الحديث عن حرب أهلية أمريكية جديدة!

 ريتشارد روبنشتاين تقديم ترجمة: غانية ملحيس

قراءة وتقديم وترجمة لمقال فائق الأهمية، يحمل هذا العنوان  نشر على موقع counterpunch.org بتاريخ 12/8/2022 ، يسلط  الضوء على الواقع الامريكي الذي ينذر باندلاع حرب أهلية امريكية جديدة،  يراها  الكاتب وشيكة ، لتراكم أسبابها  وتوفر محفزاتها.

 

وقد يتبادر للكثيرين ، وخصوصا ضحايا السياسات والسلوكيات العدوانية الامريكية، أن في ذلك بشرى بقرب خلاص البشرية من البطش الامريكي الذي عم الكون بأسره. ولهم كل الحق في تمني انهيار الولايات المتحدة الامريكيه من الداخل،  كي تشرب من ذات الكأس المر، وتكف عن إلحاق الأذى بشعوب العالم وخصوصا المستضعفة منها. والشعب الفلسطيني والشعوب العربية ربما أكثر من تعرضوا، وما يزالون، لأذى الساسة الامريكيين على امتداد أكثر من قرن .

 

غير أنه يجب أن لا تأخذنا  الفرحة والتشفي بعيدا، إذ يعلمنا التاريخ أن القوى المتنفذة تكون أكثر عدوانية وشراسة  في زمن الأفول، وأنها  تتجاوز كل المحرمات لإطالة زمن تسيدها، بالسعي لتصدير أزماتها الداخلية. وأنها كلما استشعرت اقتراب وحتمية الأفول لانسداد الدروب أمام حل مشكلاتها  البنيوية، ما يهدد بتقويض ركائز النظام الذي تتسيده، زادت مخاوفها وازداد خطرها،  وتكثف سعيها  لاستخدام قوتها الفائقة ضد خصومها الأضعف لإثبات القوة، ولتوظيفها – عبر استنفار غريزة الخوف من الخطر الخارجي المحدق – لاستعادة  وحدتها الداخلية  المتشظية بفعل عوامل عدة سياسية واقتصادية واجتماعية تفجر خلافات قومية وعرقية وإثنية وطبقية وعقائدية وثقافية يؤدي استمرارها وتفاقمها  الى التفسخ والأفول .

 

ونظرة سريعة لتنامي السلوك العدواني الامريكي عموما، وسلوك إسرائيل اتجاه الشعب الفلسطيني خصوصا،  يدلل على انتهاجهما الحروب لحل أزماتهم الداخلية المستعصية على الحل، الذي لا سبيل له إلا بتقويض مرتكزات النظام الذي  يرتكز عليه كلاهما . الراسمالي النيوليبرالي في الولايات المتحدة الاميركية ، والاستيطاني  الإجلائي – الإحلالي العنصري  في إسرائيل.

 

ما حفزني لترجمة  هذا المقال الطويل ، ليس فقط إحاطة القارىء الفلسطيني والعربي بالتطورات المهمة  الجارية في الساحة الامريكية،  لعمق تأثيراتها  على العالم عموما، والعالم العربي وفلسطين خصوصا. والتي يرهن قادتها مصير شعوبهم بها،  ويسعون لاسترضاء إداراتها  المأزومة  المعادية للحقوق العربية والحق الفلسطيني، على حساب أوطانهم وشعوبهم .

 

وإنما  لأهمية ما تناوله المقال من الأسباب الرئيسية لاندلاع الحروب الأهلية، حتى في الدول  الاستعمارية القوية والثرية التي تبدو محصنة . والتي ينبغي الانتباه لها ودراستها بعمق ، خصوصا  من قبل شعوبنا الضعيفة والمستضعفة ، ذات البنى السياسية  والاقتصادية والاجتماعية الهشة. سواء من عايش منها حروبا أهلية كسوريا والعراق واليمن وليبيا ، أو  من هو مهدد بالانزلاق إليها  كتونس ولبنان وفلسطين ، ودون استثناء  باقي الدول العربية .  حيث تتوفر الاسباب والظروف لذلك .

 

يتساءل الكاتب عن أهم أسباب العنف السياسي ، وما إذا كان بالإمكان تغيير الظروف  لتقليل احتمالية نشوب حرب أهلية،  وكيف يمكن منع العنف ، ولماذا يتخطى الناس أحيانا الخط من السياسة اللاعنفية إلى العنف، حتى في المجتمعات الغنية نسبيا.

 

وفي محاولته للإجابة  ، أشار إلى ثلاثة أسباب رئيسية :

 

التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية  ، والتوترات العرقية ، والاختلافات الثقافية .

 

كما  بين الظروف التي تلعب دورا مهما في تهيئة المجتمعات للاقتتال الداخلي  وأهمها :

 

تزايد حدة الاستقطاب  الداخلي ، ونمو الوعي لدى الأطراف ” إما الكل أو لا شيء”، بمعنى تلاشي القدرة على المساومة والوصول إلى قواسم مشتركة  وحلول وسطى . وفقدان الثقة  بجدارة وعدالة وحيادية مؤسسات النظام ، والاقتناع بأن الحرب قد بدأت بالفعل .

