هل ستسلح إيران الضفة الغربية كما سلحت قطاع عزة؟

عميرة أيسر

تعتبر إيران من الدول التي لها خط مقاوم واضح في محاربة الإمبريالية الرأسمالية الأمريكية وكل مخلفاتها الاستعمارية، كالكيان الصهيوني الاستيطاني الذي تمت زراعته في قلب منطقة الشرق الأوسط بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك بعد أن أثبتت الدول الاستعمارية الكبرى كفرنسا وبريطانيا وأمريكا بأن أسراءيل ستكون بمثابة القاعدة الاستراتيجية المتقدمة لحماية مصالحهم الجيواستراتيجية بما يضمن بقاء الدول العربية  المستقلة حديثاً ضعيفة ومفككة وغير قادرة على بناء نظم سياسية واقتصادية وثقافية قوية، مدعومة بجيوش احترافية متطورة تستطيع تحويلها لدول كبرى قادرة على منافسة الغرب، واستغلال مواردها الطاقية والطبيعية من أجل زيارة قوتها، بما سيشكل تهديداً استراتيجياً لأمريكا، واستمر الوضع على ما هو عليه إلى ما بعد نهاية الحرب الباردة، وظهور النظام الدولي العالمي الجديد، الذي تعتبر أسراءيل من أهم  الركائز المرتبطة به، فهذا النظام الذي تطور عبر عشرات السنين منذ نهاية الحرب العالمية الأولى التي كانت من “أجل إنهاء الحروب”، ولكي تجعل العالم أمناً من أجل الديمقراطية، ثم الحرب العالمية الثانية كما يقول ” فرانك روزفلت”، قد وضعت نهاية للحرب العالمية الثانية من جانب واحد، والتحالفات المنعية ” المقصورة على جماعات بعينها”، ” ولكافة الحيل الأخرى التي كانت تمارس على مدى قرون وفشلت دائماً، بدلاً من ذلك كله لدينا منظمة عامة شاملة”  من أجل “الأمم المتحدة للسّلام، وبدايات بيئة سلام دائم “، وبالرغم من ذلك فقدت ولدت الحرب العالمية الأولى الشيوعية والفاشية، وعكست اتجاه النزعة إلى الديمقراطية كما كان عمرها قرن من الزمان، الحرب العالمية الثانية أبرزت حرباً باردة كانت كوني فعلاً” . كما قال صامويل هتنغتون، في كتابه الأشهر ” صدام الحضارات و إعادة صنع النظام العالمي”، ص 52.

وبالتالي فهذا النظام الغير عادل والمرفوض من عدةّ دول، والذي كرس واقعاً سياسياً وتاريخياً مرفوضاً من قبل الدول التي بقيت خارج هذا النظام العالمي اللامتوازن، ومن بينها الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران، التي دخلت في مواجهة استراتيجية مفتوحة مع الكيان الصهيوني عابرة للحدود،  على طول جغرافيا الشرق الأوسط، فقامت بدعم المقاومة اللبنانية وساهمت بشكل كبير في تأسيس حزب الله اللبناني في سنة 1982م، وسلحت ودربت كوادره،  وانتصرت استراتيجياً وعسكرياً و سياسياً في الميدان اللبناني، عندما خرج الجيش الاسرائيلي مهزوماً من لبنان سنة 2000م، وتم تكريس معادلة الردع المتبادل مع حزب الله بعد حرب تموز/جويلية 2006م في الجنوب اللبناني، وفعلت نفس الشيء مع فصائل المقاومة العراقية المحسوبة عليها في عام 2003م مع بداية الغزو الأمريكي للعراق، ولم يكن الميدان السوري والفلسطيني بعيداً عن الحضور الإيراني، حيث وبمجرد بداية المؤامرة على سوريا سنة 2011م، كانت إيران من أوائل الدول التي دعمت النظام السوري ورفضت مشروع تقسيم سوريا لعدّة دول طائفية ودينية، وعملت على دحر فلول الجماعات الإرهابية المسلحة التي كانت تل أبيب من أوائل داعميها بمختلف فصائلها و مسمياتها، و اتجاهاته الفكرية والأيديولوجية،  وفعلت نفس الشيء مع الفصائل الفلسطينية في قطاع عزة، حيث وباعتراف قيادات الموساد الصهيوني فإن إيران هي المطور الأول لمنظومات الصواريخ الفلسطينية البعيدة المدى، بالإضافة إلى تزويد فصائل المقاومة هناك، بالمعلومات الاستخباراتية والأمنية التي مكنتهم من إحباط العديد من العمليات العسكرية الإسرائيلية التي استهدفت القطاع الغزاوي المحاضر في مختلف جولات الصراع العربي الاسرائيلي مع هذا الكيان الإرهابي الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل تعدى الأمر تلك المراحل كلها ليصل لمرحلة التنسيق العسكري وإقامة غرفة عمليات مشتركة في قطاع غزة، ضمت ضباطاً من الحرس الثوري الإيراني، و ممثلين عن مختلف فصائل المقاومة الفلسطينية العاملة في القطاع المحاصر، بالإضافة إلى قادة من حزب الله اللبناني، كما أكد على ذلك ابراهيم الأمين رئيس تحرير صحيفة الأخبار اللبنانية المقربة من حزب الله، مثلما ذكر موقع أمد، بتاريخ 29 ماي/ أيار 2021م، في مقتل بعنوان (صحفي لبناني : غرفة عمليات مشتركة بين إيران وحماس وحزب الله أدارت الحرب على غزة).

