الانحطاطية العربية الثانيه واستعادة الذاتيهم/2!

عبدالامير الركابي

لاتستعاد الذاتيه في نهاية المطاف الا بحسب فعل الديناميات الذاتيه وحضورها، وان تغيرت اشتراطات التفاعلية التي تكتنفها، اي ان الحاصل هو نتيجه عنصرين بغض النظر عن توهمات الحداثوية وماتعتقده متطابقا كنتيجة مع افتعال وفبركة الكيانات والدول، والافكار والاحزاب، فالمتحصل اليوم، انه وبينما يشارف الغرب ونموذجه على استنفاد حيويته واسباب استمراريته، فان ملامح البدئية الثانيه تكون قد اخذت تحل على منطقة شرق المتوسط، وحيثما تكون الاتباعية التوهمية سارية، وقد غدت خارج الواقع بالنسبة لذاتها، فان مرتكزات بنية موضع البدئية المجتمعية الشرق متوسطي تتلقى متفاعله، اثارمساعي تحويرها من خارجها مرتكزة لاسسها التكوينيه غير المنظورة، وفي مقدمها البنيوي المحكوم لحضور النهرين، والنهر الواحد، واشتراطات اقتصاد الغزو، والاحترابيه الاقصى، وبينما يجري الحديث عن الطبقات والبرجوازية ودورها المتخيل، يكون نظام الدولة النهرية النيلي (1)، ومصر هبة النيل بحسب “هيرودوت”، هو الحاضر بنية وديناميات، في حين يفعل النهران في ارض مابين النهرين فعلهما الازدواجي اللاارضوي التحولي، وهما يتغيران حضورا، بينما من يحكمون الجزيرة منصبه جهودهم على نزع الاحترابية التي حررت المنطقة من وطاة الانصبابات، الشرقية الغربية، وايقظت الدورة التاريخية الثانية، بوسيلة الريع النفطي، لاجل اقامة “مجتمع منزوع السلاح”.

بدات المجتمعية البشرية بمجتمعات الانهار الثلاثة الشرق متوسطية، المنطوية على غرضية الظاهرة ومنتهاها وانماطها، وتنتهي مشارفة على الانتقال الاعظم الاخير، مع مصر خارج مفاعيل النيل، و “ارض مابعد النهرين” محل الارض الاولى والمبتدأ، “ارض مابين النهرين” وهنا كما في الجزيرة وارض الشام، تتجلى التفاعلية الذاتية “الحديثة” الفعلية، غير تلك المصاغة ذهنيا، وبحسب المنهجيات الجاهزة والنموذج الغالب الذي لم يعد قائما اصلا.

ويطول تعداد مناحي التوهمية الحداثية العربية، ومواطن خروجها الكلي عن اية سياقات لها علاقة بالتاريخ ومسارات المجتمعية المتبلورة ابتداء في هذا الموضع من العالم وقد جرى بيسر، لابل وبحماسة، مغادرته والانقلاب عليه كحقيقة كونية اساسية، لصالح ظاهرة، الذي اتبعوها ليس لهم اية قدرة من اي نوع او مستوى كان، على مقاربتها وعيا، فتحولت اللحظة الكبرى والاستثنائية بناء عليه الى شعار للتطبيل :”لماذا تقدم الغرب وتاخرنا؟” بلا توقف عند مااعتبره هؤلاء “تقدما”، او ما حكموا على غيره على انه تأخر، وبناء على اية مقاييس واسس نظرغير تلك الجاهزة الغالبة في حينه.

ترى هل كان بالامكان على سبيل المثال اعتماد قانون التحولية في النظر الى التاريخ والمجتمعات، ووضع الظاهرة الغربية بناء على المنهجية الازدواجية اللاارضوية، في الموضع الذي تستحقه في السياقات التصيّرية الاوسع والابعد، الذاهبة الى مابعد مجتمعية، والى مايتجاوز الارضوية حتى بصيغتها العليا الارفع الاوربية الحديثة ـ بما هي على خلاف مايبدو ظاهرا ـ لحظة انقضاء صلاحيتها تمهيدا للانتقالية اللاارضوية العظمى.

