معضلة كبرى تهدد جيش الاحتلال الصهيوني بالزوال!

عميرة أيسر
يعتبر جيش الاحتلال الصهيوني من الجيوش الوظيفية التي أنشأها العالم الغربي لحماية مصالحه الجيو سياسية والاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، فهذا الجيش كان النواة التي أسست هذا الكيان الغاصب الذي أصبح بمثابة الورم الخبيث الذي يجب استئصاله قبل أن يدمر ما تبقى من الدول العربية، التي أصبح الكثير منها محتلاً بطريقة أو بأخرى من طرف هذا الكيان عن طريق اتفاقيات التطبيع التي رهنت الأمن القومي لهذه الدول التي تظن بأن تل أبيب تستطيع حمايتها من الخطر الإيراني، كما يتوهم الكثير من حكامها الذين يراهن بعضهم على قدرة إسرائيل على المحافظة على وحدة أوطانهم الترابية المزعومة كما يروجون لذلك في الأوساط السّياسية والأكاديمية والاعلامية وفي المحافل الدولية، بالمقابل فإن الكيان الصهيوني يعتبر المستفيد الأكبر من عملية التطبيع، حيث أن الصادرات الإسرائيلية نحو أسواق الدول العربية المطبعة وفق أرقام دائرة الإحصاء ، قد بلغت 7 مليار دولار سنوياً، وتمثل أسواق شمال أفريقيا و الشرق الأوسط نحو 7 بالمئة من إجمالي الصادرات، و 6 بالمئة من إجمالي الواردات الإسرائيلية من السلع والخدمات، كما ذكر موقع العربي الجديد، بتاريخ 21 جوان/يونيو 2020م، في مقال بعنوان (التطبيع العربي مع إسرائيل مظاهره ودوافعه).
فالجيش الصهيوني الذي كان أهم المؤسسات الرئيسية في أسراءيل التي رعت عملية التطبيع واستفادت منها بعقود تسليح مع هذه الدول تقدر بمليارات الدولارات، بالإضافة إلى ذلك فإن المؤسسة العسكرية والأمنية في تل أبيب ينظر إليها نظرة احترام وتقديس، وتتحكم بكل تفاصيل الحياة السّياسية وتديرها، فمعظم رؤساء أسراءيل منذ عهد ديفيد بن غوريون المؤسس وحتى نتنياهو باعتبار أن ياءير لا بيد رئيس الوزراء الحالي لا علاقة تربطه بالمؤسسة العسكرية فهو كاتب سياسي ألف 11 كتاباً، وصحفي وممثل قبل أن يكون سياسي على عكس سلفه نتنياهو، كانوا ضباطاً سابقين في الجيش الاسرائيلي، فالمجتمع الاسرائيلي كان ينظر إلى هذا الجيش على أنه جيش أسطوري لا يقهر، استطاع المحافظة على هذا الكيان وبقاءه في وسط عداءي يحاول دوماً النيل من الصهاينة وطردهم من أرضهم التاريخية، كما تروج لذلك أدبيات الحركة الصهيونية العالمية، لذلك فهو كان حتى وقت قريب، من أهم المؤسسات التي تستقطب الشباب وخاصة الجامعي منهم، باعتباره المؤسسة الوحيدة التي يتحصل المجندون من خلالها على مجموعة من الامتيازات والتسهيلات بعد انتهاء مدة خدمتهم، كما أنه يعتبر من أهم المفاتيح لولوج عالم السّياسة، بالإضافة إلى توفيره لمناصب شغل دائمة لضباطه وجنوده المسرحين من الخدمة، في شركات عسكرية خاصة تعمل في مجال التكنولوجيا أو في الشركات الأمنية، التي تشرف على حراسة وحماية الكثير من المباني الحكومية والشركات الاقتصادية الكبرى في إسرائيل أو حتى خارجها، وهو القطاع الذي يدر أموالاً طائلة جداً على هؤلاء سنوياً، أو تلك الشركات التابعة لأجهزة مخابرات دول تربطها علاقات مصالح متبادلة مع الكيان المحتل، كالإمارات العربية المتحدة التي توظف إحدى شركاتها التابعة لجهاز المخابرات الإماراتي وتدعى”دارك ماتر”، ضباطاً اسراءيليين سابقين في جهاز الاستخبارات الاسرائيلي المعروف بالموساد للعمل برواتب ضخمة، لملاحقة صحفيين ونشطاء حقوق إنسان غريبين. كما ذكر موقع وكالة الأناضول، بتاريخ 16أكتوبر/تشرين الأول 2019م، في مقال بعنوان (هآرتس: شركة إماراتية توظف ضباط اسراءيليين سابقين براتب مليون دولار).