فهذا التنسيق المشترك يبدو أنه سيتوسع ليشمل الضفة الغربية، التي تعيش منذ أكثر من عام تقريباً، انتفاضة شعبية عارمة، وتشهد تنفيذ عمليات فدائية متواصلة، وهذا ما ذكرته في أحد مقالاتي عندما أكدت بأن العمليات الفدائية التي تنفذ في الداخل الاسرائيلي، وحالة القمع التي يتعرض لها فلسطينيو الخط الأخضر، ستنتقل لضّفة الغربية، وستتدخل الفصائل الفلسطينية المقاومة لدعم المقاومة الشعبية هناك، وسيتطور الوضع لاحقاً لمواجهة عسكرية مباشرة بين الكيان الصهيوني وفصائل المقاومة، وهذا ما حدث فعلاً في العدوان الصهيوني على القطاع قبل أيام، والذي تكفلت حركة الجهاد الإسلامي بالرد عليه عسكرياً، وبدعم إيراني كامل كما ذكر ذلك زياد النخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الاسلامي في إحدى مداخلات الاعلامية، وبالتالي فإنّ العلاقة الوثيقة والوطيدة التي باتت تربط العديد من فصائل المقاومة مع إيران، وحالة العدوان المستمر التي تتعرض لها من طرف الكيان العدو الاسرائيلي، وكذا التصعيد الصهيوني المستمر ضدّ إيران وحلفاءها في سوريا أو لبنان أو العراق واليمن، وعمليات الاغتيال المديرة التي يعترض لها علماء طهران وقادتها العسكريين داخل إيران، كلها عوامل مجتمعة دفعت بقائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال حسين سلامي للإعلان عن بداية الدعم الإيراني العلني لفصائل المقاومة المسلحة في الضفة الغربية، وذلك في مقابلة له مع موقع KHAMENEL.IR الإعلامي التابع للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، حيث توجه  المحاور للواء سلامي  قائلاً ” المسألة الأخرى حول موضوع المقاومة الفلسطينية هي توسيع ساحة المعركة من غزة إلى أجزاء أخرى من الأراضي المحتلة، وهي قضية ملموسة في “سيف القدس أيضاً”، (الحرب بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية العام الماضي)، وهنا تدخل قضية الضفة في المعادلة أيضاً، وقد قال قائد الثورة الإسلامية أيضاً، إن الضفة الغربية يجب أن تسلح. سؤالي، ما هو الوضع الذي تواجهه المقاومة في الضفة حالياً، ليجب اللواء حسين سلامي بالقول” طبعاً هذا الواقع يجري الآن”، مثلما سلحنا غزة يمكن أن نسلح الضفة بالطريقة نفسها، وهذي العملية تجري حالياً”. مثلما ذكر موقع RT، بتاريخ 21أوت/ أغسطس 2022م، في مقال بعنوان ( قائد الحرس الثوري الإيراني: عملية تسليح الضفة تجري حالياً مثلما سلحت غزة).

فايران تدرك بأن الصدام   العسكري المباشر  مع الكيان الصهيوني أمر لا مناص منه، وفق قراءات سياسية و عسكرية ومصالح جيوسياسية، ودراسات استراتيجية تصدر تباعاً عن مراكز أبحاث إيرانية وحتى دولية، وهذا ربما يفسر الاستعدادات العسكرية الكبيرة التي يقوم بها الكيان الصهيوني منذ أشهر عدة استعداداً لهذه الحرب الإقليمية الكبرى، والتي قد يعلن حزب الله عن انطلاق شراراها الأولى من لبنان قريباً، وذلك اذا لم يتوصل الطرفين اللبناني والإسرائيلي لترسيم الحدود البحرية بينهما برعاية أمريكية في  الأيام القليلة المقبلة، و التي ستكون حبلى بالمفاجأت كما أكد على ذلك السيّد حسن نصر الله  في أحد خطاباته السّياسية مؤخراً.

 _ كاتب جزائري

2022-08-28