السّياسة الاستهلاكية الصينية قد تهدد وجود هذا الحيوان في الجزائر؟
عميرة أيسر
تعتبر الصين من أهم الدول الاستهلاكية في العالم والتي تحتاج سنوياً لملايين الأطنان من مختلف أنواع المنتجات النباتية والحيوانية، حيث بلغ عدد سكان الصين حوالي 1.402 مليار نسمة حسب إحصائيات سنة 2020م، وهو الرقم الذي من المرجح أن يرتفع ليصل إلى 1.418مليار نسمة مع نهاية العام الجاري، وهذا ما يتطلب من الدولة الصينية توفير كل احتياجات سكانها الخدماتية واللوجستية والمعيشية على وجه الخصوص، فهذه الدولة التي أصبحت من أهم الدول التي تزود العالم بمعظم احتياجاته الصناعية والتكنولوجية والخدماتية، تعاني من نقص حاد وكبير في الغذاء الطبيعي، بالرغم من امتلاكها لشركات أغذية كبرى ولها فروع في عدّة دول مختلفة، مثل شركة ” ماكس بورت”، أو شركة” شادونغ يبن غروب”، أو شركة ” وانغ لي”، أو شركة وايفنع جيان”، والتي تعمل حالياً على التوسع في الأسواق الخليجية و الإماراتية في المقام الأول، لذلك فإنها تحاول معالجة هذا النقص عن طريق شراء كميات مهولة من الأغذية النباتية والحيوانية تصل قيمتها السنوية لحوالي 100مليار دولار، حيث وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة الصينية، فإن واردات بكين الغذائية قد نمت بسرعة كبيرة خلال السنوات العشر الأخيرة، ومنذ عام 2012م وحتى عام 2021م، ازداد حجم الواردات الغذائية للصين بنسبة 11.4 بالمئة وذلك بشكل سنوي، وفي عام 2021م تجاوز إجمالي واردات الصين الغذائية 100 مليار دولار، بزيادة أكثر من 18 بالمئة عن واردات 2020م. مثلما ذكر موقع Food Todayبتاريخ 21فيفري/ شباط 2022م، في مقال بعنوان ( الفواكه والحليب والجمبري والحلويات أبرز المنتجات، 100 مليار دولار واردات الصين من المواد الغذائية في 2021م).
ومن أهم الواردات الغذائية التي تلقى رواجاً كبيراً في الصين، وخاصة لدى كبار السن و حتى الفئات العمرية الشابة، التي يعتقد وفق معتقدات أسطورية صينية قديمة بأنها تمنح الشخص عمراً أطول، وتمنع ظهور أعراض الشيخوخة في عمر مبكر، هو مستخلص مادة” ايجياو ” التي توجد في جلود الحمير، فهذه المادة حسب الاعتقادات الصينية بالإضافة إلى ذلك تعمل على تحسين الدورة الدموية، وتساهم في القضاء على الأرق، وتعمل على علاج السعال، وبالرغم من عدم ثبوت نجاعة استعمالات تلك المادة من الناحيتين الطبية والعلمية، إلاّ أن الصينين يقومون باستيراد ملايين الحمير كل عام، وباستعمال كل الطرق والوسائل سواء تلك المشروعة أو غير المشروعة، وهذا ما أدى بعدد من الدول لمنع تصدير حميرها نهائياً كالنيجر وبوركينافاسو والسنغال ومالي وأوغندا وتنزانيا وباكستان، وذلك بعد أن عرفت أسعار لحوم الحمير فيها ارتفاعاً جنونياً، نتيجة حدوث نقص رهيب في أعدادها، وهي التي كانت تشكل مصدر دخل سنوي ثابت للعديد من تلك الدول كالنيجر التي باعت سنة 2016م حوالي 80 ألف حمار للصين، مقارنة ب 27 ألف سنة 2015م، بينما ورّدت بوركينافاسو 18 ألف حمار لمشترين خارج البلاد في الربع الأول من سنة 2016م، وذلك بعد بيع 1000حمار في عام 2015م، بينما في جنوب إفريقيا تسعى الحكومة هناك للسيطرة على عمليات سرقة الحمير التي تزداد سنوياً نظراً للزيادة في الطلب على جلودها، حيث أصدرت مؤسسة حكومية لحماية الحيوانات بياناً قالت فيه ” ان الحمير تسرق لتشحن إلى الشرق الأقصى”. كما ذكر موقع SKY NEWSبتاريخ 14 سبتمبر/ أيلول 2016م، في مقتل بعنوان ( دول أفريقية تمنع تصدير الحمير إلى الصين).
