الانحطاطية العربية الثانيه واستعادة الذاتيه/5!

عبدالامير الركابي
لم تظهر ولايمكن ان تظهر في العراق “حركة اسلامبه” بالمعنى المتداول، بالاخص في ارض السواد حيث الانبعاث الحالي الثالث، فالمنطقة المذكورة لها بالاصل “اسلامها” اللاارضوي، التشيعي الاسماعيلي، القرمطي الحلاجي، الخوارجي، الاخوان صفائي، المعتزلي، وهو اسلام ابراهيمي مابعد جزيري، ينتهي باعلان نهاية الطور النبوي بالختام المهدوي الانتظاري، والمعضلة الكبرى التي يعجز كليا بازائها من هم بموقع التصدي للمسالة الاسلامية، تتجسد هنا في نقطة اساس انقلابيه، خارجة عن طاقة وممكنات هولاء الاعقاليةعلى الصعد كافة، مايفرض عليهم، وياخذهم نحو ممارسة نوع من الفبركة المتهافته، هي في الحصيلة من ذيول وتداعيات ومصادر الفبركة الاساس الغربية الانكليزية، ومع قبول الجمع للمنطق الكيانوي، لايجدون ضيرا من اقامة حركات مبعثها اني بداهي، مصلحي مباشر، بلا اي منظور متناسب مع كونها بنت ارض الابراهيمه، بما هي تعبير عن ذاتيه وكينونه استثناء.
وثمة ناحيتين اساسيتين تجعلان من التنظيمات التي ظهرت بعد الخمسينات حاملة اسم الاسلام، ابعد بسنين ضوئية عن مقتضيات وموجبات الضرورة في العراق الحالي، الاولى مصدرها الرضوخ التقليدي لاثار النبوية ومتبقياتها، وعلى وجه التعيين هيمنتها على الرؤية الانتظارية، مع مايوحي به شرط النسب المهدوي للنبي محمد، وقوة الايحاء المعاش بالتكرار بان المهدي يوجد ليعيد انتاج صيغة من الاسلام، او الاسلام نفسه، وهنا تشخص اهم واخطر القضايا الواجبة الحل ابراهيميا، لا اسلاميا محمديا، باعتبار المهدي اشارة الى الطور الثاني النطقي مابعد النبوي من الابراهيمه، وهو اعلان عن انقضاء دورها، بعد ماقد حققته من منجز هائل لاارضوي، فتح السبيل امام مرحلة مختلفة.
هذا غير العجز البديهي عن رؤية العامل البنيوي القابع وراء الافكار والتجليات التعبيرية بحكم اللحظة وطغيان الاعقال الحدسي، مايجعل من المقبول بالنسبة لهؤلاء احالة العراق وينيته الى الجزيرة العربية باعتبارها ” قمة” ومنشأ، من دون الاخذ بالاعتبار كون العراق هو المصدر الاساس الابراهيمي، وان الجزيرة العربية هي الختام، وانها كبنية لادولة احادية احترابية ماكانت لتكون، او يكون للعرب ببنيتهم القبلية الصحراوية، وخضوعهم لاقتصاد الغزو، اي دور او اثر في محيطهم، من دون الابراهيمه ولحظة الانتقال تحت وطاة التازم الاقصى، من القبلية الى المجتمعية العقيدية، فكان اول مافعله محمد انه خرج على قريش، الى ان اخضعها لاحكام المعتقد، الامر الذي استمر ساريا ابان الطور النبوي والراشدي، لحين عادت القبيله و تغلبها، لتخضع العقيدة لاغراضها مع معاوية بن ابي سفيان والامويين، ثم على العباسيين الذين تسنت لهم رفعة الاسباب الامبراطورية البنيوية الرافدينيه، بعكس الامويين الذين ارتكزوا اصلا لعامل طاريء، اساسه تحشد المقاتله في ارض الشام بمواجهة الروم وزخم عملية الفتح، لا الى ايه اليات شامية، في مكان لايملك اصلا مقومات التشكل الوطني الذاتي، دوره يتوقف عند كونه نقطة مرور دائم للامبراطوريات، ابتداء من اولاها الامبراطورية الاكدية العراقية.
