الانحطاطية العربية الثانيه واستعادة الذاتيه/4!


عبدالامير الركابي
مع القرن الثامن عشر تحول المسار التشكلي اللاارضوي المبتدء في القرن السادس عشر في ارض سومر الجديده، من القبلية كحالة استبدال لاارضوي اول، تجسد في “اتحاد قبائل المنتفك”، الى المركز القيادي الانتظاري للادولة المدينيه النجفية، عندما بدات موجة انتقال القبائل الجنوبيه الى التشيع الحديث، استجابة لموجبات تكوينيه مضادة للكيانيه، وللتغلبيه التي صارت واضحه في سلوك ال شبيب، القيادة المستعارة للاتحاد الثلاثي القبلي الجنوبي، فكان ” الانتظار” والحالة هذه خيارا مطابقا لطبيعة المجتمعية القلبية المساواتية التشاركية طبيعة، ماادخل عملية التشكل الانبعاثي الحديث الثالث الراهن، مرحلة من تاريخه، اعلى بما لايقاس، توفرت اللاارضوية ابانه على مقومات الفعل الاقرب للمستقل المطابق لكينونتها اللاكيانيه اللاتغلبية، وغير الايقاع التوازني بين العثمانيين وال شبيب الذين صاروا ميالين للتفاهم مع هؤلاء ان استطاعوا، على حساب القبيلة المشاعية التي نصبتهم بالاصل زعامة ضرورة، بينما صارت القبيلة المساواتيه اقدر على نزع السلطة من يد هؤلاء وايداعها في مكان هو اصلا لاسلطوي ولاكيانوي.
والبارز على هذا الصعيد حدث الثورة الثلاثية 1787 التي حررت وقتها العراق من بغداد الى الفاو، ومارافقها من مطالبه شيخ مشايخ المنتفك، وقائد الثورة بولاية بغداد،وهو ماكانت له سوابق ليست بذات الوضوح، منها ماكان جد الشيخ الحالي قد افصح عنه من قبل، ومع قوة العلاقة التي نشات وقتها بين البحر العشائري المشاعي/ الديمقراطي، والنجف من خلال مبدأ التقليد والارتباط بالمجتهدين، الا ان ماكان قد تحقق في حينه لم يكن يخلو من اسباب افتراق ضمنيه، لم تظهر في ساعتها، وظل قانون الاستبدال يغطيها، عدا عن انها لم تكن متبلورة، ولا كان بالامكان تلمسها في حينه.
وحيث يعود التشيع اليوم الى ارض السواد، فانه يحل في ارضه ومنبعه، والنجف والكوفة يكادان يكونان ذات الموضع جغرافيا، مع فارق كون التشيعية الحديثة هي بالاحرى تشيعية سامراء والغيبه، بينما تشيع الكوفة التاسيسي كان ابتدائيا واحد اهم الظواهر الدالة على الابراهيمه النبوية العائدة الى ارضها منذ الفتح، ومن ثم ابان الاصطراع بين اللاارضوية والقبلية الاموية الشامية، العائدة على حساب العقيدية الجزيرية الراشدية، وانتقال الاصطراعية العقيدية مع القبلية من يومها، الى ارض الازدواج الامبراطوري، مابين تجدد الامبراطورية القبلية على يد العباسيين، وبين ارض السواد الشيعية الاسماعيلية الخوارجية الزنجية القرمطية، الاخوان صفائية، المعتزلية الحلاجية، اي دولة اللادولة اللاارضوية ،اي الاسلام الجزيري معادة صياغته تحت طائلة وفعل الاليات الابراهيمه التاسيسية.