إذ أن نسبة المجندين الراغبين في الالتحاق بصفوف جيش الاحتلال الصهيوني، قد انخفضت لمستويات قياسية غير مألوفة، و أصبح الكثير من الشباب عازفين عن أداء الخدمة العسكرية ويختلقون الحجج الواهية من أجل ذلك، وخاصة بعد الهزيمة العسكرية الساحقة التي منيت بها القوات الصهيونية في جنوب لبنان في سنة 2006م ضدّ قوات حزب الله اللبناني، وهي الحرب التي كانت بمثابة هزيمة استراتيجية كبرى للكيان الصهيوني، وضربة قاصمة للصورة النمطية التي رسخت في أذهان الإسرائيليين بأنه جيشهم هو الجيش الأقوى في منطقة الشرق الأوسط، وبأنه الجيش الذي لا يقهر، وهذا ما كان له انعكاسات سلبية على نفسية الشباب الاسرائيلي، حيث انتشرت ظاهرة الهجرة العكسية باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الاوروبي بين النخب الشابة، وهي الظاهرة التي انتشرت بصورة كبيرة بعد عملية سيف القدس، وحسب تقارير وإحصائيات شهر نوفمبر/ تشرين الثاني لسنة 2017م، فإنّ هناك انخفاضاً مستمراً في عدد الشباب الاسرائيلي المنخرط في صفوف مختلف الوحدات القتالية التابعة للجيش الاسرائيلي. كما ذكر صحيفة إسرائيل هيوم الصهيونية، وحتى بالنسبة لعدد الشباب المسجلين لأداء الخدمة العسكرية ممن هم دون سن 17 سنة، فقد انخفض عددهم ليبلغ 49 بالمئة في نفس الشهر بحسب الإذاعة العسكرية الإسرائيلية، التي تساءلت ما اذا كان من الممكن الاستمرار في تنمية الجيش الاسرائيلي على حساب الشعب. كما ذكر موقع EURONEWSبتاريخ 4ديسمبر/ كانون الأول 2017م، في مقال بعنوان ( انخفاض مستمر في عدد المجندين الإسرائيليين وانحسار في الإرادة القتالية).
فهذا الجيش الذي يعتبر من الجيوش المجهزة بوسائل قتالية متطورة، وتستعمل أهم أنظمة الاتصال والرصد والمتابعة ويمتلك أحدث الأسلحة الفتاكة الصنع، إلاّ أنه بالرغم من ذلك لم يستطع الصمود أمام ضربات المقاومتين الفلسطينية واللبنانية طوال العقدين الماضيين لأنه يفتقر إلى العنصر البشري المؤهل الذي يستطيع إدارة هذه التجهيزات والمعدات والأسلحة والأنظمة الدفاعية المتقدمة، وهناك أزمة حالياً بدأت بوادرها تطفو على السطح، وهذا ما جعل العديد من الجنرالات في الجيش الاسرائيلي يدقون ناموس الخطر، ومنهم الجنرال إسحاق بريك، الذي شغل منصب قائد الكليات العسكرية ومفوض قبول الجنود في جيش الاحتلال، حيث أكد على أن الأمن الاسرائيلي في تفكك مميت محذراً بأن أسراءيل لا يمكنها الصمود بعد خوضها عدة حروب في ساحات مختلفة، وفي مقال نشره موقع 12 الصهيوني لفت بريك إلى أن جيش الاحتلال تحت قيادة رؤساء الأركان السابقين، قد تدهور لدرجة أنه لم يعد قادراً على تطبيق أفكار بلورها هؤلاء القادة للنهوض به، مثلما ذكر موقع العربي الجديد، بتاريخ 8سبتمبر / أيلول 2022م، في مقال بعنوان (جنرال إسرائيلي : سنواجه كارثة بسبب قصور جيشنا).
فالقيادة العسكرية التي تحاول إصلاح أوجه القصور الاستراتيجي في عمل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تجد نفسها شبه معزولة، وخاصة في عهد حكومة ياءير لابيد الذي لا يريد الاعتراف بأن جيشه يعاني من نقاط ضعف قاتلة، فهو لن يستطيع الصمود طويلاً في أية مواجهة عسكرية مقبلة مع محور المقاومة، فإسرائيل التي يطلق قادتها تصريحات نارية ضد أعداء ها كإيران وسوريا والجزائر، بالإضافة لمختلف أطياف وفصائل المقاومة في المنطقة، بالكاد تستطيع حماية نفسها في الحرب المقبلة التي ستكون مفصلية، وشبيهة إلى حدّ كبير بحرب 1948م، لأن القتال فيها لن يكون على حدودها الغربية أو الشمالية، بل ستكون هذه الحرب حرب شوارع ومدن ومستوطنات، والاحتمال الأكبر حسب كل القراءات و التحليلات العسكرية الإسرائيلية، هو أن تجد أسراءيل نفسها لوحدها في مواجهة قوى المقاومة والدول التحالف معها، لأن حلف الناتو والجيش الأمريكي وكل حلفاءها الغربيين سيكونون مشغولين بأمورهم الداخلية وبحروب إقليمية أهم، ولن يتورطوا في حرب محسومة سلفاً لصالح محور المقاومة.
 _كاتب جزائري
‎2022-‎09-‎21