لماذا أوكرانيا…؟!
رنا علوان
لو قمنا بتنحية الأسباب الجيوسياسية الهامة ، ونظرنا من منظور إقتصادي بحت ، سنجد ما تمثله أوكرانيا من قوة في هذا المجال ، ولفهمنا سبب الصراع عليها

بدايةً يكفي القول إن أوكرانيا لطالما كانت تعتبر الثانية من حيث الأهمية الاقتصادية بعد روسيا في دول الاتحاد السوفييتي السابق ، حيث شكل الناتج القومي لها أربعة أضعاف ما تنتجه الجمهوريات السوفييتية دون أخذ روسيا بالحسبان ، وكانت تسمى ( سلة خبز السوفييت ) كما ( سلة الغذاء العالمية )

ولكي يتم دراسة الموضوع جيدا ، يجب علينا أن نضع نصب أعيننا ، ما تكبده العالم من خسائر خلال جائحة كورونا ، وما أدى ذلك إلى ارتفاع بأسعار الطاقة والغذاء وتراجع السياحة والصعوبة المحتملة في الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية

فما إن بدء العالم يدخل في مرحلة التعافي حتى أتى هذا الصراع ، حيث كانت تشهد فيه معظم بلدان المنطقة تضاؤلا في الحيز المالي المتاح لمواجهة آثار الصدمة ، ومن البديهي أن يُفضي هذا الأمر إلى اشتداد الضغوط الاجتماعية–الاقتصادية ، والتعرض لمخاطر الديون العامة ، وحدوث ندوب من الجائحة التي عان منها العالم أجمع

لذلك كانت أوكرانيا بمثابة لقمة سائغة ودسمة أثارت لعاب الدول الطفيلية ، فلدى أوكرانيا مجموعة واسعة من الموارد الطبيعية ، التي يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات رئيسية مورد طاقة ، خامات معدنية ، وخامات غير معدنية

فعلى الرغم من أن أوكرانيا لا تمثل سوى 0.4 ٪ من سطح الأرض ، و0.8 ٪ من سكان العالم ، لكن البلاد تمتلك ما يقرب من 5 ٪ من الموارد المعدنية في العالم أجمع !

ويعد الفحم من أبرز مواردها الطبيعية ، حيث تمتلك سابع أكبر احتياطي في العالم وثاني أكبر احتياطي للفحم في أوروبا بحوالي 35 مليار طن ، وقدرت مصادر أخرى الاحتياطيات بحوالي 120 مليار طن.

فضلاً عن ما تمتلكه أوكرانيا من قدرات زراعية كبرى تمثل أهمية على المستوى العالمي في العديد من المنتجات ، حيث تمثل صادرات القطاع الزراعي نحو 45% من إجمالي الصادرات الأوكرانية ، بينما تصل مساحة الأراضي الصالحة للزراعة إلى حوالي 50 مليون هكتار (أي أن 80% من أراضي البلد صالحة للزراعة)
وقد بلغت صادرات الفواكه نحو 57 ألف طن ، واللحوم 451 ألف طن ، والدواجن 432 ألف طن

أما في قطاع التعدين أنتجت نحو 62 مليون طن من الحديد تحتل بها المرتبة السادسة عالميا والثانية عالميا من حيث الاحتياطي بنحو 30 مليار دولار ، كما تحتل المرتبة الثانية أوروبيا في الاحتياطي من الزئبق ، والأولى في الكبريت والعاشرة عالميا في احتياطيات خام التيتانيوم

ناهيك عن المجال الصناعي فأوكرانيا تحتل المرتبة الرابعة عالميا في تصدير توربينات محطات الطاقة النووية والـ 12 في مجال صادرات السلاح بنحو مليار دولار، حيث ورثت عن الاتحاد السوفييتي السابق نحو 30% من مصانعه توظف فيها نحو 700 ألف شخص

والأهم بالنسبة لأوكرانيا حاملة لقب( سلة الخبز ) هو انتاجها للحبوب فقد بلغ الإجمالي نحو 50 مليون طن ، من بينها 28 مليون طن من القمح وصادرات بلغت نحو 18.1 مليون طن جعلتها تحتل المركز السادس عالميا في صادرات القمح والرابع في صادرات الذرة ، بينما احتلت المرتبة الثالثة من حيث كمية الإنتاج ، والمركز الثاني عالميا في إنتاج الشعير والرابع في صادراته
وتعد أوكرانيا أكبر مصدر لزيت عباد الشمس ، والثالثة عالميا في إنتاج وتصدير العسل بنحو 81 ألف طن سنويا
كما تصل منتجاتها إلى مختلف دول العالم ، من المغرب مرورا ببنغلاديش وصولا إلى إندونيسيا

خلاصةّ لا تنشأ الحروب من عدم ، فالدوافع والأسباب كبيرة وجمّة ، وقد وصفها أرسطو منذ الزمن الاغريقي التراجيدي ، ( أن الهدف من كل الحروب هو السلام في نهاية المطاف ، فقد تكون الحرب في بعض الأحيان شر لا بد منه ) وهي فعلاً ليست سوى شر ، أول ضحاياها هي الحقيقة

وبما أن الجوانب الإستراتيجية والتكتيكية للحرب تتبدل دائما بتبدل الأهداف والغايات ، فإن النظريات والمذاهب المتعلقة بالحرب غالبا ما تصاغ قبل وأثناء وبعد كل حرب كبرى وكما قال كارل فون كلاوزفيتس ( إن لكل عصر نوعه الخاص من الحروب ، والظروف الخاصة ، والتحيزات المميزة ) فالحروب ليس بالضرورة أن تكون متشابهة
‎2022-‎09-‎12