ومع هروب العباسيين من الكوفة، وتاسيسهم بغداد تكرارا امبراطوريا، لبابل “المدينه الامبراطورية” المحصنه امنع تحصين، والمعزولة بذاتها وداخل اسوارها، تاركة للتعذر، خارجها المعادي لنوعها، لاشتراطاته اللاكيانيه، مع هروب هؤلاء، كانت الاليات الامبراطورية الكونيه للدورة الثانيه قد حضرت، لتطبع الطور الراهن بخاصياتها الكونيه، ومنجزها الشامل، الذروة، الذي يذكر بالمنجز الابتدائي السومري البابلي الابراهيمي، قبل ان يعلن انتهاءالحالي كطور دون تحقق اللازم التحولي منه، وهو ماقد جرى مع القرن الرابع الهجري بالغيبه في سامراء، واحالة المطلوب الى دورة منتظرة لاحقة، مع الاشارة الضمنيه الى ضرورة الانتقال من المرحلة الحدسية النبوية الالهامية، الى مابعدها، الرؤية “العليّة” السببية، وهو مالم يكن متاحا التوصل له وقتها، لاستمرار غلبة الاشتراطات الحدسية، ماسيحمل الانتظارية وطاة ماقد وجدت لكي تعلن انتهاءه، الامر الذي سيصبح اليوم، ومع الظاهرة الانتظارية الحديثة النجفية، مصدر التباس غاية في الوطاة الاقرب للاستحالة على مستوى ادراك ضرورات الانقلابيه الواجبة.
فالعراق لم تظهر ولايمكن ان تقوم فيه “حركة”، او مايطلق عليه “عمل اسلامي” لان هذا الموضع تخطى الاسلام كابراهيمه ختامية، معلنا استنفادها المطلوب منها، بتحقيقها التحرير من وطاة الامبراطوريات والاختراق الذاهب الى الصين شرقا، والذي ادى لالحاق المجال الشرقي المنوه عنه الى الابراهيمه كدائرة، هي الثانيه بعد الدائرة الاولى الشرق متوسطية، وماقد حدث مع القرن الثامن عشر مع عودة الانتظارية، لم يكن عملا اسلاميا، ولاهو اتخذ المكان الذي اتخذه واحتله اليوم كحقبة ثانيه رئيسية من حقبات التشكل الحديث الراهن، لانه ” الاسلام” ان لم يكن العكس هو الصحيح، فالانتظارية تقوم على رفض اي صيغة من صيغ الحكم والكيانيه، بما في ذلك الكيانيه التي يتزعمها حاكم شيعي، معتبرة كل تجل سلطوي في زمن الغيبه بمثابة خروج على المله، وهذا على وجه التحديد ماكان دفع بالقبائل المشاعية المساواتية الجنوبيه، لقبول المرجعية اللادولوية النجفية قيادة بديله للقيادة القبلية التغلبيه الميالة للكيانية.
ولو كان لدى من بحثوا او تعرضوا لمسالة الاسلام والمظاهر العائدة له، او التي تشير اليه بالحد الادنى من الانتباه التخصيصي للحالة، بماهي تكوينا وتاريخا، لوجد هؤلاء ان الاسلام في ارض السواد، وابان وعند لحظة ظهور الاسلام ومجيئة من الجزيرة، قد اعيد بناؤه عراقيا، وان اسلام الجزيرة كان من البديهي ان يتغير مع عودته الى ارضه ومكان انبثاقه الاول، لتسري عليه مفاعيل هي حتما غير تلك التي حكمت بنية الاسلام الجزيري، اسلام مجتمع اللادولة الاحترابي المحكوم لاقتصاد الغزو، والقتالية القصوى حيث الاحتراب كينونة مجتمعية، تحتقر العمل اليدوي، مع غياب التخصصية ” الجيوش” القتالية، مامنح المكان قدرة فائقة استثنائية تحقق بموجبها الفتح باقصر زمن ممكن، لاوسع مدى جغراقي، مايعود الفضل الاول فيه الى العقيدة / الابراهيمه ودورها في تحويل المجتمعية الجزيرية من قبلية مازومة بفعل الاحتلال الفارسي، ووطاته التي تقطع خط التجارة الصاعد من الجنوب، حيث البحر، الى الهلال الخصيب، وهو مايمنح الكيانيه الجزيرية الحد اللازم من التوازن المجتمعي،بظل غياب العمل في الارض، فاذا غاب عنصر التجارة، تحولت القبيله الى مايقارب الفناء بالاقتتال بظل سيادة مبدا “اقتل لتعيش”.