 

وفيما إذا كان بالإمكان منع العنف السياسي من التصعيد إلى المستوى الذي يتم فيه إنشاء نظام عنيف يغذي نفسه بنفسه، أوضح  الكاتب الأهمية  القصوى لدراسة الأسباب  الرئيسية الكامنة وراء  تنامي واحتداد الاستقطاب .

 

وفي نهاية استعراضه التفصيلي المهم  للتطورات الامريكية على صعيد الأسباب والظروف، خلص الكاتب إلى وجود خطر محدق بانزلاق الولايات المتحدة الاميركية إلى حرب أهلية جديدة . وأن  تجنب ذلك ممكن فقط،  إذا  تم  مواجهة  الخلل البنيوي في النظام  الامريكي الرأسمالي الاستغلالي الذي ينبغي أن يحظى بالأولوية الأولى، باعتباره المرض ، عوضا عن  التركيز على المستفيدين منه  كأعراض  له ، الذين يوظفون التفاوت الثقافي لمنع المس بالنظام .

 

وبإسقاط  ذات الاستخلاصات على الحالة الفلسطينية ، فان السبيل الوحيد لتلافي الانزلاق إلى حرب أهلية فلسطينية يخطط  ويهيء لها العدو  الصهيوني ، يكمن في توجيه وتركيز النضال التحرري الفلسطيني  ضد العدو الصهيوني ،  الذي يستهدف كل الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه ، المساوم والمقاوم على السواء .

 

ويقتضي ذلك معالجة  الخلل الكامن في  جوهر النظام السياسي الفلسطيني ، حيث احتداد الاستقطاب الفصائلي، والإيحاء بأن  الآخر هو المشكلة، وليس النظام  العاجز الذي أوقع الجميع  في شرك التسويات  الوهمية والتفاهمات ، والعجز عن  التفكير المنهجي في مستلزمات وسبل  ووسائل مواجهته ، هو الذي يخلق خطر الانزلاق إلى الحرب الأهلية .

 

فإذا أدرك الجميع الفلسطيني أن عدوهم المشترك هو  النظام الاستعماري الاستيطاني الصهيوني الاقتلاعي – الإحلالي .وأن الاخفاق الفلسطيني المتكرر في  مواجهته ومنع تقدمه رغم جسامة تضحيات  الأجيال الفلسطينية المتتابعة  يعود إلى النظام القبلي الفصائلي العاجز، وافتقاره الى رؤية ومشروع نهضوي تحرري إنساني نقيض للمشروع الصهيوني يسعى لهزيمته، وأهداف محددة ومعلومة  قابلة للإنجاز  عبر المراحل الزمنية المتتابعة . ولتغليبه لنهج التسيير على التخطيط ،  وإعطاء الأولوية لمصالح الفصائل على  حساب الوطن ، ولمصالح القادة على حساب الشعب ، وللبقاء في السلطة على حساب التحرر الوطني.

 

 فبإمكانهم ، عند ذلك ، حشد قواهم  معا لإنشاء  نظام سياسي فلسطيني فاعل عابر للفصائل والقوى والتنظيمات والمناطق والعقائد ، مؤهل لقيادة الشعب  الفلسطيني، قادر على توفير مقومات صمود كافة مكوناته داخل الوطن المحتل وخارجه ، يحترم  تمايز خصائص وخصوصيات كل مكون  ، ويراعي ظروفهم   وتفاوت قدراتهم،  فلا يكلف أحدا ما يفوق طاقته ، يعزز قدرات كل مكون ، وينسق برامج عملهم،  ويضمن  تفاعل وتكامل  الجهود ، ويراكم  على المنجزات ، ويبني التحالفات  الاستراتيجية مع  المدافعين عن حقوق الانسان وقوى التحرر  والسلام اليهودية والعربية والإقليمية والدولية. ويؤسس بذلك لهزيمة المشروع الاستعماري الصهيوني العنصري.

عنوان المقال: الحديث عن “حرب أهلية أمريكية جديدة”

 ريتشارد روبنشتاين *

12/8/2022

Talking Sense About “A New American Civil War”

 

 لبعض الوقت ، كان الأشخاص الذين يحللون الصراعات الاجتماعية يراقبون نمو الاستقطاب السياسي والثقافي في الولايات المتحدة بكثير من الخوف .

 

 في الوقت الحاضر ، تمتلئ أرفف الكتب وموجات الأثير بالحديث عن نزاع مسلح محتمل بين عناصر من القبائل اليمينية المتطرفة “الأحمر ” واليسار الليبرالي “الأزرق”.

 

ما يعطي هذا التحليل المخيف مصداقية أكبر مما قد يكون لولا ذلك، ليس فقط انتشار الأسلحة في أمريكا (أكثر من 400 مليون بندقية في بلد يبلغ عدد سكانه 330 مليونا ). ولكن الاستقطاب الحاد المتزايد للمؤسسات المصممة أصلا  لحل النزاعات الأهلية بطريقة سلمية على وجه الخصوص ، في الأحزاب السياسية ، والمكاتب الحكومية ، والانتخابات ، والمحاكم.

