأفكارها ومنطلقاتها من الفكر السقراطي ما يجعل من هذا الفيلسوف عدواً للنظام الديمقراطي الذي أصبح في النهاية عدوه وحكم عليه بالموت.
– الاعتقاد بأن العدالة في مفهومها الإغريقي تقوم على احترام القوانين والخضوع لأحكامها، ايا كان مصدر هذه القوانين وطبيعتها ومصدرها، وكلما احترم المجتمع قوانينه وحرص على تطبيقها كلما دل على صلاحه وفضيلته، وكل ذلك يتماشى مع عقلانية السلوك الانساني، لان الاحترام الانساني للقوانين هو اخضاع للغرائز الادنى في الانسان لاسمى مكوناته (العقل) المتجسد في القوانين.
– الاعتقاد بان احترام المجتمع لقوانينه مشروط بتطبيق مبدأ سيادة القانون وخضوع جميع افراد المجتمع (حكاماً ومحكومين) لأحكامه ، أي خضوع المجتمع لدستوره الذي شرعه وقوانينه التي وضعها وليس لأهواء الحكام وآرائهم المتغيرة.
لقد دفع سقراط حياته ثمنا لاعتقاده بفكرته الاخيرة عن سيادة القانون عندما رفض الفرصة التي وفرها له تلامذته ومريدوه للهرب من السجن والنجاة من حكم الاعدام الصادر بحقه، لانه رأى في هروبه خرقاً للقوانين حتى لو أنها حكمت عليه ظلماً، وعدَّ هروبه من الحكم الصادر عليه انتهاكاً متعمداً لحرمة القوانين وسيادتها سيؤدي بالنتيجة الى افساد المجتمع وتخريب أخلاق شبابه وفضائلهم، وهذه هي التهمة التي حوكم سقراط بسببها ونفاها تماماً، فكيف يفعلها الآن ؟ ولكن محاكمة سقراط والتهم الموجهة اليه ، كانت ذات مضمون سياسي ، فأساسها نقده للديمقراطية الأثينية وتفنيده لمبادئها ومرتكزاتها، واتهامه لجمعيتها العامة وساستها بفقدان الفضيلة وأنعدامها فيهم بحكم جهلهم وافتقارهم للمعرفة مما يفسر دعوته الى معالجة الشأن السياسي استناداً الى معرفة فلسفية وأفق معرفي عقلاني ، وهذا ما رأى فيه الديمقراطيون الأثينيون عدم ولاء للدولة وخيانة عظمى لها، فأتهموه وحاكموه وأعدموه، فكان بذلك من أبرز وأول شهداء الصراع بين الفكر والسلطة وبين الحرية والفوضى.
اخيراً نظن ان سقراط لو كان بيننا في العراق اليوم لقال ” مسكين ايها العقل عندما تسود الفوضى”.
‎2022-‎09-‎21