عدا ذلك فانه من المستحيل على هذا الصنف ان يعي او يقارب حقيقة المنظور اللاارضوي واشتراطاته، واسبابه، فهم لايعرفون من امرهم سوى ان الله ارسل انبياءه ورسالاته للبشر ليهديهم سواء السبيل، وانهم سيموتون ليحاسبوا على ماقدموا واخروا، ليكون مقرهم الابدي اما في نادي التنابله المسمى، الجنة، او الا تنشواء الابدي بالنار، وهذا بالاحرى هو المستوى المتاح حتى حينه من الادراكية البشرية الانسايوانيه سماويا، على اساسها تشكل، واستجابه له جرت صياغة الرؤية اللاارضوية الاولى بنموذجها النبوي الحدسي، المنتهي واقعا مع القرن الرابع الهجري في سامراء.
لااسلام جزيري في العراق، وهو غير ممكن بنيويا على الاطلاق، فعودة الابراهيمه النبوية الى ارضها، تنفيه لصالح ديناميات طلب التحقق ابتداء من الثورة على الردة الاموية القبيلية، الى اضطرار العباسيين للهرب من الكوفة، وتكرار نموذج الازدواج الامبراطوري، والمدينه المحصنه المعزولة/ الامبراطورية بذاتها، وتحت وطاة الاصطراعيه الازدواجية واستقلال المجتمع الاسفل الامامي بدل النبوي، الشيعي الاسماعيلي، الخوارجي، وصولا الى القرمطي الحلاجي الاخوان صفائي، المعتزلي، اي الاسلام اللاارضوي المعادة صياغته في ارض المنشأ، تحت فعل محركات التحقق التي تصل اخيرا لحظة الاستحالة الثانيه، بعد الاستحالة الاولى التي تمخضت عنها الدورة السومرية البابلية الابراهيمه كانتظارية اولى في زمن تعذر النطقية، واوجبت التحقق المؤقت خارج الارض المنشا، لتنجب اليوم اعلان الاحالة الى دورة قادمه ب”الانتظار” الثاني والغيبه.
من يومه قبل الف عام، صارت ارض مابين النهرين ومعها المعمورة، محكومة لمفاعيل الدورة الثالثة، وللتجلي الثالث المختلف، والغاية، وبعد النبوة الحدسية و”الوعد خارج ارضه” في الدورة الاولى، قبل الانتظارية المهدوية، صار المخيم على التاريخ التصيري الاكواني للاارضوية، انتقال الى اللحظة الموعودة، وساعة الانقلاب الاعظم، لتغدواشتراطات النطقية من يومهاهي المحرك الاساس للعملية التاريخية.
ينشيء هؤلاء من مفبركي مايطلقون عليه الحركات والاحزاب “الاسلامية” المزورة ضمن بوتقه كيانيه هي “العراق” كما قرره وفبركة الانكليز عمليا، بالجغرافيا، وماسمي ” الدولة”، ومفهوميا بالمنظور “الويرلندي” للضابط الملحق بالحملة البريطانية، وماقرره من سردية للعراق الحديث، واليات انبثاقه وتشكله، بحسب المنظور الغربي الاحتلالي، بمايخالف، لابل يلغي العراق اللاكياني/ الكياني المتعدي للكيانوية. ويسقط من الاحتساب من تاريخه الحديث ومسار تشكله، الانبعاث الحالي المستمر من القرن السادس عشر، مع ظهور “اتحاد قبائل المنتفك”، اي اكثر من ثلاثة قرون، تبدا سابقه على الغرب الحالي الحديث وماتيعرف بنهضته المصنعية الاليه التي تعود الى القرن السابع عشر.
ومجرد قبول المروية الانفه يلغي تماما اية علاقة لهؤلاء بالاسلام والابراهيمه، ويضعهم خارج تاريخ المكان والياته، والمتخيل الفارق بين المنطق الويرلندي، وبين حكم الضرورة والانمتماء للمكان، وماكان يتلطبه من انكباب على الذاتيه انطلاقا من القول بات ارض مابين النهرين ليست ” كيانوية”، وان اشكال المجتمعات نشات بالاصل هنا متعدية للكيانوية المحلوية على النمط النيلي المصري، كما ان ” الكيانات” البشرية بناء عليه، هي ارضوية كيانوية عامة، وازدواجية لاارضوية فوق كيانيه، وكيانية كونية، العراق نموذجها وصنفها الوحيد المفرد على مستوى المعمورة ،وهو لايتجلى اطلاقا، ولم يحدث ان تجلى الاامبراطوريا من اعلى ابتداء من “اكد” وسماويا لا ارضويا ابراهيما من اسفل، كما الحال ابان الدورة الاولى.
