أجواء ربع الساعة الأخيرة في الإقليم!

إيهاب شوقي

وسط احتدام الصراع الدولي ووصوله لمنحنيات خطيرة ونذر غير مسبوقة لحرب عالمية وصدام أمريكي روسي مباشر، بسبب الممارسات الأمريكية الحمقاء، تبدو الاصطفافات أكثر وضوحًا، وهوامش المواءمات السياسية أكثر ضيقًا.

 

ولعل تركيا هي أبرز من تفشل مواءماتها يوما بعد يوم بعد رصد روسيا لطلعات تجسسية لها بالمشاركة مع الناتو فوق القرم، وبعد تسليحها أوكرانيا بشكل سخي بالطائرات المسيّرة، ورفض شركة “بايكار” التركية بيع طائرات مسيرة لروسيا وإعلانها انحيازها التام لأوكرانيا.

 

هذا الانحياز التركي توّجه أردوغان بعودة العلاقات مع العدو الصهيوني وتبادل السفراء، والذي كشفت مراكز الدراسات الصهيونية أن هدفه الرئيسي هو التعاون في مجال الطاقة في شرق المتوسط وخاصة خطوط الغاز، حيث يطمح الكيان الصهيوني المؤقت في الاستفادة من البنية التحتية التركية لتصدير الغاز إلى أوروبا.

 

الترجمة المباشرة والبديهية لذلك، هي أن الانحياز التركي في أي معارك تنشب بسبب الغاز، سيكون إلى جانب الكيان الصهيوني، باعتبار تلاقي المصالح معه، وكذلك يمكن ترجمة وضوح الاصطفافات إلى أن هامش المواءمات الروسية يضيق مع الوقت، ويفتح الباب للمزيد من التنسيق وربما المشاركة المباشرة في مواجهة الكيان عند نشوب أي مواجهات، وخاصة وأن سوريا مرشحة لأن تكون ساحة متقدمة من ساحات المواجهة.

 

ولا شك أن الأمر المباشر الصادر من الرئيس الأميركي جو بايدن بقصف مواقع تدعي أمريكا أنها إيرانية في دير الزور، وأن الأمر صدر بصيغة “القضاء على التهديد الإيراني” في سوريا، هو أمر تصعيد وتدشين لجبهة مواجهة قادمة، أطرافها أمريكا و”إسرائيل” ومن يتحالف وتتلاقى مصالحه معهما، في مواجهة سوريا ومحور المقاومة ومن يتحالف وتتلاقى مصالحه معهما.

 

ولا شك أن الملف النووي يوفر صاعقًا مضافًا للتفجير، حيث تعيش “اسرائيل” في معضلة وجودية كبرى، فلا هي قادرة على ردع إيران والعدوان عليها وعلى منشآتها النووية، ولا هي قادرة على الاستيعاب والتعايش مع إيران كدولة “عتبة نووية”، وهو ما يلقي أيضا بانعكاساته السلبية على العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، بلحاظ أن أمريكا ليست أفضل حالًا من الكيان المؤقت، حيث تعيش معضلة مشابهة ولا تستطيع حسم قرارها تجاه الملف النووي بسهولة، وهو ما يخلق أوضاعًا متوترة.

 

ولعل انعكاسات التوتر تتمثل في عدة أمور قد تشكل انزلاقات خطرة، يمكن رصد أهمها فيما يلي:

 

أولًا: تحاول أمريكا طمأنه الكيان الصهيوني بأن الاتفاق في حال إتمامه لن يؤثر على الحماية الأمريكية للكيان ولن يؤثر على العداء بين أمريكا وإيران، وهو ما تحاول أمريكا إثباته عمليًا في سوريا بقصفها لمواقع تقول إنها إيرانية وبأوامر الرئيس بايدن باستهداف التواجد الإيراني في سوريا ووصفه بالتهديد، وهو وصف يغازل به “اسرائيل” باعتبار أن تواجد المقاومة في سوريا هو تهديد للكيان.

 

ولا شك أن هذه المواجهات في سوريا قد تتصاعد وتتطور لتصبح مواجهات كبرى.

 

ثانيًا: أجمعت وسائل الإعلام الصهيونية ومراكز الأبحاث الاستراتيجية/ أن يد “اسرائيل” مغلولة في إيران وأنها غير قادرة على إنهاء المشروع النووي الإيراني أو القضاء على منشآته، رغم عمليات الاغتيال للعلماء والهجمات السيبرانية والتهديدات المستمرة عبر التصريحات، وهناك إجماع صهيوني على أن الردع الأمريكي هو الأمل الوحيد للكيان، وهو بمثابة توريط لأمريكا في مواجهة مباشرة مع إيران، قد يسفر عن انزلاقات خطيرة لو رضخت أمريكا للضغوط، وقد يسفر عن توتر في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لو اختارت أمريكا الواقعية ورضخت للعقلانية، حيث تعلم أن مواجهتها مع إيران عسكريا قد يكلفها الخروج الكامل من المنطقة.

 

ثالثا: الرهان الصهيوني البديل المعلن هو السعي لتغيير النظام في إيران عبر استمرار الحصار وتأليب الشعب الإيراني على الثورة وعلى النظام الإسلامي الذي يضع ساعة رقمية للعد التنازلي لزوال “اسرائيل” في قلب ميدان فلسطين في طهران، وهذا الرهان بات يائسًا في نظر معظم الخبراء الصهاينة والذين استدلوا بالتوقع الفاشل للرئيس السابق للموساد، إفرايم هاليفي، والذي تنبأ بانهيار وشيك للنظام الإيراني عام 2000، ولم يحدث، وبالتقديرات الفاشلة في عام 2011 التي أجراها علماء الرياضيات في شعبة الاستخبارات والتي أفادت بأن متوسط العمر المتوقع لنظام بشار الأسد في سوريا هو بضعة أشهر!

 

وخلاصة الاستنتاج الصهيوني الآن هو أنه من المستحيل البناء على تغيير النظام في إيران كعنصر من عناصر استراتيجية جديدة.

 

نرى هنا أن الاستراتيجية البديلة والتي لم يعلن عنها الصهاينة، هي المواجهة مع ما تصفه “اسرائيل” بـ”أذرع إيران”، ومع ما تراه أمريكا “حلفاء الروس”، أي اختيار ساحة بديلة للمواجهة، تحارب بها أمريكا إلى جانب العدو، محور المقاومة والتواجد الروسي في المنطقة، وهذه الساحة قد تكون سوريا ولبنان والعراق وقد تمتد لليمن.

 

ولا شك أنه من الأمور الغريبة جدًا، خلو مراكز الدراسات الأمريكية وتوصياتها من أي عنوان يتعلق بملف “كاريش” ونذر الصدام بين المقاومة في لبنان والعدو الصهيوني.

 

في جميع الحالات أعلنت المقاومة جهوزيتها، وتوشك المهلة على الانتهاء، ولن تعطل حلًا سلميًا، ولن تخشى المواجهة، حيث خيارها وبوصلتها هي التحرير واستعادة الحقوق.

 

الجديد هنا، هو أن المواجهات لو اندلعت فإن المستجدات تؤكد رؤية المقاومة بأنها ستكون مواجهات شاملة، وتثبت التطورات أن ساحات جديدة ستدخل وأن قوى كبرى قد تكون مجبرة على المشاركة.

‎2022-‎08-‎28