فهذه الحمير عندما تصل إلى الصين فإن هناك مسالخ خاصة تعرف ” بمسالخ الحمير”، يقوم فيها جزارون محترفون بسلخ جلودها بعد قتلها بطرق بشعة، كضربها بمطارق حديدية على رأسها أو خنقها أو عن طريق صعقها بالكهرباء، لترمي لحومها في القمامة بعد ذلك، أما جلودها فانهم يقومون ببيعها لمصانع الأغذية، التي تقوم بتجفيفها ثم سحقها واستخلاص مادة ” الايجياو” منها والتي تباع على شكل مسحوق يوضع في الحليب أو يضاف لوجبات الطعام التقليدية، وتدر هذه الصناعات مئات ملايين الدولارات سنوياً على الصين.
وهناك عدد من الدول التي تسمح بهذه التجارة كالبرازيل مثلاً، والتي فتحت البلاد على مصراعيها من أجل تصدير عشرات الآلاف من الحمير للصين كل عام، من جانبها عملت الصين على إنشاء مزارع خاصة لتربية الحمير، لأن السوق الداخلي يحتاج لحوالي 10 مليون حمار، في حين أن السوق الدولي لا يوفر سوى 1.8 مليون حمار سنوياً، وهناك عصابات دولية قد انتشرت مؤخراً في العديد من الدول، ومتخصصة في سرقة الحمير وبيع جلودها، حيث يباع جلد الحمار الواحد ب 470 دولار، بينما يباع الحمار الواحد 117 دولار، فهذه العصابات التي تسعى لتحقيق الربح المادي السريع لا يهمها انقراض هذه الفصيلة من الحيوانات، أو تناقص أعدادها والذي يمكن أن يؤثر سلباً على التوازن الايكولوجي للنظام الغذائي الطبيعي. كما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 2 جويلية/ يوليو 2022م، في مقال بعنوان (طمعاً في ” الايجياو”، الصين تشن حرباً مفتوحة على حمير العالم).
فالجزائر التي تعتبر من أهم شركاء الصين الاستراتيجيين وفي مجالات عدّة، ليست بعيدة هي كذلك عن هذه التجارة، حيث أن هناك عصابات متخصصة تنشط في تهريب الحمير عبر مختلف المنافذ الحدودية للبلاد وخاصة عن طريق تونس وليبيا وهذا باستعمال عدة طرق ملتوية، وهو ما يلحق ضرراً بالغاً بالاقتصاد الوطني، ونزيفاً مستمراً لهذه الثروة الحيوانية، خاصة وأن الحمير لها العديد من المزايا والاستعمالات في الجزائر منذ القدم، إذا تعتبر وسيلة نقل لا غنى عنها للتنقل في الكثير من المداشر و القرى النائية، كما أنها قد تستعمل في حراسة قطعان الماشية وتنبيه الرعاة في حال تعرضها لهجوم من قبل الحيوانات المفترسة، هذا إن تم تدريبها طبعاً على ذلك، كما هو معمول به في عدة دول كالولايات المتحدة الأمريكية التي يعتمد أغلب أصحاب المزارع فيها للاستعانة بهذه الحيوانات الذكية في حراسة قطعانهم، فعلى السلطات العليا في البلاد أن تعمل على تبني استراتيجية وطنية محكمة لمنع تهريب الحمير نحو أسواق الدول الآسيوية أو الدولية وخاصة الصين، وأن تعمل على زيادة أعدادها بما يضمن الاستفادة من لحومها مستقبلاً في الصناعات الغذائية المختلفة، وتصديرها للخارج مادام أن لحومها غير محرمة من الناحية الشرعية، و هذا ما سيدر مبالغ مهمة على الدولة بالعملة الصعبة، بالإضافة إلى أنها قد تكون سبباً في توفير الآلاف من مناصب الشغل سنوياً.