سعادة مصطفى ارشيد*
بعد ما يقرب من ثلاثين عاما على توقيع اتفاق أوسلو1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية و (إسرائيل) اصبح من المتوافق عليه انه كان اتفاقا سيئا، واذا كان هذا منذ البداية راي معارضي الاتفاق الا انه تحول لاحقا الى راي مؤيديه لا بل و مهندسيه وان احتج هؤلاء ان الاستعجال كان له ضروراته في حينه لأسباب سياسية غير مقنعه، هذا فيما تنصلت (إسرائيل) من تنفيذ التزاماتها الواردة في الاتفاق و ان كانت تلزم السلطة بتنفيذ حصتها لا بل وبما هو اكثر من ذلك، واذا كان اتفاق أوسلو باتفاق معظم الشعب الفلسطيني سيء فان ما تلاه من اتفاقات و ملاحق كان أسوأ من ذلك الداعي لهذا المقال، اتفاق باريس الاقتصادي عام 1994 وجدير ان الذي فاوض وعقد ذلك الاتفاق هو من قاد لاحقا الاقتصاد الفلسطيني و تسلم مسؤولية التنمية واعادة البناء ومن ثمارهم تعرفونهم.
لم يحقق اتفاق أوسلو لا الدولة الفلسطينية و آمالها، ولا الرخاء او التنمية و امنياتها، وانما جعلت تلك الاتفاقيات الفلسطيني في الضفة الغربية اسيرا لمشغلين رئيسيين، الوظيفة العمومية و راتبها المتواضع من السلطة، والعمل في الداخل الفلسطيني لدي مشغل (إسرائيلي) والاجر المرتفع والمرتبط (بإسرائيل) و اقتصادها، في اعمال يأنف منها اليهودي الأشقر والأسمر على حد سواء، كما العمل في المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية و التي اصبح بعضها يحوي مشاريع صناعية و زراعية ضخمة مثل مستوطنات بركان وارئيل و معاليه ادوميم، يتقاضى العامل هناك اجورا اعلى بكثير من الاجر الذي يتقاضاه من عمله في الضفة الغربية ان وجد عملا، وبالطبع تفوق ما يتقاضاه الموظف العمومي من راتب.
حسب المادة 34 من اتفاق باريس الاقتصادي سيء الذكر والفعل، فان على (إسرائيل) ان تقتطع ضريبة دخل من أجور عمال مناطق السلطة الفلسطينية العاملين لديها وتحويلها لخزينة السلطة بعد ان تأخذ منها 25% عمولة لقاء هذه الخدمة ثم اجراء مقاصة تخصم بها ما لها من أموال وديون على السلطة لقاء ما تقدمة من خدمات وهو الامر الذي تم بشكل جزئي.
كان لزيارة الرئيس الاميركي بايدن و لقائه و بالرئيس الفلسطيني في بيت لحم مفاعيل لم تنشر في حينها، واخذت تظهر لاحقا وبالتقسيط بتسريبات في الصحافة العبرية، منها ما يتعلق بمطار رامون في اقصى الجنوب والذي فتح مخرجا موازيا للمعابر التي عملت بين الضفة الغربية والأردن منذ عام 1967، ثم تلاها قرار تحويل اجور العمال الذين يقارب عددهم المائتي وعشرين الف عامل عبر البنوك الفلسطينية، وسيتم بالقريب الحديث عن إعادة تنشيط مشروع المنطقة الصناعية في شمال الضفة التي تعثرت بسبب الانتفاضة الثانية و ذلك باستثمارات تركية فلسطينية و (إسرائيلية).
فور الإعلان عن قرار تحويل الأجور عبر البنوك، ثارت ثائرة العمال و هددوا بالإضراب عن العمل و عدم التوجه للداخل الفلسطيني، مفضلين ان يتقاضوا اجورهم مباشرة ونقدا في نهاية كل أسبوع، اذ يخشى هؤلاء من ان تقوم السلطة الفلسطينية بالتطاول على اجورهم حتى بعد ان تكون قد خصمت منها ضريبة الدخل، انهم يرون ان نصف جهدهم و عرقهم يذهب أصلا لسماسرة التصاريح من الداخل ومن الضفة الغربية يدفع العامل 800 دولار شهريا لسماسرة التصاريح حسب ما قال وزير العمل في الحكومة الفلسطيني فيما يصل معدل دخله الشهري الى حدود 2000دولار، وفي هذا ما يشير الى انخفاض ثقه العمال وهم الشريحة الأكبر في المجتمع بالسلطة برغم تأكيدات وزير العمل ورئيس الحكومة ورئيس سلطة النقد، حتى الرئيس شخصيا كما ورد على لسان نقيب العمال، ان اجورهم ستكون بأمان ولن يمسسها احد.
لكن ذلك كله لا يبدو كافيا لتبديد مخاوف العمال، فحسب ما أوردت الجزيرة الاقتصادية ان العمال يرونها مصيدة لمصادرة جزء من أموالهم والتطاول على عرق جبينهم، ويخشون في حال عاد الحديث عن صندوق الضمان الاجتماعي ان الصندوق سيقتطع من حساباتهم البنكية، وان هذه الأموال ستختفي كما اختفت قبلا منها أموال صناديق عديدة، كصندوق التقاعد وصندوق مصابي حوادث الطرق وغيرها، اما احد أساتذة الاقتصاد في جامعه النجاح في نابلس فيؤكد على ازمة الثقة المذكورة آنفا، ويضيف اليها انعدام الشفافية ووجدة الرواية الرسمية فالحكومة الفلسطينية تدعي حينا ان تحويل الرواتب عبر البنوك هو مطلب فلسطيني ثم تعود للقول انه اجراء (إسرائيلي) لا علاقه لها فيه.
بعيدا عن الحمية والعنترية واناشيدهما، هل يمكن للعمل الفلسطيني ان يسير بخطين متوازيين، قد لا يلتقيان هندسيا وان التقيا في تحقيق شيء من المصلحة الفلسطينية في زمن صعب، خط المقاومة بأشكالها جميعا، وخط خدمة المواطن ليبقى على ارضه وفي وطنه، حاملا ثقافة رفض الوجود المعادي.
جنين- فلسطين المحتلة
2022-08-31