طباخين الثقافه!


بقلم ياسر رافع
لقد وصف الكاتب الراحل ” لطفي الخولى” المثقفين ب” طباخين الطعام الفكرى” وذلك عندما كان يجرى العمل على تجييش وتجنيد المثقفين المصريين خلف توجهات جمهورية دولة يوليو 1952 الوليدة آنذاك، حيث جرى الحديث عن دولة جديدة وتوجهات جديدة في زمن جديد ولهذا كان من الطبيعي أن تجد الغالبية الكاسحه منهم كانت وراء الدولة إما بالرضا أو بالجبر لتبرير سلوكها الإقتصادي والسياسي والإجتماعي عبر منظومة ثقافية كاملة سواء إشتراكية التوجه الإقتصادي أو قومية التوجة السياسي ولهذا وجدنا كتابا وأجيالا من الشباب الواعي بقضايا بلاده من وجهة نظر الدولة ونظامها .
ولكن بعد أن توجهت الدولة إلى صندوق النقد الدولي في أوائل التسعينات من القرن العشرين وتبنت التحول الإقتصادي من الإشتراكية إلى الرأسمالية فكان من الطبيعي أن تسقط المنظومة الثقافيه القائمة على الإشتراكية بكل تفريعاتها وسقط معها للأسف الغالبية الكاسحة من المثقفين طباخين الطعام الفكرى للنظام القديم ولم يستطيعوا اللحاق بما هو آت لأن الدولة في سبيلها إلى التحول الإقتصادي فإنها قامت بهدم البيت وباعت محتوياته بما فيها المطبخ الذي لم يجد طباخية من المثقفين إلا الشارع يبيعون بضاعتهم التي خاصمت الزمن الجديد وأصبحوا يبيعون طعامهم الجديد على عربات طبخ يدويه في الشوارع لعلهم يستطيعون بها أن يجدوا ما يعينهم على مصاعب الحياة المعيشية بعدما سقطت المنظومة وسقطوا معها بعدما أصبح طعامهم الإشتراكي والقومي غير مستساغ في زمن الليبرالية المتوحشة والسيمون فيميه والقصور الفاخرة.
وبعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وما تلاها في ٣٠ يونيو ٢٠١٣ لم يتغير حال طباخين النظام الإشتراكي بل زاد إنعزالهم تماما عن التطورات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية التي تحدث في مصر وزاد الطين بله انهم لا زالوا يتحدثون بمفردات ثقافة إندثرت معالمها حتى في بلادها الأصلية وكذلك عدم رغبة النظام المصري في وجود الطباخين القدماء بأفكارهم التي أصبحت لا تناسب التوجه الرأسمالي الجديد إقتصاديا وسياسيا وإجتماعيا بجواره على الرغم من بناءة مطابخ جديدة لكنها ليست على شاكلة الطبخه الكاملة ولكن على شاكلة التيك آواي السريعة
الدولة لن تحتاج إلى الطباخين القدماء بأفكارهم القديمة حتى وإن بدا من تصريحات رأس النظام وأعمدته عن حاجتهم إلى المثقفين، فهذا وهم يضاف إلى أوهام مترسخه لدى الطباخين القدماء من أن أفكارهم لا زالت صالحة ليأكل منها المجتمع الذي عشق آفكار التيك آواي وبريق الألوان والقصور الفاخرة
مصر تعاني آزمة ثقافية حاليه حيث لا ثقافة جامعه أو ثقافات متعددة بل نستطيع أن نقول أننا نعيش حالة شعبوية بالكامل حيث لا شئ مقابل اللاشئ. الكل يصدح ويحلل وينتقد على أسس زمن فات ومضى في وقت حلول زمن جديد بمفردات جديدة لم تصل بعد أبعادعها الحقيقية سواء للطباخين القدامى أو الطباخين المحتملين للزمن الجديد
ملحوظة مصطلح ” طباخين الطعام الفكرى” وإن كان فيه من التسطيح الفكرى والإستهانه بالمتلقي إلا أنه يصلح لوصف حالة المجتمع الثقافية الآن حيث إنتشرت عربات الكبدة والحواوشي الثقافية في كل مكان
‎2022-‎08-‎27