هل تصلح “الانتظارية” لان تكون هي “الاسلام”، ام انها بالاصل مابعد اسلام، ومابعد نبوه؟يتغير الموقف من هذه الموضوعه بحسب النظرة للنبوه ذاتها، وهل هي منظور لاارضوي نهائي؟ ام هي صيغة تعبيرية اضطرارية مؤقته، لحين توفر اسباب ومقومات التحول، مع بدء غلبة العقل على الجسدية. مؤكد ان النجف لم تكن على الاطلاق مهياة لان تخرج من الاطار النبوي شكلا، فذهبت غير واعية الى تحويل المهدوية الى حاضر ومستقبل، الامر الذي سيضعها بحالة تناقض، لن يلبث ان يتحول الى تازم اقصى، يفقدها اسباب الاستمرار وسط جملة من التداعيات والتصادمات الحادة، والفوضى التصورية الكارثية هي من اثار ونتائج حضور العامل الغربي الحداثي وانعكاساته.
فطلائع التازم التناقضي الانتظاري النجفي لم يظهر مايدل عليها طيله القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حتى بداية القرن العشرين، وبالذات بعد الثورة الارضوية غير الناطقة عام 1920 اثر الاحتلال الانكليزي، ودخول البلاد منذ 1921 طور الفبركة الكيانيه والدولة “الحديثة”، واجمالي الاصطراعية الناشبة بين الكيانيه المتعدية للكيانيه، الوطن/ كونيه، والاحتلال الحداثي الاستعماري، ونموذجه الافنائي المركب من خارج النصاب المجتمعي والتشكل التاريخي الانبعاثي الراهن، وماقد ترتب على المتغير الحاسم المستجد من تغير انقلابي في سياقات التشكل التصارعي الحديث، وبينما تحل على العراق من يومه ضرورات مستجدة تذهب الى مابعد نبوية، والى تكرار التجسد الكوني كنتيجه للاصطراعية الافنائية الجارية مع حضور الغرب المباشر وغير المباشر، فان مايصير حاضرا وملحا، كتحد صارت النجف بمواجهته، هو ضيق مجال، ان لم يكن استحالة التمثيليه بصيغتها السابقة بما هي “اسلام” مستمراقرب للبداهة، بينما اخذت الضرورة تتجاوزهذا النوع من الوظيفة، لتحيلها الى دورتها المنتهية، في الوقت الذي صار المطلوب والملح، غير ماظل حتى حينه قابلا للسريان.
ومع ان ازمة المرجعية بعد ثورة العشرين والاحتلال الانكليزي للعراق ملاحظة، الا انها تعالج اذا نظر فيها من منطلقات “اسلاموية” وعراقوية كيانوية ماضوية، ويالاسلاس سياسوية قد لايغيب عنها مايذكر لدى احد الكتاب ” الاسلاميين” من انتباه للتبادلية بين الشيوعية والمرجعية في ارض السواد (1) حين انتشرت الشيوعيه بنمطها الاارضوي بعد الثلاثينات في جنوب العراق، وصارت فعالة، من دون ان ياخذ هذا المظهر الاستثنائي النظر الى ابعد من الملاحظات السطحية، وبعض المقارنات التي تقفز عن السبب الفعلي الى النتيجه، اوكالعادة، كالقول بان الشيوعيه في العراق لم تواجه منافسه من احزاب اخرى كبيرة كالوفد المصري والبعث السوري (2)، مع التجاهل المعتاد للاختلافات البنيوية التي قررت مثل هذه الظاهرة في العراق دون غيره، والاهم من ذلك وبحسب السياقات التاريخية المنطبقة على تكوين العراق ودوراته، وتغير نوع الضرورة المستجدة والراهنه، بناء على تراكمات التاريخ في هذا الموضع من العالم الذي اوجد التعبيرية النبويةكتعبيرية اولى مطابقة لظروف بعينها، وهو اليوم بصدد العبور عنها الى مابعدها.