 

 ركز معظم حديث “الحرب الأهلية الجديدة” ،خاصة منذ هجوم السادس من كانون الثاني / يناير / على مبنى الكونغرس  الامريكي من قبل مؤيدي ترامب المحمومين، على الجماعات اليمينية المتطرفة مثل أولئك المتورطين في الهجوم ، وعلى الميليشيات المسلحة التي يُقدر عددها   بحوالي 30.000 شخص ، والتي تميل إلى تحديدها على أنهم قوميون محافظون، أو قومييون مسيحيون، أو متعصبون للبيض.  العديد من أعضائها هم من قدامى المحاربين ، وضباط شرطة حاليين أو سابقين ، أو أفراد أمن ، وهم يعرفون كيفية استخدام أسلحة الحرب.

 

بالطبع ، لدى بعض اليساريين ،أيضا ، القدرة على العنف المنظم.  لم يكن هناك الكثير من الأدلة مؤخرا  ، لكن المرء يفترض أنه إذا بدأت حرب أهلية جديدة ، فسوف يجعلون وجودهم محسوسا.

 

 نحن بحاجة إلى التحدث بحكمة عن احتمال قيام دولة مثل الولايات المتحدة بالعنف السياسي الخطير ، ولكن ليس من السهل القيام بذلك.  من الواضح أن عبارة “لا يمكن أن تحدث هنا” هي عبارة عن تعبيرات عفوية وخانعة للغاية . في حين أن عبارة “ستحدث هنا” مثيرة للقلق والإحباط.

 

الأسئلة التي تحتاج إلى مناقشة عميقة هي التالية: –

 

* ما هي أهم أسباب العنف السياسي الخطير في الدول الغنية مثل الولايات المتحدة؟

 

* هل يمكن تغيير هذه الظروف لتقليل احتمالية نشوب حرب أهلية؟

 

* إذا كان الأمر كذلك ، كيف يمكننا منع العنف؟

 

* لماذا حتى في المجتمعات الغنية نسبيا يتخطى الناس أحيانا الخط من السياسة اللاعنفية إلى العنف؟

 

*

 

قائمة الأسباب والظروف الأساسية طويلة ، بما في ذلك:

 

 –     عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية ،

 

 –     التوترات العرقية  ،

 

– الاختلافات الثقافية ، وأكثر من ذلك.

 

 

سأعود إلى هذه الأسباب الهيكلية الكامنة في نهاية هذه المناقشة.  هناك ثلاثة أسباب ذاتية أخرى تبدو ذات أهمية خاصة في تهيئة الجماعات المدنية للقتال:

 

– نمو وعي “الكل أو لا شيء” ،

 

– فقدان الثقة في المؤسسات الوسيطة ،

 

– الاقتناع بأن الحرب قد بدأت بالفعل .

 

 أولا : نمو وعي “الكل أو لا شيء”

 

أحد الأسباب التي تجعل النزاعات السياسية عادة ما تظل سلمية ،حتى بالنسبة لأولئك الذين هم على الجانب الخاسر ، هو تصور أنه بالإمكان المساومة مع الخصم، أو حتى التعرض للهزيمة في معارك معينة ، وما  يزال بالإمكان تجنب الأذى أو الضرر الدائم.  فكرة أن الحركة يمكن أن تعيش لتقاتل في يوم آخر تستند إلى افتراضين:

 

الأول  ، يدور القتال حول المصالح القابلة للتفاوض ، وليس القيم الأساسية،  أو الاحتياجات الملحة التي يجب تلبيتها في الوقت الحالي، إذا لم يتم التضحية بها بشكل دائم.

 

الثاني : يحدث النضال داخل نظام يتوقع منه أن يبقى سليما إلى حد ما ، بغض النظر عن نتيجة الصراع الحالي.

 

على العكس من ذلك ، إذا كان الصراع يدور حول القيم الأساسية ، وإذا كانت خسارته تستلزم تغييرا دائما في النظام السياسي ، فإن هذا  يؤدي إلى إنتاج عقلية الفوز أو الخسارة، التي تزيد من احتمالية العنف المدني الخطير. وللتوضيح ، ضع في اعتبارك ما قد يعنيه محاكمة الرئيس السابق دونالد ترامب على جرائم تتعلق بمحاولته إلغاء نتائج انتخابات 2020 ، أو نقل وإتلاف وثائق سرية من البيت الأبيض.

 

من المحتمل جدا أن ترامب خالف القانون في جورجيا ، وربما في دول أخرى أيضا .  ربما يكون قد ارتكب أيضا جناية من خلال أخذ وثائق سرية للغاية إلى منزله في فلوريدا، وإتلاف بعض منها.

 

لكن ما لم تكن القضية المرفوعة ضد ترامب مفتوحة ومغلقة – وربما حتى لو كانت كذلك – فإن وضع زعيم سياسي يفضله ما يقرب من نصف الناخبين الأمريكيين على كرسي الاتهام، وتهديده بعقوبة السجن، يبدو من المرجح تماما أن يثير ذلك  اضطرابا خطيرا .

 

 يمكن تلخيص المشكلة في كلمتين : “نظام مزور”.  أحد أسباب العنف المدني هو اقتناع أعضاء الحركة السياسية بأن النظام الحالي ليس متحيزا  ضدهم فحسب ، بل إنه مزور لدرجة أن الأشكال السياسية السلمية أصبحت عديمة الفائدة تماما .