مثل هذا الاختلاف النوعي، يطيح باساس فكرة الوطنيه، او يقلبها معنى من ارضوية احادية مصرية او اوربية حديثة اعلى دينامية، مقابل الحال المصري الفاقد للدينامية بفعل لاطبقيته، يتوحد معها البلد والشعب مع وحدة الاقتصاد والسوق، وصعود البرجوازية، ومايتكرس من شعور الوحده الكيانيه المدعمة بالافكار من نوعها، بالمقابل تظل الازدواجية اللاارضوية محكومه الى الدورات التاريخية والانقطاعات، اولى سومرية بابلية ابراهيمه تنتهي امبراطوريا بسقوط بابل 639ولاارضويا بالابراهيمية والوعد خارج ارضه، وثانية عباسية قرمطية انتظارية ، تنتهي هي الاخرى امبراطوريا مع سقوط بغداد في 1258 وتعبيريا بالانتظارية مابعد النبوية، وثالثة انبعاثية راهنه تبدا مع القرن السادس عشر، وماتزال مستمرة تشكلا بانتظار النطقية العطمى .
يعني ماتقدم ان كيانية الازدواج الكوني المتعدية للكيانية، لاتحقق الا بعد المرور بثلاث دورات هي من طبيعتها وخاصيات تكوينها البنيوي، الاولى والثانيه منهما بلا نطقية، نطقيتها حدسية ونبوية، والثالثة ناطقة تحولية تواكب اشتراطات انتهاء الارضوية وفقدانها اسباب الاستمرار مع ظهور الالة مفتتح وسيلة الانتاج العقلي، بعكس مايشاع ابتداء وتوهما غربيا من القول بالانتقال من الانتاج اليدوي الى الالي، فالاله هي بداية “التكنولوجيا العليا” المتطابقة مع التحول من الانتاج اليدوي الجسدي، الى الانتاج العقلي، هذا مع العلم ان الدورة الثانيه الرافدينيه الازدواجية بصعودها بعد القرن السابع الى الثالث عشر، تهيء امبراطوريا وعلى مستوى المعمورة اقتصاديا، اسباب الانقلاب البرجوازي الالي على المنقلب الاخر المتوسطي الاوربي، وعلى هذا تكون دورتها الثانيه مفتوحة على اشتراطات انقلابيه تحولية شامله، ينتفي معها ماكان ساريا من تقلبية ارضوية احادية.
ثمة متبقيات نكوصية قصورية ذاتية تظل فاعله مع بدء وخلال المسار التشكلي الثالث الراهن لارض الازدواج والياتها، فتستمر مهيمنه على العقل، تذكر بالدورتين السالفتين ومتبقياتهما، عدا اثر حال الانقطاع الثاني الانهياري الانحطاطي، ومفعوله، تنشط مكرسة اعلى اشكال التوهمية تحت طائلة الغلبة الحداثية للنهوض الغربي، فتذهب هذه تحت وطاة العجز امام فك شفرة منطويات الذاتيه الكونية، الى الارتماء باحضان المنظورات الجاهزة، عجزا و تنكرا، اذا لم نقل خيانه للواقع والمعاش، والاهم الوقوف دون، وبعيدا عن مواكبة المطلوب واللازم الملح، لافي الموضع الرافديني والشرق المتوسطي، بل وتكرارا على مستوى العالم.
حين تكتمل مفاهيم “الوطنيه” و “القومية” الغربيه، وتعم العالم، يصير ملحا ولازما تبلور مفهوم (الوطن/ كونية) اللاارضوية، ليحل على انقاض الرؤية الارضوية الاحادية المؤقته الغالبة، ووقتها يحل زمن “مابعد غرب”، وينطق الاصل الغائب المحجوب، ولايعود الزمن هو الزمن.
ـ يتبع ـ
‎2022-‎09-‎05