ولايعود وفقا للسياقات التاريخيه انتشار وفعالية الشيوعيه بصيغتها اللاارضوية كما وجدت في العراق الى انتفاء التنافس الحزبي علما بان المرجعية ذاتها هي بحد ذاتها ويجب ان تكون تحديا اعظم، فما حدث من ظاهرة مميزه لهذه الجهه لايخلو من التاشير على نوع الضرورة الحاضرة اليوم، والتي تذهب لاجل تجسيد الذاتيه الوطن كونيه العراقية الراهنه، فيما وراء التعبيرية النيوية، وهي حالة ربما تذكرنا بما كان حدث في القرن الثامن عشر، يوم انتقلت العشائر الجنوبية الى التشيع، مقلصة ارتباطها التقليدي بالقبيله المترأسه/ ال شبيب/ للتحالف الاكبر المنتفجي، مع اختلاف في المعنى والسياقات، والنوع، ذهابا الى ماوراء الانتظار، اتفاقا مع الاستخلاص التاريخي المهدوي مابعد النبوي، المقرر في الدورة الثانيه، مع القرن الرابع الهجري.
يتسم تاريخ العراق الراهن بدورته الحالية، بانه تاريخ الدورة المفضية الى التعبيرية العليّة مابعد النبوية الحدسية، بما هي انقلاب تاريخي كوني مثلها مثل الابراهيمه الاولى، اثارها عامة وشامله للمعمورة، تتاتى في اللحظة المقررة، ومع نضج الضرورة كنتيجة للتصارعية الغربية/ العراقية، ومساراتها الافنائية على مدى قرن من الزمن، نهايته الافنائية الكيانيه للعراق على يد “الكيانيه الامريكيه المفقسه خارج رحم التاريخ”، ودخوله طورا من الكساح التعبيري ث والشلل الكلي الغالب اليوم منذ عام 2003، والمفضي الى الانقلابية الكونيه العظمى للعراق والشرق المتوسطي، حيث يدق ناقوس استعادة الذاتيه المفقودة، وينفتح السبيل على مستوى المعمورة امام الانتقال الاعظم من الانسايوان الى “الانسان”.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)خصص عادل رؤوف مؤلفه / العمل الاسلامي في العراق بين المرجعية والحزبيه قراءة نقدية لمسيرة نصف قرن/ المركز العراقي للاعلام والدراسات/ ط1 2000/ لمعالجة الازمه الجاري الحديث عنها بالمنطق والمنهجية الاحادية الارضوية، فهو من المستحيل ان يدرك كون العراق له الياته التاريخه الخاصة الازدواجية المجتمعية، او يعي خاصية الدورات والانقطاعات، وان العراق الحالي بدا تشكله الانبعاثي الثالث الراهن ومساره منذ القرن السادس عشر،او ان يقارب ماهية الكيانيه المتعدية للكيانيه، واللاارضوية وتعبيريتها، من الابراهيمة الى الانتظارية، مايجعل من ارائه مثله مثل الارضوويين خارج البحث، مع انها تقدم مادة وقائعية، ومؤشرات حدثية، يمكن الاستدلال بها على الخلفية الفعليه التي هي مصدرها، من نوع غلبة الشيوعية بعد العشرينات في ارض السواد بغض النظر عن التفسير الذي يقدمه للظاهرة.
(1) المصدر السابق في الصفحات 21/ 30 تحديدا
‎2022-‎09-‎04