 

 في الوقت الحالي ، تشكل الجماعات اليمينية المتطرفة العنيفة مثل : الأولاد الفخورون /Proud Boys / وحماة القسم /Oath Keepers / وحركة البوغالو/وBoogaloo Bois / عددا قليلا نسبيا من المسلحين . وقد أدت الأحداث منذ هجومهم في السادس من كانون الثاني /يناير /على مبنى الكابيتول إلى إعادتهم إلى الوراء.  لكن محاكمة ترامب قد تغير كل ذلك.

 

من المحتمل جدا أن يؤدي جعل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق مدعى عليه جنائيا  وشهيدا محتملا لقضية ” إجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”/ MAGA / ، إلى زيادة التنظيم اليميني المتطرف ، وتشكيل مجموعات مسلحة جديدة ، والتحول إلى العنف المباشر من قبل البعض منهم.

 

من شبه المؤكد أن يؤدي التمرد المسلح بدوره إلى زيادة عنف الدولة (وربما عنف الجماعات اليسارية المتطرفة) ، وسيصب الزيت على النار.

 

 لكن انتظر !  يركز الرد اليساري الليبرالي المتكرر على هذا المنطق ، على تكاليف الفشل في محاكمة ترامب وإدانته.  بأن تركه طليقا يسمح له بمواصلة إثارة الغضب العنيف المحتمل – وإذا أصبح رئيسا مرة أخرى – فإنه سيجعله  وأتباعه في وضع يسمح له بتغيير النظام ،لتأمين الحكم الاستبدادي المتعطش له.

 

تقدم وجهة النظر الليبرالية نسخة استباقية من نفس الحجة التي قدمها اليمين المتطرف – أي أن النظام مزور ، أو سيتم تزويره قريبا، بحيث يجعل استخدام الأساليب السياسية العادية عديم الفائدة.  وهذا يوضح أن الاتجاه نحو التفكير “الكل أو لا شيء “ هو أمر مشترك بين كل من القبائل “الحمراء” و “الزرقاء”. إنه عام  وخطير ، على الرغم من أنه لا ينبئ بالضرورة بالعنف الفوري.

 

 ما مدى قربنا من التعرض للعنف المدني الخطير؟

 

الساعة التي يتصور البعض أنها تدق باتجاه حرب أهلية أمريكية جديدة، ليست بعد دقيقة واحدة أو حتى خمس عشرة دقيقة قبل منتصف الليل. ما يدفع عقرب الدقائق إلى الوراء هو حقيقة أن كل جانب ما  يزال يعتبر أدوات سياسية معينة قابلة للاستخدام ، ويستثمر الوقت والطاقة والموارد على أمل استخدامها بنجاح.

 

بالنسبة  لليمين ، تشمل هذه الأدوات المحكمة العليا الأمريكية ، والعديد من المحاكم الأدنى ، ومجلس الشيوخ الأمريكي ، وما يقرب من نصف المجالس التشريعية للولايات.

 

بينما بالنسبة لليسار ، تشمل الهيئات التشريعية المتبقية في الولايات ، ومجلس النواب الأمريكي ،

 

والرئاسة (على الرغم من وجود  قدر كبير من  القلق ).

 

تكمن المشكلة في  أن كل جانب يخشى أن تنزلق قبضته عن عناصر هذه القوة بسهولة ، مما يسمح للطرف الآخر بإضفاء الطابع المؤسسي على مصالحه وقيمه بشكل دائم.

 

تعمل اللعبة السياسية إلى حد ما على التخفيف من وعي “كل شيء أو لا شيء” لدى كل جانب.  ولذا  ، فإن  هناك اهتماما  شديدا  في كلا المعسكرين بانتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني /نوفمبر/ 2022. لكن عقارب الساعة ما تزال تدق.

 

ثانيا : فقدان الثقة في المؤسسات “فوق السياسية”

 

 أحد العوامل ذات الصلة بتعزيز العنف المدني المحتمل ، هو  اتجاه  الحركة العامة نحو الاستقطاب لإضعاف أو تقادم المؤسسات المصممة للتوسط في النزاعات السياسية الحزبية .

 

لا شك أن فكرة أن بعض المؤسسات كانت “فوق” السياسة، كانت دائما وهمية إلى حد كبير.  لكن فقدان الثقة على نطاق واسع في الحياد النسبي للهيئات القضائية، والادعاء العام ، وكذلك في عمل المشرعين كضامن لنزاهة الانتخابات ، يزيل مثبطا مهما للاندفاع نحو العنف الجماعي.

 

مثل معظم الأنظمة السياسية ، تم تصميم النظام الأمريكي لتجنب العنف الخطير بين الجماعات التي تعتبر شرعية. جسد الدستور سلسلة من التنازلات التاريخية المصممة لدرء النزاعات الاقتصادية والقطاعية العنيفة ، وعملت الأحزاب السياسية الرئيسية منذ فترة طويلة كوسيط للنزاعات بين المجموعات المتنافسة داخل كل تحالف حزبي.

 

قد تكون انتخابات القرن التاسع عشر عاصفة، واتسمت أحيانا بالاحتيال والعنف ، لكن نتائجها – باستثناء السنوات التي سبقت الحرب الأهلية وأثناء إعادة الإعمار في الجنوب – كانت مقبولة عموما على أنها شرعية.

