الغائب الحاضر…!


رنا علوان
يا غائباً في الروح منزله ، هيهات أن ننسى ذكراك ، غُيبت وما غِبتَ عنا ، وكم لنا من ضيق ضمرناه في ثراك ، هل لك من عودةٍ ، فتحي بها قلوب تطوق إلى لقياك ، يا من وهبه الرحمان الفِكر والعقل أعطاك ، وكان الحضور والتميز أغلبَ مزاياك ، قد كسبت ذكر الطيب في دنياك ، فكيف السبيل إليك حين لا يبقى لنا غير ذكراك

وانه مهما كتبنا في حق هذا الرجل الاستثّنائي لن يكفينا من المُجلدات ، فما بالكم بأسطرٍ تُقيدنا ، ذاك الذي إمتاز برؤيتّه الثاقبة وعقله الرصين ، وقلبه الذي عشق أرض الوطن فأعطاه جل وقته وجهده

لقد عرفناه رجلاً إجتماعياً من الطراز الرفيع ، ينحاز إلى الوطن والمواطن في قضاياه ، يرفض الضيم ويجابهه ولا يخشى في الله لومة لائم ، ولا تهديد عدو ظالم ، كان جامع للفرقاء ، يُقدم الرؤى الصائبة لحل المُشكلات ، وكان مجلسه ملاذاً للمختلفين ، عزاءنا في افتقاده هو ذلك الطريق المعبد الذي شقه لنا وللاجيال القادمة

في الذكرى الرابعة والأربعون ، لإختفاءه ورفيقيه ، سأذكر نبذة عن حياته المُشرّفة ، لتبقى ذكراه محفورة في عقول الأجيال الصغيرة التي لم تعاصره

فمن هو السيد موسى الصدر

ينحدر السيد من أصول لبنانية ، جده السيد صالح شرف الدين من بلدة شحور ، ( قضاء صور ، جنوب لبنان ) وكان الأخير عالماً جليلاً عايش فترة الإنتداب العثماني ، وتعرض السيد صالح شرف الدين لإضطهاد أحمد باشا الجزار ، الذي أمر بقتل ابنه أمامه في قرية شحور ، ومن ثم جرى اعتقاله في عكا إلى أن تمكن من الفرار إلى العراق ، حيث أقام في النجف الأشرف واستقر هناك وأولاده ، فمنهم من أصبح من جهابذة علماء الدين ، ومن أحد اهم المراجع الكبار في الكاظمية ، ومنهم من تولى رئاسة الوزارة وهو ( محمد الصدر _ ابن عمه ) وكان أحد قادة الثورة العراقية الكبار ، وشملت قيادته منطقتي سامراء والدجيل

إلا أن والد السيد موسى الصدر هاجر من العراق إلى إيران ، واستوطن خراسان وتزوج السيدة صفية والدة الأمام موسى ، ومن ثم انتقل بعد ولادته إلى قم كمعاوناً له في إدارة الحوزة الدينية ، ليصبح بعدها مرجعاً مُهماً

ولد السيد موسى الصدر في ١٥ نيسان ١٩٢٨ ، في مدينة قم ودرس وترعرع فيها ، تخرج من كلية الحقوق ، وكان اول شخص مُعمم يدخل حرم الجامعة ، كما حاز على الإجازة في الإقتصاد
إنتقل إلى جامعة قم ، استاذاً ومحاضراً في الفقه والمنطق ، يتقن اللغتين العربية والفارسية ، وملم بالفرنسية والإنجليزية
في سنة ١٩٥٤ ، انتقل الى النجف الاشرف ، لديه من الأولاد ٤ ، بنتان وصبيان

له من المُؤلفات كتابين ، هما منبر ومحراب ، والإسلام عقيدة راسخة ومنهج حياة
كما له من المحاضرات التي قام بجمعها مركز الصدر للابحاث والدراسات ، وتحويلها إلى كتب ، فبلغ عددها ٨ ، والكتيبات فتسعة

في سنة ١٩٥٥ ، زار لبنان للمرة الأولى بغية التعرف على انسبائه في صور وشحور
وفي ٣٠ -١٢- ١٩٥٧ ، وتحديدا بعد وفاة السيد عبد الحسين شرف الدين ، تلقى السيد موسى دعوة إلى القدوم للبنان والاستقرار فيه ، وفي أواخر سنة ١٩٥٩ ، لبى السيد موسى الدعوة بعد أن أنهى جميع أموره في إيران ، ليستقر في صور

بدأ نشاطه قبل إنشاء المجلس الشيعي ، فجال في قرى جبل عامل ، ثم في قرى بعلبك الهرمل وشاركهم مُعاناتهم وحرمانهم ، مستمعاً لشكواهم من إهمال الدولة لهم ، ووعدهم بحل جميع قضاياهم

في مدينة صور ، نجح في القضاء على ظاهرة التسول
شارك في الحركة الإجتماعية برفقة المطران غريغوار حداد في عشرات المشاريع الإجتماعية
داعياً إلى نبذ المشاعر العنصرية والتفرقة الطائفية ، بإعتبار أن وظيفة الدين هي الاستقامة الأخلاقية ، وأن الأديان واحدة في البدء والهدف والمصير ، وألقى في كنيسة الكبوشية ، خطبته ( ابجدية الحوار )

من أهم ما اسس السيد الصدر ، هو حركته التي اطلق عليها اسم حركة المحرومين ، التي سعت في خدمة جميع اللبنانين دون تفرقة ، وبالأخص الشريحة التي تم نسيانها واهمالها من قبل الدولة ، ساعيةً لتحصيل حقوقهم

كما وأن الشعلة الأولى للمقاومة في لبنان تأججت على يد الإمام موسى الصدر ، حيث استفاد من بيئة المحرومين والمستضعفين ، ودمجها مع المقاومة الفلسطينية حتى تحولت هذه المقاومة ، إلى نهج مُوحد ضد الكيان الصهيوني
‎2022-‎08-‎28