وجـــعٌ مؤجـّـل…!

رانية زكريا لصوي

عامٌ باردٌ من الغياب، باردٌ من كلِّ شيءٍ إلى الغياب، وجع الفقد، انتظار اللقاء…

 

هذا العدوُّ الذي لا يتوانى عن قهرنا؛ إيلامنا؛ يعرف كيف يُسكن الوجع في أضلعنا، لكنّه لا يعرفُ أنّه ما يَسكنُ الأضلع يكبرُ معها وينمو، ليولدَ زهرةَ المقاومة من جديد…

 

هذا العدوُّ الذي يستهدفُ نساءنا وأطفالنا؛ يعرفُ حقَّ المعرفة كيف تصلب الروح، وعلى أيّ جلجلةٍ يُحملنا الوجع، في شوارع فلسطين، وعلى ترابها يتركُ دماءنا تسيل، تعانق الأرض، لكنّه لا يعرف أنّ هذه الأرض ستنبت مقاومة…

 

هذا العدوُّ الذي يمتهنُ جرح النفس؛ يُخبّئ جثامين شهدائنا؛ يخافُ موتهم كما يخافُ صحوهم؛ يحتجزُ جثامين الشهداء؛ يظنُّ أنَّ في الثلاجات بردًا يأكلُ الجسد؛ يُـغيّر ملامحه ربّما، لكنّه لا يعرفُ أنّه باحتجاز جثامين الشهداء يوقدُ نارًا بدواخلنا تتفجّرُ مقاومة…

دمعةٌ وأمل:

يا لهذا الشّوق؛ غابت مي عفانة عن منزلها أربعة عشر شهرا، تركت طفلتها سلاف بعمر الخمس سنوات، كبرت اليوم، وهي في السادسة من عمرها؛ كبرت وما زالت صغيرة، اشتاقت، انتظرت واشتاقت وانتظرت فعادت الدكتورة مي عفانة بجسدها البارد من كل شيء إلا الحنين بعد أكثر من عام على احتجاز الاحتلال جثمانها؛ عادت لتراها ابنتها ليس كما تُحب! ولكن تراها.

 

زغردي يا صغيرتي فمثلنا من لا يقوى على آلامه إلا بالزغاريد، قد تجدينها صعبه اليوم، ولكنها غدا ستكون أمرا واقعا وسلاحا فاعل في وجه عدونا..

 

يا صغيرتي نضالك مختلف، ووجعك مختلف، في عالمنا العربي نتحدث عن حقوق المرأة، حمايتها؛ استبدال ضعفها قوة.. أما أنتِ يا صغيرتي فأبسط حقوقك بالحياة مهددة، ربما تكونين مشروع شهيده قادمة، أم شهيد، زوجة شهيد…

 

لا تبكي بُنيتي، استصرخي كل ذلك الألم؛ الشوق؛ الحُرقة، واستحيلهم الى أمل، هكذا فقط نعيش..

حملة فلسطينية شعبية لاستعادة جثامين الشهداء

منذ احتلال فلسطين والكيان الصهيوني ينتهج سياسة حجز جثامين الشهداء الفلسطيني بما يسمى مقابر الأرقام، وهو ما يطلق على مدافن بسيطة؛ مثبت على كل قبر فيها رقم وليس اسماً لشهيد، لكل رقم ملف خاص عن صاحب الجثمان يحتفظ به الكيان الاسرائيلي لدى ما يعرف بالجهات الأمنية.

 

أنشأ الكيان الصهيوني ما يسمى “بنك الجلد الإسرائيلي” عام 1985، في هذا البنك يتم احتجاز جثامين الشهداء وتستخدم جلودهم وأعضائهم في علاج القاتل وجنوده، خاصة الحروق.

 

وفي عام 2019 أقرّ الكيان الصهيوني عبر (المحكمة العليا الإسرائيلية) قانون احتجاز جثامين الشهداء، لاستخدامها في المفاوضات مع المقاومة حال وجود عمليات تبادل أسرى.

 

وفي مطالبة شعبية فلسطينية تم إطلاق حملة شعبية للمطالبة بجثامين الشهداء المحتجزة لدى الكيان الصهيوني، والتي تنقسم إلى 253 جثمانا في مقابر الأرقام، و105 جثامين في الثلاجات منذ عام 2015؛ ثلاثة منها تعود إلى إناث، و9 تعود الى أطفال، وثمانية أسرى أمضوا مددا مختلفة في سجون الاحتلال.

 

ترفض (إسرائيل) الإفصاح عن أماكن حجز الشهداء، وتصمت السلطة الفلسطينية والعالم أجمع عن محاسبة هذا الكيان السرطاني، ويبقى الوجع المؤجل أكبر من أن يحتمله اهالي الشهداء، وأصعب من أن تستوعبه ساعات الزمن.

 

سنوات طويلة من الانتظار، كل ما يفعله المنتظر تخيل كيف سيكون من عاد مستشهدا.. وتقول العديد من الصور والقصص أن بعض ما أُعيد من جثامين ظهر عليه التشريح والتخييط وهو ما يؤكد سرقة أعضاء الشهداء يما يخدم العدو.

 

حين ينطق الوجع

 

نكتب كي لا ننسى، فلنا تاريخنا المحكي، ولهم ما يدونون.. نحن شعبٌ نفخر بأوجاعنا أسرد لكم شيء من كل، حين نشترك بالألم…

 

أم بلال: والله فرحت لفرحتك يا أم مي

 

أم مي: والله فرحتي ناقصة حبيبتي أم بلال، وما بتكمل إلا بدفن بلال وكل الّي ظلوا وراها في الثلاجات..

 

مراقب: ودع جثمان مي وهو يغادر الثلاجة إلى حضن الأرض 102 جثمان لشهداء تنتظرهن أمهاتهن؛ ينتظرن لحظة الفرح لوجع مؤجل

 

يكتب المناضل محمد عليان والد الشهيد بهاء عليان على صفحته

 

أم شهيد محتجز منذ خمس سنوات: أبو البهاء احكيلي كيف استلمت ابنك، أمانة الله تقولي كيف كان وجهه؟

 

هي لا تدري قسوة هذا السؤال، لكنها تريد مني بعض الاطمئنان،

 

زي القمر والله زي القمر ما شاء الله على وجهه وريحتو بتجنن زي المسك الله وكيلك؛ اطمني …

 

ويكمل أبو البهاء: أقول ذلك كي أرفع لديها منسوب الاطمئنان والأمل بأن تلقاها ذات يوم بنفس الجمال.. كي أبدد ما لديها من مخاوف تأتيها كوابيس في الليل وعز النهار، ولا أقول لها الحقيقة بأن الثلاجة تفعل فعلها الشنيع في الوجه والصدر والجسم. وأتساءل هل تصدقني أم تراها تكشف كذبي من ارتجاف صوتي ورعشة يدي وآثار غصة لعينة علقت في حلقي على حين غرة؟!

 

نسرد قصصنا؛ فيكبر الوجع فينا؛ يتعمق؛ يتفجر، وتبقى قضيتنا حاضرة إما نحن أو نحن، وفلسطين لا تقبل إلا فينا نحن، هذه ليست حقيقة فقط، هذه تعويذة ثبات ونصر، نحيا بها لتكن فلسطين حرة..

إن كان لنا من أوجاعنا ما نعيشه، وما هو مؤجل… فإن تحريرنا قادم.

‎2022-‎09-‎17