 

ومع ذلك ، ظل الاستقطاب قوة لا يستهان بها في القرن العشرين ، بصراعاته العمالية الصناعية ، وحروبه الخارجية ، وصراعاته العرقية والإثنية المستوطنة.  كانت المؤسسات الرئيسية التي اعتمدت لتقليل احتمالية العنف المدني في العصر الحديث “فائقة السياسة” بمعنى أنه كان يُعتقد أنها قادرة على تجاوز السياسات الحزبية، والتوسط في صراعات اجتماعية خطيرة.  ومن بين أهم هذه المحاكم :محاكم الولايات، والمحاكم الفيدرالية ، ووكالات الادعاء العام مثل وزارة العدل الأمريكية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي ، والمنظمات العسكرية مثل القوات المسلحة الأمريكية، والحرس الوطني.

 

 في الوضع الراهن للاستقطاب المتزايد ، يميل الاتجاه بوضوح نحو فقدان الثقة في هذه المؤسسات .

 

لننظر ، على سبيل المثال ، في سلسلة القرارات اليمينية المدمرة السابقة التي أصدرتها المحكمة العليا الأمريكية في ولايتها 2021-2022.  يبدو من غير المحتمل أن القضاة المحافظين الذين أشرفوا على هذه القرارات يفهمون مدى معاداة المحافظين بشدة (بالمعنى النظامي).  مهما كان رأي المرء في مبرراتهم القانونية ، من الواضح أن مثل الأحكام بقرار مناهضة الإجهاض ،  دوبس ضد منظمة جاكسون لصحة المرأة/Dobbs v. Jackson Women’s Organization /، أعاقت المحكمة عن أداء وظيفتها التقليدية المتمثلة في المطالبة بتشكيل “حكومة قوانين، وليس حكومة رجال”.

 

لم تفعل سوى حالات قليلة – منذ صدور حكم دريد سكوت المؤيد للعبيد في عام 1856 – المزيد لتحفيز نمو وعي “كل شيء أو لا شيء” ، بين الجماعات التي تشعر بأنها تعامل بشكل غير عادل .

 

في أوقات معينة ، لعبت مكاتب الادعاء في النظام القضائي ،أيضا ،دورا وسيطا من خلال التمسك بالمعايير القانونية غير الحزبية ، على الرغم من أن الاستقطاب يميل إلى تسييسها أيضا .  ساعد  الحكم ضد مارتن لوثر كينغ في إنتاج العنف المدني اليميني الذي قتله في النهاية.

 

ادعاءات دونالد ترامب بأن نفس الوكالة استُخدمت لتشويه سمعته كعميل روسي ، وفي الآونة الأخيرة ، لتعريض حملته الحالية للرئاسة للخطر ، مما يزيد من تشويه سمعة المدعين الفيدراليين “السياسية الفائقة”.  وبالمثل ، فإن احتمال قيام وزارة العدل بتوجيه الاتهام إلى ترامب بارتكاب جرائم متعلقة بالانتخابات أو جرائم أخرى ، يمكن أن يقلل من نفوذها  كوسيط إلى الصفر تقريبا .

 

الغريب ، انه إذا استمر مثل هذا التطور ، فإن المنظمات الوحيدة المتبقية القادرة على الحفاظ على القبول العام كوسطاء جديرة بالثقة، قد تكون الخدمات العسكرية – نفس الخدمات التي رفضت التعاون في محاولة ترامب لتشويه سمعة نتائج انتخابات 2020.

 

في مجتمع يشعر بالتهديد من احتمالية حدوث عنف داخلي خطير ، فإن التدخل العسكري الذي لا يوصف لـ “حفظ الدستور” – يفقد طابعه المحظور، ويصبح جزءا من النقاش العام .

 

 ثالثا : “الحرب قد بدأت بالفعل” – والأسباب الهيكلية للعنف

 

 الشرط الثالث الذي يفتح الباب أمام العنف الجماعي هو التصور السائد بأن العنف السياسي قد أصبح بالفعل أكثر حدة وعمومية – فكرة أن الحرب قد بدأت بالفعل.

 

معظم الذين يحملون السلاح وينضمون إلى مجموعة مكرسة للكفاح المسلح لا يعتقدون أنهم يبادرون بالعنف.  إنهم يشعرون أنهم يدافعون ضده ، وأنه لا خيار أمامهم سوى مواجهة عدوهم الآن،  أو الهزيمة فيما بعد.

 

قريباً ، إن لم يكن على الفور ، سيكون لديهم شهداء يقتدون بهم ،ورفاق قتلى أو  جرحى للانتقام . وسرعان ما قد يرون  البطولة العنيفة  والاستعداد للتضحية باعتبارها الطريقة الوحيدة لإيقاظ الآخرين  “النائمين” على الخطر  المحدق بهم وواجبهم .  ربما يكون هذا الوعي أوضح مؤشر على أن النضال المدني على وشك التحول إلى العنف.

 

في الجو السائد من  تزايد الاستقطاب  ، هناك ميل للتأكيد على أن العنف السياسي يتزايد بسرعة وينتشر.  قد يبدو أن حوادث مثل هجوم 6 كانون الثاني / يناير / على الكونجرس تبرر هذا التصور ، لكن التأكيد مبالغ فيه بسبب تركيز وسائل الإعلام المكثف على عدد محدود من الأحداث الصادمة.