وتحضر هنا كل القصورية العقلية مضاعفة، ليصير الغرب وظاهرته المعاصرة سببا في تكريسها وتعميق فعلها، ومع التوهمية الغربية، وما يواكبها من الايحاءات بخصوص المجتمعية ومقاربتها بما عرف ب “علم الاجتماع” اخر العلوم، يتوطد القصور العقلي الاصل بازاء المجتمعية ونمطيتها، ومنطوياتها، ليحل محل المطلوب ادراكه تاريخيا، وهم بدائي وسطحي ارضوي، يفلح الغرب في اشاعته بوطاة حضوره الحديث، على انه قمة العلم والمعرفة بهذا الخصوص.

ثمة موضع من العالم وجد اصلا وبحسب مسارات البيئية/ التجمعية البشرية الاولى، الذاهبة الى المجتمعية، متطابقة كينونة وبنية مع مقاصد واغراض الظاهرة المستجدة، اولا باللاارضوية المحكومة ل”لعيش على حافة الفناء” ثم بمايواكبها من نمطيات ارضوية مطابقة للضرورة اللاحقة على انتكاس عملية التحول اللاارضوي، بتشكل النمطية الارضوية النهرية اللاطبقية، والنموذجية الاولى للكيانوية الوطنيه المكتملة احاديا، غير المنطوية على ديناميات تتعدى الدورة الاولى التاسيسية، ثقل احاديتها، يعزز في داخلها الحاجة القصوى الى الازدواج اللاارضوي، بما يجعله خاصية اساسية لايكتمل قوامها من دونها، يضاف الى البنية الشرق متوسطية، كيانية اللادولة الصحراوية الاحترابية القصوى، الاحتياطي التحريري المحكومة لاقتصاد الغزو، حيث الازدواج وتعبيريته العقيدية عامل حفظ ضد الفناء المتاتي من شروط الانصباب الامبراطورية الشرقية خصوصا، مع غلق فارس للمنفد البحري التجاري الاسفل الصاعد الى الهلال الخصيب، بما هو متنفس وعامل حفظ توازن “القبلية”، من دونه يتغير القانون العائد لاقتصاد الغزو وفعله، لصالح حالة اقرب الى “اقتل لتعيش”.

هكذا وبغض النظر عن طريقة النظر السائدة، تتشكل في هذا الموضع من العالم اسباب الوحدة التعبيرية والمصيرية، وتنتظم الاليات في موضع التطابق الاعلى مع غايات ومستهدفات العملية المجتمعية، الامر الذي ينقلنا من دونية المنظورات الاحادية، بما فيها اعلاها الاوربية الراهنه، الى ماهو غائب عن النظر ومؤجل، ينتظر كشف النقاب، الامر الذي تتبدل عنده ولابد، اسس النظرة الى الحياة والتاريخ، فتتغير دلالات ومعاني الاحداث والتحولات الكبرى الفاصلة، مثل ظهور الاله المتاخر،وحضورها في العملية الانتاجية والمجتمعية.

واخطر مايواكب رؤية البشر للمجتمعات وتكوينها، رسوخ الاعتقاد الاحادي، مايولد اعتقادية مفادها اعتبار الاحادية ذروة وغاية التشكل المجتمعي كمالا، على سبيل المثال حال التشكلية النيلية الاولى (2)، وهو ماينجم عن قصورية عقلية تلازم علاقة العقل بالظاهرة المجتمعية، فتمنعه من رؤية الحقيقة الازدواجية الاساسية، والتي لاتكتمل المجتمعية من دونها، مايجعل المجتمعات خاضعة ابتداء لنوعين من البدئية، لا ارضوية ازدواجية، وارضوية احادية، الاولى نموذجها ارض مابين النهرين، والثانيه ابرز مثال عليها ارض وادي النيل، وهو مايترتب عليه حال من التوهمية الاقصى والاطول، (3) تؤدي بالدرجة الاساس الاخطر، الى تغييب الغرض والهدفية المنطوية في الظاهرة المجتمعية والقابعة خلفها.