 

لحسن الحظ ، لم يتحقق، بعد ، تحول واسع النطاق إلى العنف السياسي.  تفتقر حركة الميليشيات في الولايات المتحدة إلى هيكل قيادة مركزي، وتماسك سياسي، وتقاليد من المساعدة المتبادلة.  التقارير عن نمو الميليشيات اليمينية غير متسقة ، لكن لا يبدو أنها تمر بتوسع خطير.

 

وعلى اليسار ، يسمع المرء أيضا تقارير عن زيادة النشاط بين التجمعات اللاسلطوية أو الحركة اليسارية  المناهضة للفاشية والعنصرية “أنتيفا”،  ولكن هنا يوجد دليل أقل على النمو السريع أو زيادة حوادث العنف.

 

 السؤال الحاسم ، إذن ، هو كيفية منع العنف السياسي من التصعيد إلى المستوى الذي يتم فيه إنشاء نظام عنيف يولد نفسه بنفسه.

 

تتطلب الإجابة على ذلك  أن نفكر بشكل نقدي وإبداعي في الأسباب الكامنة وراء الاستقطاب ، لا سيما بشأن التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية الجسيمة التي ولّدت تيارات شعبوية قوية في كل من اليمين واليسار . تزايد عدم المساواة مشكلة لا يبدو أن قبيلة “الأحمر” أو “الأزرق” قادرة على فهمها أو التصدي لها بشكل صحيح.

 

فالمحافظون لا يستطيعون التعامل مع عدم المساواة لأنهم مؤيدون للرأسمالية. لذلك ، فإنهم يميلون إلى تحويل مشاكل مثل ركود الأجور ، وانعدام الأمن الوظيفي ، والتراجع عن التصنيع ، وفشل برامج الرعاية الاجتماعية،  إلى قضايا الهوية الثقافية.  (الناس البيض – أو غير المسيحيين – أو العمال المحليين الذين يتعرضون للإساءة والاستبدال ” . اليساريين الراديكاليين الذين يكرهون أمريكا ويحاولون تدمير المعايير الأخلاقية التقليدية ، وما إلى ذلك).

 

ولا يستطيع الليبراليون التعامل مع عدم المساواة  لأنهم يعتقدون أنهم يتعاملون معها من خلال العبث مبدئيا بالنظام الاجتماعي.  إنهم مؤيدون للرأسمالية، أيضا، لكنهم يعتقدون أنه من خلال زيادة الضرائب على الأثرياء ، ورفع الحد الأدنى للأجور ، وتفضيل الطاقة “النظيفة” على الطاقة “القذرة” ، وإصلاح شبكة الأمان الاجتماعي ، وما إلى ذلك ، يمكنهم مكافحة عدم المساواة، أو على الأقل  إعطائها  وجها  إنسانيا .

 

هذا خطأ!  معظم المشاكل التي تولد انعدام  المساواة الاجتماعية هي مشاكل هيكلية ، ولا يرغب الديمقراطيون ولا الجمهوريون في التفكير  بحلول جذرية بما يكفي لتكون فعالة.

 

يعتقد العديد من أفراد القبيلة “الحمراء” أن “الزرقاء” اشتراكيون بالفعل ، لكنهم ليسوا كذلك ، ليسوا أبدا .

 

الاشتراكية تعني استخدام الوكالات / المؤسسات/ العامة التي لا يقودها دافع الربح للقيام بوظائف لا تستطيع الشركات الساعية للربح القيام بها ، دون إعادة إنتاج عدم المساواة الجسيمة.  وهذا يعني إعطاء الحكومات الفيدرالية والمحلية المنتخبة والمسيطر عليها الكلمة الأخيرة فيما يتعلق بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي لا تستطيع النخب الرأسمالية حلها.  وبهذه الطريقة تصبح العديد من المشكلات التي لم يتم حلها قابلة للحل، بحيث تجعل المرء يدرك مدى ضآلة اهتمام كل من الأحمر أو الأزرق بحلها بالفعل !

 

تفضل كلتا القبيلتين محاربة قضاياهما على أرض الحرب الثقافية، كالهجرة – وغيرها من المشاكل، على تعريض “النظام  الخاص المقدس للربح ” للخطر.

 

يفسح  ذلك المجال لإيضاح قصير واحد فقط لهذه الديناميكية: الجدل حول الهجرة :

 

وفقا للمحافظين ، فإن الهجرة من الدول الفقيرة على نطاق واسع إلى الولايات المتحدة تكلف وظائف العمال المحليين ، وتقوض مستويات الأجور ، وتعطل الثقافات المحلية القائمة.

 

ويرد الليبراليون على أن الهجرة تخلق وظائف جديدة، وتولد مصادر للفرص الاقتصادية ، وأن التعددية الثقافية قد أثرت الحضارة الأمريكية.

 

في الواقع ، يمكن للمرء أن يثبت بسهولة أن الهجرة على نطاق واسع تعمل لصالح العمال ذوي الأجور المنخفضة في المناطق التي يوجد بها أعلى تركيز للمهاجرين ، وأن المستفيدين الاقتصاديين الرئيسيين هم مؤسسات رأسمالية تعتمد على العمالة الرخيصة.

 

من الواضح ايضا أن العمال الجدد يستقرون حيث توجد هذه الوظائف ، وليس في الأماكن التي يحتاج المجتمع فيها إلى خدماتهم بشدة.

 

إذن ، يبدو أن أحد الحلول واضحا .  الحصول على الحكومة لضمان مستويات الأجور ، وتوفير وظائف جيدة للعمال في مناطق الهجرة العالية ، وجعلها تضمن أن مستوى الخدمات الاجتماعية في هذه المناطق سوف يتحسن بدلاً من أن يتدهور مع وصول سكان جدد.

 

المشكلة هي أن هذا سيتطلب تدخلا حكومياً في الاقتصاد،  إلى حد لم يكن هناك شخص  “أحمر” أو “أزرق” في منصبه حاليا على استعداد للنظر فيه.

 

أو ، ماذا عن هذا كجزء من الحل:  جعل الحكومة تضع وتنفذ سياسة هجرة توجه السكان الجدد للعيش والعمل لفترة معينة من الوقت ،في المناطق والوظائف التي هم في أمس الحاجة إليها ، بدلا من المناطق والوظائف التي تدر أكبر قدر من الربح لعدد قليل من الشركات.

 

من شبه المؤكد أن إنهاء الضغط  الاقتصادي في المناطق التي يتركز فيها عدد كبير من المهاجرين سيقلل من مستوى الضغط الثقافي في تلك المجتمعات نفسها ، ويمكن للحكومات المحلية الخاضعة للسيطرة والتمويل الشعبي، أن تفعل كل أنواع الأشياء لمساعدة المجموعات المتنوعة ثقافيا على العيش معا بسلام . لا يقتصر الأمر على عدم اقتراح هذا النوع من التدخل ، بل إن مناقشته تعتبر من المحرمات من قبل كلا  “القبيلتين”.

 

ولأسباب مماثلة ، فإن الميزانية العسكرية الهائلة لأمريكا ، التي تتجاوز ميزانيات الدول السبع التالية الأقوى مجتمعة ، والأرباح الهائلة للمجمع الصناعي العسكري، هي ايضا موضوعات محظورة .

 

حتى في الوقت الذي يعاني فيه سكان الولايات المتحدة من عواقب البنية التحتية المتدهورة ، وتغير المناخ غير المنضبط ، والفقر المدقع في المناطق الريفية والحضرية ، والخدمات العامة التي تعاني من نقص شديد في التمويل ،فإن الرأسمالية على الطريقة الأمريكية والإمبراطورية على غرار الولايات المتحدة يتم استبعادها  كمواضيع للنقاش السياسي.

 

ما يتبقى للنقاش  ، بالطبع ، هو ما يسمى بالقضايا الاجتماعية: سلطة الولايات في تحريم الإجهاض ، وحرية مدربي كرة القدم للصلاة على خط الخمسين ياردة ، وحق المواطنين في حمل البنادق الهجومية العسكرية ، وواجبهم في دعم القوات الأمريكية في أي حرب قد يُطلب منهم خوضها ، وما إلى ذلك.

 

نتيجة لذلك ، يميل العديد من المحللين  -الذين يحاولون تقييم احتمالية نشوب حرب أهلية أمريكية جديدة- إلى استنتاج أن الصراع بين القبائل الحمراء والزرقاء هو صراع ثقافات لا علاقة له تقريبا بقضايا الاقتصاد أو الطبقة الاجتماعية.  إنهم لا يفهمون – أو ربما لا يريدون أن يفهموا  – أن الصراعات الثقافية الصاخبة تزدهر في وسط المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي لم يتم حلها.

 

استنزاف هذا المستنقع والقضايا التي تبدو محملة  بقيمة  كبيرة  لدرجة أنه لا يمكن حلها، تتحول إلى أنه يمكن التحكم فيها دون تهديد أو  وقوع بالعنف.

 

الخلاصة: ما وراء “الفجوة الثقافية”

 

المثال الأخير لهذا المبدأ هو “الفجوة الثقافية” بين الأمريكيين الحاصلين على تعليم جامعي ، والذين يميلون بأعداد كبيرة إلى دعم القبيلة الزرقاء ، وأولئك الحاصلين على تعليم ثانوي أو أقل ، والذين يدعمون بأعداد كبيرة القبيلة الحمراء المحافظة .

 

هل توجد اختلافات ثقافية وقيمية بين هذه المجموعات؟  بالتأكيد.  لكن هل اختلافاتهم هي مسائل أيديولوجية وأسلوب حياة محض؟  بالتاكيد لا !

 

معظم السكان الحاصلين على تعليم جامعي في أمريكا هم من العمال أو أصحاب المشاريع الصغيرة أو المهنيين من المستوى الأدنى ، وليسوا أعضاءً في بعض النخب الثرية.

 

في الواقع ، هم في الغالب عمال ضعفاء ، لأن قلة قليلة منهم أعضاء في نقابات عمالية أو جمعيات أخرى ذات نفوذ اقتصادي حقيقي.  لكن معظمهم محظوظون،  أو محظوظون بما يكفي للحصول على وظائف في صناعات مرتبطة بالتكنولوجيات الجديدة ، بدلاً من الصناعات القديمة المهددة بالتراجع ،والتغير البيئي. إنهم يميلون إلى العمل مع أجهزة الكمبيوتر عوضا عن العمل اليدوي  ، ولا يعتمدون على سعر الفحم أو الزيت أو المحاصيل الزراعية للبقاء على قيد الحياة.