من بين كل المجتمعات قاطبة، تتشكل مجتمعية مابين النهرين بخلاف غيرها، لاارضوية ابتداء، تحكمها قوانين الاصطراع مع البيئة الطاردة شبه الافنائية، والاقرب للاستحالة. فيكون ذلك هو الابتداء المجتمعي، قبل ان تظهر لاحقا وبعد ان تتبلور الصيغة المجتمعية الاولى ” اللاارضوية”، مجتمعية اخرى، وحيث تكون المجتمعية الاولى جنوبية وتنشا في ارض السواد حيث كمال عناصر الطرد البيئي، ، تتبلور في الاعلى في “عراق الجزيرة” كما يطلق عليه الجغرافيون، وهو العراق الاعلى، حيث اشتراطات الاحادية الارضوية المفعمه بروح الغلبة والسيطرة، مايدفعها للنزول الى الاسفل على امل الحاق الارض الاعلى خصبا لسلطتها، الامر الذي يولد من يومها حالة اصطراع افنائي ابتداء، يتحول بمرور الوقت، وتوفر القناعة بالممارسة والتجربة، لدى الاطار الاعلى، باستحالة اخضاع الاطار الاسفل، الى نمط من الاصطراعية بين نمطين متباينين، مستقلين ضمن كيانيه موحده، لكنها ليس مثل غيرها من المجتمعات، “واحدة”، كما الحال المصري الذي ينشا ويكتمل نموذجا احاديا، متزامنا مع بدء الاصطراعية الرافدينيه.

ولا تتوقف الاصطراعية الازدواجية لارض مابين النهرين عند حدودها والمكان التي تنشا فيه، فاللاارضوية لن تلبث ان تتجلى بما يطابق نوعها وكينونته ضمن الاحتدامية الاصطراعية، وبما انها تكون عاجزة عن تحقيق ذاتها، ومنطواها التحولي اللاارضوي، بظل غلبة الاحادية الارضوية، الاقرب للبداهة الوجودية فانها تتجه للحضور الانتظاري وصولا للكمال النبوي التوحيدي الابراهيمي، الذي لن يلبث ان يتحول الى حقيقة مجتمعية ازدواجيه مميزه لاغلب المجتمعات، وبصورة دائمه ومستمرة، مادامت اسباب اللاتحقق التحولي غير متوفرة اعقالا وماديا، ولا ترتكز اللاارضوية في بنائها خارج ارضها ل” مملكة الله على الارض” كمجتمعية موازية، على ماهو ظاهر من مكونات المجتمعية، من دون الازدواجية الاصل الجوهر الحاكم لمادتها البشرية، التي هي كائن مزدوج جسدو / عقلي، كما تشكل مع وقوف الكائن الحيواني على قائمتين، واستعماله يدية، وماواكب ذلك من تغير في موقع العقل الذي كان مطموسا تحت الغلبة شبه المطلقة للجسدية الحيوانية، لنصبح من وقتها امام حالة توازن عقلي جسدي، يطلق اعتباطا على الكائن المتشكل منها، تسمية ” الانسان” بدل “الانسايوان”، الحالة الانتقالية بين الحيوان، والانسان / العقل.

ـ يتبع ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وضع الهامش الاول في الحلقة الماضية من دون ترقيم وهو يستحق الاعادة هنا مرقما.

(2)يرى الجغرافي المصري جمال حمدان ان التشكلية الوطنيه هي قمة ومنتهى ممكنات التشكل المجتمعي، ومثاله المصري،. يراجع/ جمال حمدان/ شخصية مصر/ دراسة في عبقرية المكان/ عالم الكتب/ القاهرة.

(3) يرى طه باقر، اهم الدارسين من العراقيين لما يعرف بالحضارات القديمه ان ( الحضارة المصرية قامت “ناضجه” والحضارة العرقية قامت “ديناميكيه”) والنضج هنا يعني كما هو واضح القرب من “الكمال”، ومرة اخرى الكمال الاحادي بظل العجز عن مقاربة الازدواج كحقيقة عليا.

‎2022-‎09-‎08