 

وتقع معظم هذه الصناعات الجديدة في المناطق الحضرية أو الضواحي وليس في الريف.  هذا هو المكان الذي يعيش فيه العمال الجدد ، مما يعني أن ثقافتهم تميل إلى أن تكون حضرية وليست ريفية ، وغالبًا ما تعكس قيما  أكثر حداثة من القيم التقليدية.

 

باختصار ، يرتبط صراع الثقافات بانقسام الطبقة العاملة الأمريكية. بالنسبة للعمال في الصناعات القديمة ، فإن ما يمكن أن نطلق عليه “موظفو التكنولوجيا العالية” يتمتعون بالعديد من الامتيازات التي تمتع بها العمال الحرفيون المهرة في أمريكا منذ فترة طويلة.  وهذا يعطي البعض منهم الوهم بأنهم لم يعودوا معتمدين على تقلبات السوق الرأسمالية ، بل أعضاء من نوع ما في النخبة المثقفة من الطبقة الوسطى. سيكتشف معظمهم قريبا-إن لم يكونوا قد فعلوا ذلك بالفعل – أنه عندما تنقلب السوق  ، فإنهم في نفس القارب مع العمال الذين ينظر إليهم الكثيرون على أنهم متخلفون رجعيون.

 

لتجنب حرب أهلية أمريكية جديدة ، يحتاج العمال الحضريون الحاصلون على تعليم جامعي ، والذين يميلون إلى دعم القبيلة الزرقاء، أن يروا أنفسهم بيادق في نفس النظام المهووس بالربح، الذي يحول الكثير من العمال الريفيين أو غير الصناعيين إلى حمر  يحملون السلاح ويضربون الكتاب المقدس  .

 

هذا هو النظام ، بعد كل شيء ، الذي يعطي الأزرق شوارع غير آمنة ،ومدارس لا تعلم ، وعائلات لا تستطيع توفير الحب أو الأمن ، وحروب خارجية لا نهاية لها ، وحالات طوارئ بيئية متوطنة ، وشيكات رواتب لا تدفع  الإيجار .  عدد قليل من رواد الأعمال أو المهنيين الناجحين يصلون إلى صفوف أولئك الذين يستطيعون شراء بدائل خاصة مكلفة للخدمات العامة المتدهورة أو غير الموجودة.  معظمهم لا يفعلون ذلك ، وسرعان ما يكتشفون أنه يجب عليهم الجري بقوة أكبر لمجرد البقاء في مكانهم المتميز نسبيا .

 

إن العبء النفسي على كل من الأزرق والأحمر مرتفع للغاية ، والإغراء لرؤية الجانب الآخر على أنه المشكلة ، وليس النظام الذي أوقع كلاهما في شركه ، هو إغراء قوي.  إن هذا الفشل في التفكير بشكل منهجي ، قبل كل شيء ، هو الذي يخلق خطر الحرب الأهلية بين القبائل الأمريكية الحمراء والزرقاء.

 

إذا أدركوا فقط أن عدوهم المشترك هو نظام مفترس بلا روح يعطي الأولوية للأرباح على الاحتياجات البشرية ، فيمكنهم وضع خيالهم في العمل لإنشاء مؤسسات خاضعة للسيطرة الشعبية مصممة لتلبية تلك الاحتياجات.

 

 سيحدث هذا ، على ما أعتقد ، لأن إحساسنا بالأزمة يقوض قوة المحرمات السياسية.  في غضون ذلك ، يمكننا العمل على تجنب تأجيج وعي “الكل أو لا شيء” الذي يقود غالبا في اتجاه العنف المدني.  عندما يُطلب اتخاذ قرارات فورية – على سبيل المثال ، قرار مقاضاة دونالد ترامب كمجرم أم لا –  أفضل أن أجعل نظام الربح هو الهدف بدلا من المستفيد.  ترامب هو عرض قبيح للمرض الاجتماعي الذي يسمى الرأسمالية.  يبدو لي أن علاج المرض  هو الأولوية الأولى.

 ملاحظات.

 

 [1] انظر ، على سبيل المثال ، ستيفن ماركي ، The Next Civil War: Dispatches from the American Future (Avid Reader Press / Simon & Schuster، 2022)؛

باربرا إف والتر ، كيف تبدأ الحروب الأهلية: وكيفية إيقافها (كراون ، 2022).

*ريتشارد روبنشتاين مؤلف وأستاذ جامعي لحل النزاعات والشؤون العامة بجامعة جورج ميسون ، حاصل على درجات علمية من كلية الحقوق في جامعة هارفارد وجامعة أكسفورد (بصفته باحثًا في رودس) و بجامعة هارفارد.  يعيش في واشنطن العاصمة. شغل منصب مساعد مدير معهد Adlai Stevenson للشؤون الدولية في شيكاغو قبل أن يصبح أستاذا مشاركا للعلوم السياسية في جامعة روزفلت (1970-79) ، وأستاذا للقانون وعميدا أكاديميا في كلية الحقوق في أنطاكية (1979-1987) ، وأستاذ جامعي في جامعة جورج ميسون (منذ 1987).  وهو عضو هيئة تدريس ومدير سابق لمدرسة جورج ميسون جيمي وروزالين كارتر للسلام وحل النزاعات ، وهي أقدم وأكبر برنامج لدراسات الصراع في البلاد.

‎2022-‎08-‎15